الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

إدارة التصعيد.. محددات تجدد القصف الأمريكي تجاه إيران

  • مشاركة :
post-title
إحدى الجسور المدمرة في محافظة هرمزجان الإيرانية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

أخطرت الإدارة الأمريكية الكونجرس في 10 يوليو 2026 باستئناف الهجمات ضد إيران، بالتوازي مع جمود مساعي تنفيذ مذكرة إسلام آباد وحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مساعٍ إيرانية متجددة لاغتياله.

وفي رد سريع على إعلان إيران في 13 يوليو 2026 إغلاق مضيق هرمز، أعاد الرئيس دونالد ترامب تفعيل الحصار البحري على الموانئ الإيرانية يوم الثلاثاء 14 يوليو في تمام الرابعة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بالتزامن مع قصف مركَّز على مواقع ساحلية مطلة على المضيق وعلى امتداد القوس الحدودي في الجنوب الإيراني من سيستان وبلوشستان شرقًا وهرمزجان جنوبًا إلى خوزستان في غرب البلاد، ومنها استهداف بنى تحتية وجسور في محافظة هرمزجان وبرج مراقبة في ميناء الشهيد كلانتري في تشابهار بمحافظة سيستان وبلوشتان.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالية مسوغات التصعيد الأمريكي الحالي وخيارات الرئيس الأمريكي في مواجهة إيران حال فشل العودة للمفاوضات.

مسوغات التصعيد

تُظهِر ملابسات صنع القرار داخل إدارة ترامب وفق ما نقلتها وسائل الإعلام المقربة من الرئيس الأمريكي أن التصعيد تجاه إيران جاء وفق الدوافع التالية:

(*) استعادة زخم التصعيد: أرسلت الإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب إشارات متواترة حول "نهاية مذكرة التفاهم" واستعادة لغة الخطاب المتشدد تجاه الجمهورية الإسلامية مع التلويح باتخاذ إجراءات مدمرة حال الإقدام على اغتياله، وترافق الحرص الأمريكي على التصعيد المتدرج وإيجاد مسوغات لعودة التصعيد مع إخطار الإدارة للكونجرس ببدء جولة جديدة من التصعيد مع إيران بتاريخ 7 يوليو 2026، وتلويحه بحملة قصف عنيفة على مدى الأيام المقبلة حتى نهاية الأسبوع الجاري، وفق حديثه لفوكس نيوز في 14 يوليو الجاري. وجاء في خطاب ترامب للكونجرس أن الولايات المتحدة استئنفت ضربات "محدودة ومركزة ومخططة لتقليص هامش الخسائر بين المدنيين"، مؤكدًا أن "القوات البرية غير منخرطة في هذا التصعيد".

تأتي العودة للتصعيد في التوقيت الحالي بالاستفادة من معطيات مرحلية يمكن أن تغير موقع الولايات المتحدة في المفاوضات، أولها وجود أفق زمني يسمح بفرض تصعيد متدرج بهامش قليل من الضغوط، فمن جهة يمنح استئناف العمليات في الوقت الحالي فرصة أكبر لترامب في تحقيق الأهداف العسكرية من خلال تحييد تصويت الجمهوريين على تقييد صلاحيات الرئيس على شن الحرب وإعادة عقارب التصعيد للمربع الأول لمدة 60 يومًا يمكن تمديدها 30 يومًا أخرى دون الرجوع للكونجرس. وثانيها في تحييد إسرائيل عن المواجهة الراهنة للتحكم في ذروة التصعيد وانتزاع تنازلات تنهي الصراع دون تأخير أو تمدد في ساحات المواجهة، وثالثها الأسلوب الجراحي في التعامل مع الأهداف الإيرانية من خلال تحديد الأهداف العسكرية الساحلية من دفاعات صاروخية ومنصات إطلاق طائرات مُسيَّرة إلى جانب التشكيلات القتالية البرية والأهداف البحرية مثل الزوارق السريعة والألغام، كما توظف واشنطن منصات غير مأهولة في المسرح البحري لأول مرة وتعول على إطلاق الصواريخ من منصات برية وبحرية لتقليص هامش الخسائر في صفوف القوات الأمريكية المهاجمة والتأكيد على عدم انخراط القوات البرية الأمريكية في العمليات على إيران.

(*) جمود الوضع في المضيق: على الرغم من نص مذكرة التفاهم على إيلاء مسؤولية استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز للجانب الإيراني خلال 30 يومًا وترك ملف الإدارة المستقبلية للمضيق لطهران ومسقط والدول المشاطئة الأخرى في المنطقة، إلا أن استهداف إيران للممر الإنساني الذي أعلنت عنه سلطنة عُمان في مياهها الإقليمية بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية وفرض مسار وحيد للعبور عبر المضيق من مياهها الإقليمية عزز من مخاوف الأطراف المعنية بحرية الملاحة وتدفق تجارة النفط والسلع عبر هرمز.

هذه الإرادة الجماعية عبر عنها اجتماع وزير الخارجية الأمريكي ماركو وروبيو ونظرائه بمجلس التعاون لدول الخليج العربي في اجتماع مشترك بالمنامة في 25 يونيو 2026، عبر التأكيد على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون فرض رسوم عبور أو قيود على الحركة التجارية وأهمية مراعاة مصالح دول المنطقة في أي اتفاق أمريكي محتمل مع إيران.

