الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

مستقبل الاتفاق.. ما مسارات الاقتصاد الإيراني في ظل التوترات الحالية؟

  • مشاركة :
post-title
الاقتصاد الإيراني ومستقبل الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

شكّلت محادثات سويسرا محطة فاصلة للاقتصاد الإيراني، الذي عانى كثيرًا من ارتفاع العقوبات الأمريكية عليه، إذ إن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى رفع هذه العقوبات وفق هذا الاتفاق، سيُسهم في حدوث انتعاشة كبيرة في الاقتصاد الإيراني الذي تكبَد خسائر كبيرة من الحرب، لكن مع تجدد المواجهات تُثار العديد من التساؤلات حول مستقبل الاتفاق ومسارات الاقتصاد الإيراني المُنهك.

وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على الوضع الاقتصادي لإيران، مع توضيح مسارات هذا الاقتصاد وفق مستقبل الاتفاق المُبرم مع الولايات المتحدة الأمريكية.

مؤشرات قياسية

يُمكن التعرف على وضع الاقتصاد الإيراني في الوقت الحالي من خلال مجموعة من المؤشرات، التي سيتم توضيحها فيما يلي:

الشكل (1): معدل النمو الاقتصادي في إيران من 2020 إلى 2026- المصدر: مركز الإحصاء الإيراني

(-) معدل النمو الاقتصادي: يُشير الشكل (1) إلى أن الاقتصاد الإيراني سجل معدلات نمو مرتفعة، خلال الفترة من 2020 إلى 2023، إذ ارتفع من 4.44% عام 2020 إلى 5.33% عام 2023، وحدث هذا الانتعاش الكبير العام الجاري، بسبب انضمام إيران إلى العديد من التكتلات والمنظمات الاقتصادية مثل منظمة "شنجهاي" للتعاون، يوليو 2023، وتكتل "بريكس" أغسطس 2023، كما أنه في العام الجاري أعلنت كوريا الجنوبية الإفراج عن أصول إيرانية بقيمة 6 مليارات دولار، بعد صفقة أمريكية إيرانية لتبادل السجناء.

ولكن انخفض هذا المعدل عام 2024 إلى 3.66%، إلى أن سجل معدلات سالبة في عامي 2025 و2026، الأمر الذي يُعبر عن الانكماش الاقتصادي الذي تعرضت له إيران، فقد حدث ذلك بسبب انخفاض حصة النفط في الصادرات الإيرانية من العقوبات الدولية المفروضة عليه، وانخفاض آفاق الاستثمارات بشكل كبير، ما تسبب في تآكل داخلي للصناعة والبنية التحتية الإيرانية، فضلًا عن انخفاض مساهمة قطاع الخدمات في معدلات النمو داخل إيران، إذ إن الاقتصاد الإيراني يعتمد بقوة على قطاع الخدمات.

الشكل (2): سعر الدولار الأمريكي مقابل الريال الإيراني

(-) سعر الصرف: تدهورت العملة الإيرانية بشكل كبير، خلال الفترة الأخيرة، خاصة أنها لا تُغطى باحتياطي نقدي أجنبي كافٍ يعمل على تحقيق مرونتها، ويوجد في إيران عملة رسمية -الريال الإيراني-، وعملة غير رسمية "التومان" التي تستخدم في التعاملات اليومية والتجارية، إذ إن التومان يُقدر بـ10 ريالات، وتراجعت هذه العملة بنسبة 3.17%، خلال الأشهر الاثنى عشر الماضية.

وكما يوضح الشكل (2) تدهورت قيمة الريال الإيراني بشكل كبير أمام الدولار الأمريكي، إذ ارتفعت قيمة الدولار من نحو 42.05 ألف ريال إيراني، ديسمبر 2025 إلى نحو 1.32 مليون ريال إيراني، 29 يونيو 2026، وحتى وقت كتابة التحليل، الأمر الذي يوضح التراجع الكبير في قيمة العملة الإيرانية، ما جعلها مهددة بفقدان دورها كأداة لحفظ القيمة وكعملة فعَالة، في ظل تحول متزايد من جانب الأسر والشركات نحو اعتماد الدولار الأمريكي في تحديد الأسعار والادخار، وتشكيل التوقعات.

الشكل (3): معدل التضخم في إيران من مارس 2025 إلى مارس 2026

(-) معدل التضخم: بلغ متوسط التضخم في إيران أكثر من 50% خلال الاثنى عشر شهرًا الماضية، أعلى معدل في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية. وتجاوز تضخم أسعار المواد الغذائية 100%، فكما يوضح الشكل (3) ارتفع معدل التضخم في إيران من 37.1% مارس 2025 إلى 50% مارس 2026.

(-) حجم الصادرات: تسبب الحصار الأمريكي على إيران في خسائر اقتصادية كبيرة، إذ انخفضت صادراتها النفطية إلى أدنى مستوياتها، مقدّرة بخسائر تصل 435 مليون دولار يوميًا في ذروة الأزمة، فقد انخفضت صادرات إيران من النفط الخام والمكثفات إلى أدنى مستوى لها منذ ست سنوات، إذ انخفضت إلى أقل من 300 ألف برميل يوميًا، ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى الحصار البحري الأمريكي، وفقًا لبيانات الشحن والمحللين.

