في يوم الجمعة، الموافق 19 يونيو 2026، من المُقرر أن يتم توقيع اتفاق مبدئي بين واشنطن وطهران في مدينة جنيف السويسرية، ثم تتبع ذلك مفاوضات الـ 60 يومًا، وذلك على خلفية إعلان رئيس الوزراء الباكستاني "شهباز شريف" عن نجاح وساطة مُكثفة، أفضت إلى اتفاق بين الجانبين الإيراني والأمريكي في يوم الاثنين الموافق 15 يونيو.
ويُعد الاتفاق انفراجة حقيقية لأزمات الاقتصاد العالمي، بخاصة منطقة الشرق الأوسط، فمعظم المؤشرات صححت اتجاهاتها بعد الاضطراب الكبير الذي سببته الحرب على إيران، ولكن ستنتظر الأسواق الاقتصادية تحول المفاوضات إلى تسوية سياسية طويلة الأمد، وإلا ستحدُث صدمة كبيرة.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على المردودات الاقتصادية من اتفاق واشنطن وطهران، هذا فضلًا عن توضيح المعالم المختلفة لهذا الاتفاق.
مردودات الاتفاق
يمكن التعرف إلى المردودات الاقتصادية للاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران في النقاط التالية:
(-) أسعار النفط: تسببت حرب إيران في غلق ممر حيوي لتجارة النفط عالميًا، وهو مضيق هرمز، الذي يمر منه 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المُسال، وهو ما حقق صدمات سعرية كبيرة لسوق النفط العالمي.
وكما يوضح شكل (1) انخفض سعر النفط الخام من 103.69 دولار للبرميل في 18 مايو 2026 إلى 80.45 دولار للبرميل في 15 يونيو 2026، بنسبة 22.4%. كما استمر في الانخفاض إلى 75 دولارًا للبرميل حتى 17 يونيو، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل مارس 2026، وبمجرد دخول الاتفاق بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ، ستستأنف ناقلات النفط عبور مضيق هرمز، مما يزيد من إمدادات النفط، وهو ما يُصحح الأسعار بشكل أكبر.
(-) أسعار الذهب: تعرضت سوق الذهب خلال فترة الحرب الإيرانية إلى موجات صعود وهبوط كبيرة، فمع بداية الحرب قفز سعر أونصة الذهب إلى مستويات تتجاوز الـ 5000 دولار للأونصة، حيث سجلت 5228.41 دولار في 22 فبراير 2026، ولكن بعد أن أثرت الحرب على أسعار النفط ومؤشر الدولار الأمريكي انخفضت أسعار الذهب دون هذا المستوى، حيث سجلت نحو 4624 دولارًا في 30 أبريل 2026، وفي شهر يونيو استمر سعر أونصة الذهب في الانخفاض، حيث سجل 4219.08 دولار في 10 يونيو.
ولكن بعد الاتفاق المبدئي بين الجانبين الأمريكي والإيراني على إنهاء العمليات العدائية، بدأ سعر أونصة الذهب في الارتفاع، حيث سجلت نحو 4311.25 دولار في 15 يونيو 2026، ثم ارتفعت حتى وقت كتابة التحليل إلى 4328.56 دولار.
ومن هنا يُمكن القول إن مستثمري سوق الذهب في انتظار حقيقي لتوقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في سويسرا، يوم الجمعة المُقبل 19 يونيو 2026، بالإضافة إلى أن الانتعاش الكبير في سوق الذهب ستنتظر نتائج اجتماع الفيدرالي برئاسة "كيفن وارش"، حيث يتوقع أن يقوم بتثبيت سعر الفائدة عند 4.35%.
(-) أسعار العملات الرقمية: تسببت التوترات في منطقة الشرق الأوسط إلى تكبُد سوق العملات الرقمية خسائر كبيرة، فالاتجاه نحو المخاطر ينخفض في هذه الأزمات، ففي بداية شهر يونيو تراجع سعر البيتكوين بنسبة 16%، مُسجلًا أكبر انخفاض أسبوعي له منذ إفلاس منصة FTX، ففي 5 يونيو انخفض سعر البيتكوين إلى ما دون الـ 60 ألف دولار أمريكي، وذلك للمرة الأولى منذ أكتوبر 2024، وبعد أن بلغت مستوى قياسي تجاوز الـ123 ألف دولار في يوليو 2025، وما ضاعف خسائر السوق أن أكبر شركة مالكة للبيتكوين "إستراتيجي" قامت بأول عملية بيع لها منذ فبراير 2022.
ولكن بعد الإعلان عن التوصل لاتفاق، قفزت العملة المشفرة إلى ما يقارب 67 ألف دولار، في يوم الاثنين 15 يونيو، مسجلة أعلى مستوى لها منذ نحو أسبوعين، وقد أسهم في هذا الانتعاش في ارتفاع أسهم الشركات المرتبطة بالعملات المشفرة، بما في ذلك منصات التداول Coinbase وRobinhood.
