أثارت حرب إيران في أصولها ونتائجها تحولات رئيسية بالمشهد السياسي الأمريكي، شملت انتفاض جناح محافظ على خوض صراع نيابة عن إسرائيل ولا يخدم الولايات المتحدة بصورة مباشرة ولم يمثل تهديدًا وشيكًا خلافًا لمبررات ترامب لشن الحرب، إلى تيار سائد يثير انتقادات لاتفاق ترامب الأولي باعتباره يمنح طهران فرصة للتغول بالمنطقة ولم يقوض قدرتها على تهديد إسرائيل.
وجاء إعلان الإعلامي والمعلق السياسي المحافظ تاكر كارلسون، 18 يونيو 2026، حول خروجه من الحزب الجمهوري لأنه لم يعد يعكس آراؤه ورؤيته لمفهوم "أمريكا أولًا" وانتقادًا لتقديم مصالح إسرائيل على مصالح الأمريكيين.
تأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي تداعيات التفاهم مع إيران على التحولات في المشهد السياسي الأمريكي في ضوء التحديات المبكرة التي تواجه الرئيس الأمريكي في أوساط القاعدة الجمهورية.
تحولات ممتدة
مثلت حرب إيران امتدادًا لتأثير إسرائيل على السياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا، خاصة خلال حرب غزة والتصعيد الإقليمي المرتبط بها منذ النصف الثاني لولاية الرئيس الديمقراطي جو بايدن وحتى الولاية الثانية للرئيس الجمهوري دونالد ترامب، إلا أن الفترة الأخيرة من الصراع مع إيران شهدت تحولًا جوهريًا في رؤية النخب المحافظة للتحالف الصلب بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
(*) الانشاقاقات والصراعات السياسية: إلى جانب خلافات داخلية تتعلق بملفات جيفري إبستين، أدى الارتباط الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن قضايا الشرق الأوسط لشرخ عميق في تحالف ترامب الواسع، الذي يضم نخبًا من تيار ماجا القومي الصاعد والمحافظين الجدد ونخب المال والأعمال الذين يشكلون قسمًا كبيرًا من تعييناته الفيدرالية. وشملت الانشقاقات العلنية في موقف الجمهوريين السجال بين دونالد ترامب والنائبة مارجوري تايلور جرين، التي أدت لاستقالة الأخيرة من مجلس النواب بعد تهديد الرئيس الأمريكي باستبدالها في الانتخابات التمهيدية للحزب.
وعلى الرغم من التحولات الواسعة التي سعى ترامب لإرسائها في ولاء الحزب الجمهوري لزعامته، من خلال حملات تطهيره من الخصوم على غرار ليز تشيني، إلا أن سياسة الرئيس الأمريكي تجاه إسرائيل عززت من الغضب داخل الحزب مع استمرار تدخل ترامب في الانتخابات التمهيدية وإزاحة أعضاء بازين بالحزب من مقاعدهم في الكونجرس، على غرار دعم منافس للنائب الجمهوري توماس ماسي، الذي انتقد تدخل إسرائيل في السياسة الأمريكية.
هذه المواجهة امتدت لصراع على الصلاحيات بين الرئيس ومؤسسة الكونجرس في ذاتها، من خلال عرقلة الجمهوريين لمشروع قانون الانتخابات المسمى "إنقاذ أمريكا"، الذي يدعمه ترامب ويعالج مسألة أهلية الناخب وضمان قصر حق الانتخاب على المواطنين عبر تقديمهم مستندات رسمية تثبت جنسيتهم "بطاقة هوية أو جواز سفر"، في إطار المخاوف من استغلال الديمقراطيين للمهاجرين من أجل "تزوير الانتخابات"، في ظل عدم وجود بطاقة هوية موحدة للأمريكيين الذين يصوتون باستخدام رخصة القيادة. كما تتضمن مطالب ترامب للمشروع المقترح إلغاء عتبة 60 صوتًا لتمرير القرارات في مجلس الشيوخ، وإنهاء ممارسة "الورقة الزرقاء"، التي تمنح أعضاء "الشيوخ" رأيًا في المرشحين الفيدراليين من الرئيس بولاياتهم الأصلية. وكانت آخر المواجهات تصويت مجلس الشيوخ، 23 يونيو 2026، على قرار غير ملزم بسحب القوات الأمريكية المشاركة بالحرب على إيران، في امتداد لتصويت سابق بتقييد صلاحيات الرئيس في شن الحرب، قبل أن يتراجع الجمهوريون عن دعم القرار، 24 يونيو 2026، عقب دعوة غداء وجهها عضو مجلس الشيوخ ورئيس اللجنة التوجيهية للحزب الجمهوري ريك سكوت للرئيس في اليوم نفسه.