ويمثل التصعيد المتجدد في أحد أهدافه تحييد ورقة مضيق هرمز وأوراق القوة الإيرانية المتبقية مثل منشآة جبل الفأس النووية المحصَّنة والتي يحتمل أن تكون في طليعة جهود عسكرة البرنامج النووي إذا ما سعت طهران لدخول النادي النووي حال فشل المفاوضات، من خلال حشد الدعم الدولي لجهود إعادة فتح المضيق، ليس فقط على صعيد الدعم الدبلوماسي والذي بدى واضحًا في البيان الختامي لقمة الناتو بأنقرة 7 و8 يوليو 2026، وإنما في بناء تحالف وآلية دولية لإعادة فتحه وضمان حرية الملاحة وتدفق النفط والسلع الحيوية عبره.

(*) تفويض ضمني: مثَّل حضور ملف إيران في قمة الناتو بأنقرة انتصارًا دبلوماسيًا للولايات المتحدة على صعيد إضفاء نوع من الشرعية على التصعيد ضد طهران في الإطار الغربي، ووفق البيان الختامي للقمة أكد الحلفاء على وجوب ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، كما دعا البيان إيران للاحترام الكامل لحرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي ختام أعمال القمة 8 يوليو 2026، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللوم على إيران في انتهاك وقف مذكرة التفاهم بمهاجمة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، وأن ذلك الانتهاك الإيراني أدى إلى "رد أمريكي"، في إشارة دعم ضمني للموقف الأمريكي في تحرير الملاحة من أي قيود، وإن تبنت باريس موقفًا دفاعيًا.

خيارات المواجهة

لوَّح الرئيس الأمريكي باستهداف منشأة جبل الفأس، وبدء تصعيد متدرج يشمل قصف محطات الطاقة والجسور، ما ينذر بتحول الصراع إلا استنزاف مفتوح دون بلوغ الأهداف، ومن ثم يمكن القول إن خيار التصعيد الأمريكي في مواجهة إيران يحتمل أحد التطورين التاليين:

(&) فض الاشتباك: تراهن الإدارة الأمريكية على تغيير مواقف إيران نتيجة للتصعيد وتهدف من خلال التصريحات المتشددة لمعالجة تصورات القيادة الإيرانية حول محدودية خيارات التصعيد الأمريكي وتغير موقف الإدارة مع قرب انتخابات الكونجرس، إلا أن ضغوط ترامب المتسارعة قد تصطدم بتعنت إيراني.

وفي تلك الحالة قد تلجأ الإدارة الأمريكية إلى تجميد أو إدارة مخاطر الصراع من خلال فصل المسارات واستمرار الضربات الجراحية للأهداف الحيوية عالية القيمة مثل المنشآت والمنصات العسكرية أو منشآت البرنامج النووي، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري حتى استدعاء فرص وساطة للوصول إلى تفاهمات تنهي الصراع المسلح وتعزز عزلة طهران وضمان عدم حصولها على سلاح نووي.

ويكمن الهدف الأمريكي في تقليص القدرة العسكرية والأمنية الإيرانية باعتبار أن النظام بصيغته الحالية لا يمكن أن يكون حليفًا للولايات المتحدة وينبغي إيجاد ثغرات واضحة في مصادر قوته الجيوسياسية والعسكرية تمكن من إكمال المهمة عبر تمرد داخلي في صفوف النظام أو تمرد مسلح من الأطراف يفكك الجغرافيا الإيرانية تدريجيًا بما يقلص من قدرتها التعطيلية التي تهدد المضيق وتؤثر على استقرار البيئة الأمنية في الخليج.

(&) توسيع الصراع: يشمل وقوع الطرفين في حوادث تصادم متكررة ناتجة عن سوء الإدراك مع حشد المزيد من القوات الأمريكية اللازمة لتنفيذ عمل بري على المناطق الساحلية الحاكمة لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتوازي مع انخراط المزيد من الأطراف الإقليمية والدولية في الصراع لتحرير مضيق هرمز ووقف الضرر اللاحق بإمدادات الطاقة العالمية، أو لجوء أي من أطراف الصراع إلى الخيار النووي من أجل نهاية سريعة للحرب، إلا أن ذلك التصعيد ينطوي على مخاطر واسعة تتمثل في إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب لفترات طويلة وتدمير منشآت البنية التحتية الحيوية اللازمة للحياة الآدمية على جانبي المضيق واستهداف أسس النظام الاقتصادي العالمي، فضلًا عن امتداد الصراع إلى ساحات إقليمية أخرى نتيجة لتغير موازين القوى عقب انسحاب طهران من بعض مناطق نفوذها في الإقليم.

وإجمالًا؛ مع غياب أي مؤشرات على قرب التوصل لتفاهمات مستدامة بين الولايات المتحدة وإيران، تظل نقاط التباين والاختلاف بين الجانبين كبيرة مع ربطهما التوصل لاتفاق بمكتسبات الحرب، فمن الجانب الأمريكي يظل إدراك الرئيس ترامب محصورًا في تطبيق نهج "الصفقة" ولا يتفهم الدوافع الأيديولوجية والنفسية التي تدفع طهران للتشدد وعدم إبداء مرونة في المفاوضات وإن ارتبط ذلك الموقف بخلافات وانقسامات في القيادة.

وعلى الجانب الآخر، تراهن إيران على إنهاك الجانب الأمريكي من نقص الذخيرة ومحدودية المدى الزمني للتصعيد وخياراته. 

وتظل العقدة الأساسية للصراع والتي تحول دون التوصل لاتفاق وقوع مضيق هرمز وسلاسل الإمداد البحرية للطاقة وغيرها من السلع الحيوية أسيرة بين الطرفين، وهو ما يدفع لانخراط دولي حاسم في حلحلة الصراع أو استدامته وتمدده إقليميًا وعالميًا.