مسارات مستقبلية

في ظل التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والاتفاق المُبرم بينهما، فإنه يُمكن القول إن الاقتصاد الإيراني لديه عدد من المسارات التي تُحدد مُستقبله، كما سيتضح في النقاط التالية:

(-) تأرجُح الاتفاق (المسار الأول): ينطلق هذا السيناريو من احتياج أمريكا وإيران إلى الاتفاق الذي أُبرم، لكن استخدام القوة في تنفيذ بنود الاتفاق تضع احتمالًا أن الاتفاق سيظل متأرجحًا على المدى القصير، بمعنى أنهم سيعملون على تصعيد الأحداث تارًة، وتارًة أخرى يحاولون تخفيف التصعيد من خلال الدعوة إلى اجتماع تشاوري، وما يؤكد هذا أن مسؤول في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أوضح أن الجانبين اتفقا على عقد اجتماع في قطر، غدًا الثلاثاء، وإنهما سيُخفضان التصعيد في الوقت الراهن، من خلال بحث النزاع في مضيق هرمز.

ومن الناحية الاقتصادية فإنه يُمكن القول إن الاقتصاد الإيراني لن يستفيد من هذا الشد والجذب في الاتفاق، إذ إن الاتفاق يحتاج إلى حكمة سياسية تعمل على تحقيق المصلحة العليا، ما يجب أن يتحلى به الجانبان، حتى يستفيدوا من ثماره.

(-) انهيار الاتفاق (المسار الثاني): إن العودة إلى تصعيد كبير للصراع بين أمريكا وإيران يؤدي إلى انهيار تام للاتفاق المبرم، الذي يُمكن وصفه بالاتفاق الهش، لأنه لا يستطيع أن يوقف إطلاق النار في منطقة الشرق الأوسط بشكل كامل، وهذا المسار لا يجني أي ثمار سواء لإيران أو الولايات المتحدة الأمريكية.

فاستمرار التصعيد في ظل الوضع الاقتصادي الحرج لإيران كما تم إيضاحه، يعمل على استمرار تراجع مختلف المؤشرات الاقتصادية، الذي من الممكن أن يعمل في الأجل الطويل على انهيار النظام الإيراني، فما حدث يناير 2026 لا يُمكن أن يتم إغفاله في حسابات مستقبل إيران عندما نزل آلاف الإيرانيين إلى الشوارع، بسبب انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما لا بد أن تضعه الإدارة السياسية الإيرانية في اعتبارها خلال الفترة المقبلة.

وعلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية فانهيار الاتفاق واستمرار التصعيد يُنذر بركود اقتصادي كبير، ويؤجج غضب الأمريكيين من الأوضاع الاقتصادية، كما أن استمراره بالوضع الحالي لبنوده يضع ترامب في مشكلات كبيرة أمام حزبه، بسبب التنازلات التي قدمها لإيران في الاتفاق، ما يُهدد موقفه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المُقرر عقدها 3 نوفمبر 2026، ما يُشير إلى أن قرار الحرب يُعتبر أسوأ قرار في السياسة الخارجية لترامب، إذ إنه بدأها ولا يستطيع إيقافها بشكل يُحقق مصلحته ومنفعته.

الجدول (1): العائد المُحتمل على الاقتصاد الإيراني من الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية

(-) نجاح الاتفاق (المسار الثالث): يُعتبر هذا المسار من المسارات المُثلى للاقتصاد الإيراني كما يوضح الجدول (1)، إذ إن الاتفاق يترتب عليه فوائد كبيرة لإيران تنعش اقتصادها، فالاتفاق يشتمل على خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية بقيمة 300 مليار جنيه، ما يسهم بشكل كبير في إنعاش النشاط الاقتصادي الذي تراجع، بسبب الحصار الأمريكي على مضيق هرمز.

ومن ناحية أخرى فرفع العقوبات عن إيران يُمكن إيران من بيع عشرات الملايين من براميل النفط المُخزنة على متن ناقلات النفط البحرية. ويُرجّح أيضًا أن تتمكن من بيع نحو مليوني برميل من النفط يوميًا، أي بزيادة تُقدّر بنحو الثلث عما كانت تبيعه قبل الحرب، وفقًا لرئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة ريستاد الاستشارية جورج ليون، ونظرًا لزيادة هذه المبيعات، لن تحتاج إيران بعد الآن إلى تقديم خصومات كبيرة، خاصة أن إيران تُحقق 50% من إيراداتها من مبيعات النفط.

ويأتي بند الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة بمثابة انفراجة كبيرة للاقتصاد الإيراني، فبهذا البند يكون بإمكان إيران استعادة تدفقاتها النقدية المقطوعة بسرعة إذا رفعت الولايات المتحدة التجميد عن أكثر من 100 مليار دولار من أموال إيران المجمدة حاليًا في البنوك حول العالم، إذ تُشير تقديرات وسائل الإعلام والمحللين الإيرانيين إلى أن إيران تمتلك أصولًا مجمدة تتراوح قيمتها بين 124 و167 مليار دولار، أي ما يُعادل ربع الناتج الاقتصادي السنوي لإيران قبل الحرب.

في النهاية يُمكن القول إن العمل على وقف حرب أصعب من البدء فيها، فالحرب في إيران امتدت آثارها إلى الداخل الأمريكي على الرغم من أن الصواريخ الإيرانية لم تصل مداها إلى هذه البقعة من الأرض، كما أن الاقتصاد الإيراني لا يحتمل مزيدًا من التصعيد، فهيكل هذا الاقتصاد أصبح هش بدرجة كبيرة لا يتوافق معها التعنت السياسي الحالي، فمغبة هذا التراجع في المؤشرات الاقتصادية الإيرانية ستترك آثارًا كارثية على النظام الإيراني في الأجل الطويل، الأمر الذي يتطلب حكمة سياسية من جانبي الصراع.