(*) المال السياسي وسعر المقعد: أثارت خسارة النائب الجمهوري توماس ماسي، في الانتخابات التمهيدية بالدائرة الرابعة لولاية كنتاكي، مايو 2026، مسألة استغلال نفوذ اللوبي الصهيوني في التدخل بالانتخابات وشراء مقاعد الكونجرس، إذ تخطى الإنفاق على الحملة والإعلانات المدفوعة حاجز 32 مليون دولار، منها نحو 9 ملايين دولار من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل على رأسها "مشروع الديمقراطية المتحدة" التابع لـ"أيباك" و"التحالف اليهودي الجمهوري" ومنظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل". وفي الدائرة الخامسة بولاية ميريلاند أنفقت المنظمة 5.7 مليون دولار لاختيار أدريان بوافو على مقعد مجلس النواب خلفًا للنائب المتقاعد ستيني هوير.
وبقراءة تصريح سابق للرئيس الأمريكي حول تآكل نفوذ "أيباك" في الكونجرس يتضح الدافع وراء الإنفاق القياسي في الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين، التي بلغت حتى يونيو 2026 نحو 38 مليون دولار، من خلال لجنة العمل السياسي وتمويل منظمات أخرى، ما يتجاوز حجم إنفاقها في انتخابات 2022 التي بلغت 26 مليون دولار، كما من المحتمل تجاوزها حجم الإنفاق على انتخابات 2024، الذي بلغ 46.3 مليون دولار حسب بيانات بوليتيكو. وفي نيويورك كانت معركة أيباك مختلفة في وجود التيار الاشتراكي بقيادة حاكم الولاية زهران ممداني، الذي فاز 3 من مرشحيه أمام 3 نواب ديمقراطيين بالكونجرس مدعومين من أيباك بصورة مباشرة أو عبر منظمات وهمية في الدوائر السابعة والعاشرة والثالثة عشر.
تداعيات أولية
أثارت استطلاعات الرأي موقفًا قاتمًا في صفوف الأمريكيين من تداعيات حرب إيران ومدى جدوى خوضها من البداية وأدت لاستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، خلال الأيام الأولى للحرب، في ظل عدم وجود "تهديد وشيك" من إيران على المصالح الأمريكية، التي كانت مبرر ترامب في أول كلمة موجهة للشعب الأمريكي بعد اندلاع الحرب، 28 فبراير 2026.
(&) ضغوط مبكرة: على صعيد رؤية الجمهور، اعتبر 59% من المواطنين الأمريكيين أن الحرب على إيران كانت قرارًا خاطئًا، حسب استطلاع لمؤسسة بايو للأبحاث، وأظهر الاستطلاع تأييدًا نسبيًا من الجمهوريين والمحافظين. وفي استطلاع عن الآثار الاقتصادية للحرب أظهر استطلاع لفوكس نيوز، أن 60% من الأمريكيين يشعرون بالتشاؤم إزاء تحسن الحالة الاقتصادية، وأن 12% من المستطلعة آراؤهم يرون أن شؤونهم المالية جيدة.