وبالإضافة إلى البيتكوين ارتفع سعر عملة الإيثيريوم، في صباح يوم الثلاثاء 16 يونيو، بنسبة 3.51%، ليصل إلى 1785.18 دولار، كما قام موقع Coin Market Cap بإضافة عملتي JW7 وBV-7X بعد إعلان التوصل لاتفاق مباشرة، الأمر الذي يُشير إلى زيادة نشاط السوق وجذب مستثمرين جدد.
(-) قيمة الدولار: شهد سعر الدولار الأمريكي انخفاضًا ملحوظًا بعد الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران، ففي يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 انخفض سعر الدولار بنسبة 3.4%، حيث وصل مؤشر الدولار الأمريكي إلى مستوى 99.50، وهو ما يُشير إلى انخفاض الطلب على الدولار كملاذ آمن، مع التفاؤل حول اتفاق السلام المُحتمل.
(-) اتجاه أسهم البورصات: انتعشت الأسواق المالية بعد الاتفاق بين واشنطن وطهران، فهذه الأسواق مرنة بشكل كبير مع التصريحات السياسية والاقتصادية، فالخبر الإيجابي يُحدث انتعاشًا كبيرًا، إذ قفز مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 1.7%، كما ارتفع مؤشر "إم إس سي آي" لمنطقة آسيا والمحيط الهادي بنسبة 0.3%، كما ارتفعت أسعار الأسهم في وول ستريت، حيث صعد مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1%، وتترقب الأسواق المالية، اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026، نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ لتحديد سعر الفائدة، وهو ما جعل أسعارها تستقر إلى حد ما.
ضغوط واضحة
إن الاتفاق المُرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يحمل بعض المعالم الظاهرة:
(*) استمرار الضغط الاقتصادي: يعمل كلا الجانبين (الأمريكي والإيراني) على استخدام ورقة الضغط الاقتصادي، فالولايات المتحدة الأمريكية تُغري إيران بالإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المُجمدة بقيمة 24 مليار دولار، لكن مع ربط صرف هذه الأصول مباشرة بالامتثال الصارم والمفاوضات المرحلية، بالإضافة إلى عرض خطط لإنشاء صندوق استثماري دولي بقيمة 300 مليار دولار؛ بهدف إعادة بناء الاقتصاد الإيراني، هذا فضلًا عن منح طهران إعفاءات مؤقتة من العقوبات؛ لبيع النفط والوقود خلال فترة المحادثات.
وعلى الجانب الآخر، تستخدم إيران مضيق هرمز ورقة ضغط أساسية على العالم أجمع، وعلى الوضع الداخلي للرئيس ترامب، الذي انخفضت شعبيته بشكل كبير، وهو ما جعل أحد بنود الاتفاق هو التزام إيران باتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية في مضيق هرمز دون رسوم خلال 30 يومًا.
(*) استمرارية الترقُب الحذر: لما كان الهدف الأساسي من الهجوم الأمريكي على إيران هو القضاء على برنامجها النووي والصاروخي، فإننا يُمكن أن نعتبر الاتفاق المُرتقب في سويسرا سيكون اتفاقًا مبدئيًا، ويفتح الطريق إلى مباحثات أوسع، وهو ما أوضحته رئيسة المفوضية الأوروبية أن اتفاق أمريكا وإيران يفتح الباب أم مفاوضات أوسع بشأن السلام، وأن الاتفاق لابد أن ينهي أنشطة إيران المُزعزعة للاستقرار في المنطقة.
ومن هنا، ومع المبالغة الشديدة للرئيس ترامب في العديد من التصريحات، التي تروّج لنهاية الصراع في الشرق الأوسط، لا تزال إيران تتمسك بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان وبالحفاظ على برنامجها النووي، ويُمكن القول إن العالم في وضع الترقُب الحذر من الاتفاق بين واشنطن وطهران، وهو ما اتضح في درجة تصحيح الأسواق الاقتصادية، عقب الإعلان عن الاتفاق المبدئي؛ انتظارًا لما ستُسفر عنه محادثات الـ 60 يومًا.
(*) استمرار شبح القوة العسكرية: تصريحات ترامب توضح أن القوة العسكرية ما تزال في خياراته إذا لم تتحقق أهداف الاتفاق النهائية، إذ إنه يستمر في التلويح باستئناف الهجمات العسكرية على إيران، إذا لم تلتزم إيران بالشروط، وهو الأمر الذي يُشير إلى أن الأمل حول سلام نهائي بين أمريكا وإيران ما يزال مشروطًا، ويحتاج إلى مؤشرات واضحة بشكل كبير.
وفي النهاية، يُمكن القول إن الاتفاق المُرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في سويسرا سيُشكل انفراجة مبدئية لتوترات منطقة الشرق الأوسط، وللمؤشرات الاقتصادية المختلفة، خاصة النفط والذهب، فالعالم يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية بين أطراف الصراع، ومفاوضين جادين في تحقيق السلام، وبالتالي فمهلة الـ 60 يومًا ستكون مرحلة مفصلية، إما للسلام وإنهاء الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، وإما إلى إنهيار لمفاوضات يتبعُها اضطرابات اقتصادية كبيرة، وصدمة للعالم أجمع.