وامتدت حالة السخط من آليات عمل الديمقراطية الأمريكية، التي حلت في المرتبة 15 من إجمالي 16 من دول الدخل المرتفع، حسب استطلاع حديث لمؤسسة بايو نُشر 10 يونيو 2026، أظهر أن 69% من الأمريكيين لا يرضون عن الديمقراطية في بلادهم، مبرزة انخفاض مستويات الرضا في الولايات المتحدة على أساس سنوي من 37% في 2025 إلى 30% للعام الجاري. وعلى صعيد موقف القواعد الانتخابية، ترتفع مستويات عدم الرضا في أوساط الجمهور الديمقراطي (والمائلين للديمقراطيين) إلى نسبة 86%، بينما تصل في القاعدة الجمهورية والمحافظة إلى مستويات 51%.
وبدا تأثير المال السياسي حاضرًا بقوة في العملية الانتخابية مع شعور الناخبين بانعدام وزن أصواتهم في العملية الانتخابية لصالح 4 مجموعات رئيسية هي على الترتيب رجال الأعمال والأحزاب السياسية والحكومات الأجنبية وجماعات الضغط الخاصة، وفق استطلاع أُجري منتصف أبريل الماضي، حسب بوليتيكو.
(&) تفتت القاعدة المحافظة: على مدار أشهر ثار لغط في تيار "ماجا" القومي الناشئ حول اغتيال الناشط تشارلي كيرك، بالتوازي مع مواقف وتصريحات المعلق السياسي الجمهوري والإعلامي السابق بقناة فوكس نيوز تاكر كارلسون، حول سياسة إسرائيل تجاه غزة، وإثارة الشكوك حول مدى ارتباط المصالح الأمريكية بإسرائيل. وفي خطوة لافتة أعلن كارلسون، 18 يونيو 2026، عدم دعمه للحزب الجمهوري، معتبرًا أن الحزب خان ناخبيه بتفضيله الأمن القومي الإسرائيلي على الأمن القومي الأمريكي.
وسبق إعلان سحب دعم كارلسون للحزب الجمهوري انفصال نجله عن فريق عمل نائب الرئيس جيه دي فانس، أبريل الماضي، ما يثير التساؤلات حول إحدى أكثر الشخصيات الإعلامية المؤثرة في أوساط التيار القومي الصاعد الرافض لخوض الحروب نيابة عن أطراف أخرى ومدى ارتباطه بنائب الرئيس، معربًا عن رفضه خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، خوفًا من التأثير على مستقبل فانس.
يتزامن ذلك مع ترقب أجنحة الإدارة الأمريكية لما ستؤول إليه نتائج المفاوضات مع إيران، وفق توجهات الرئيس ترامب، فنجاح الاتفاق قد يمثل دفعة مهمة لترشيح فانس في الانتخابات الرئاسية 2028، خاصة مع بروز موقفه الواضح والمتمايز من الصراع وتصريحاته الحادة تجاه قادة إسرائيل، مشيرًا بالقول إن "ترامب رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يُبدي تعاطفًا مع إسرائيل في الوقت الراهن".
ورغم تراجع الجمهوريين عن تحدي قرارات الرئيس الأمريكي بشأن حرب إيران، وصولًا للاتفاق الأخير، أبدى عدد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ ممن خسروا مقاعدهم في الانتخابات التمهيدية تخوفات علنية من اتفاق إيران وتحركات ترامب المفاجئة ، إلا أن التأثير الأوضح بين مؤيدي الاتفاق ومعارضيه داخل الحزب، الخوف من خسارة الحزب للانتخابات النصفية، نوفمبر المقبل، إذ اختار عدد من قادة الحزب التركيز على تراجع أسعار الطاقة عقب إنهاء الحرب وتوقيع مذكرة التفاهم.
وإجمالًا؛ حمل اتفاق إيران وتطورات الشرق الأوسط تأثيرات بالغة على الساحة السياسية الأمريكية ليس أقلها تصاعد العنف السياسي وبروز تياري أقصى اليمين وأقصى اليسار لإعادة تشكيل السياسة الداخلية وإبداء التحفظ تجاه السياسات الإسرائيلية تجاه دول المنطقة وبالأساس تجاه المصالح والقيم الأمريكية.