الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف هيمنت قضايا الشرق الأوسط على قمة مجموعة السبع؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيسان الأمريكي والفرنسي خلال أعمال قمة مجموعة السبع

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

ما بين "دمّرنا البرنامج النووي الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان" و"دعوا النفط يتدفق"، لم يكد يمر عام على الانخراط الأمريكي في المواجهات العسكرية التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، حتى جاء انعقاد القمة السنوية للدول السبع الصناعية (G7) بمدينة إيفيان الفرنسية في يونيو 2026، ليعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي سبق أن أشار إلى تدميره قدرات إيران النووية، في تغريدة له على موقع تروث سوشيال، في 15 يونيو 2026، وبالتزامن مع بدء فعاليات القمة التي تُعقد في الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، عن أن "الصفقة مع إيران قد اكتملت الآن نهائيًا للجميع، بموجب هذا أفوض الفتح الكامل لمضيق هرمز أمام الملاحة البحرية من دون رسوم". ومضيفًا أنه "أصدر في الوقت نفسه تفويضًا بالرفع الفوري للحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة"، قائلًا: "إلى سفن العالم.. شغّلوا محركاتكم.. دعوا النفط يتدفق". هذا الإعلان الأمريكي عن اكتمال الصفقة مع إيران، والتي تقوم على إبرام مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية، يُفتَح بموجبها مضيق هرمز مقابل رفع الحصار الأمريكي بينما تُرحل القضايا الأكثر تعقيدًا مثل البرنامج النووي الإيراني، والأصول المجمدة في الخارج إلى مرحلة لاحقة من التفاوض، جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن، في 11 يونيو 2026، أن مستوى التقدم في المحادثات بات كافيًا لوقف الضربات العسكرية الإضافية.

وللمفارقة، فإن الدول السبع الصناعية الكبرى، لم يكن لها دور مؤثر في الوساطة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يتماشى مع ثقلها السياسي والاقتصادي؛ باعتبارها منتدى سياسي رفيع للدول الصناعية الكبرى، إذ تستحوذ على نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقيمة الاسمية وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، كما تسيطر على ما يقرب من 50% من صافي الثروة العالمية، وما يقرب من 40% من حجم التجارة الخارجية العالمية، وتمتلك دول المجموعة ناتجًا محليًا إجماليًا يبلغ حوالي 51.45 تريليون دولار، وتسيطر دولها السبع على النسبة الأكبر من الثروات والأصول المالية المودعة عالميًا، كما تقود المجموعة حركة التبادل التجاري عبر الهيمنة على سلاسل الإمداد الأساسية والابتكارات التكنولوجية، وتمثل أسواقها القوة الشرائية الأعلى للأفراد بفضل مستويات الدخول المرتفعة.

حضور مهيمن

تزامن انعقاد قمة الدول السبع الصناعية مع تبلور اتجاهات التهدئة في الشرق الأوسط، والتي بدأ ترامب في تبنيها بعد أن أعلن، في 1 يونيو 2026، عن اتصاله برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف التصعيد في لبنان، والذي حاول إفشال الاتفاق بتجديد استهداف بيروت في 14 يونيو 2026، ثم إعلان ترامب في 15 يونيو 2026، عن اكتمال الصفقة مع إيران.

لذلك، يمكن الإشارة إلى أبرز قضايا الشرق الأوسط على أجندة أعمال قمة الدول السبع الصناعية بفرنسا، على النحو التالي:

(*) الصفقة الأمريكية الإيرانية: "إلى سفن العالم.. شغلوا محركاتكم... دعوا النفط يتدفق". بهذه الكلمات التي خاطب بها الرئيس ترامب السفن التجارية، وليس الدول من خلال تغريدته على منصة تروث سوشيال، في 15 يونيو 2026، ليزف فيها للعالم انتهاء ووقف التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، حتى يتدفق النفط إلى خارج الإقليم. هذا الوصف من قبل الرئيس الأمريكي يعكس ملامح الاتفاق الأمريكي الإيراني، والذي يقوم جوهره على فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية وفك الحصار الأمريكي، لتعبر السفن المضيق من دون رسوم، وهو المضيق الذي لا يتجاوز عرضه 39 كيلومترًا، وطوله ما يقرب من 167 كيلومترًا، وتشرف إيران على ضفته الشرقية، إذ نجحت ايران في توظيفه كعقدة تمكنت من خلالها من موازنة القوة العسكرية الإسرائيلية الأمريكية التي استهدفت أراضيها، واستدعت تأثير الجغرافيا السياسية على مسارات التحولات الإستراتيجية والتفاعلات الدولية، وهو ما كان لإغلاق المضيق تأثيره المباشر على إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، تشكل بموجبه رأي عام عالمي ضاغط لوقف التصعيد العسكري بالإقليم.

(*) التصعيد الإسرائيلي في لبنان: يشكل الملف اللبناني أحد أولويات الرئاسة الفرنسية في الشرق الأوسط، وهو ما يعني ضمنًا أن أزمات إقليم الشرق الأوسط، ومنها التصعيد العسكري الإسرائيلي، واستهداف اسرائيل المتكرر للضاحية الجنوبية ولبيروت بشكل عام، ستكون ضِمن مناقشات أعمال القمة، حيث تسعى باريس إلى طرح الملف اللبناني على طاولة مباحثات القمة، وهو الملف الذي يحوز على اهتمام السياسة الفرنسية برغم تأثيرها المحدود في مساره مقارنة بالموقف الأمريكي، حيث وجه الرئيس ترامب ما يشبه اللوم لنتنياهو، في 14 يونيو 2026، على منصة تروث سوشيال بأن الهجوم على بيروت كان ينبغي ألا يحدث مع اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران، والذي سيجلب السلام إلى المنطقة، بما في ذلك لبنان، مطالبًا جميع الأطراف بالتراجع، وهو الاتفاق الذي أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن التوصل إليه، في 15 يونيو 2026، قائلًا: "يسرنا الإعلان عن التوصل إلى اتفاق سلام بين أمريكا وإيران، عقب محادثات مكثفة، ويعلن الجانبان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان".

(*) حل الدولتين وإعادة إعمار غزة: يحظى الملف الفلسطيني باهتمام الدول السبع الصناعية، لا سيما فرنسا التي تسعى لتقييم مآلات الوضع في غزة بعد خطة الرئيس ترامب والتي تكونت من 21 نقطة، ومدى الالتزام بتنفيذ مراحلها الثلاث. إذ يتشكل شعور أوروبي بأن ترامب أعطى لإسرائيل هامشًا كبيرًا من المناورة في غزة دون الالتزام بمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن المساندة الأمريكية بمجلس الأمن والحيلولة دون إدانة إسرائيل أو من خلال استخدام حق النقض "الفيتو". كما تسعى الرئاسة الفرنسية للقمة -وفق العديد من آراء الخبراء المعنيين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي- إلى الاستفادة من استضافة قمة إيفيان لإعادة تسويق خطة حل الدولتين، التي تبنتها مع السعودية، وأدت العام الماضي إلى صدور إعلان نيويورك الذي تبنته 142 دولة في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة.

(*) أمن الطاقة العالمي: تمثل قضية أمن الطاقة العالمي أحد الملفات الرئيسية على طاولة مفاوضات قمة الدول السبع الصناعية الكبرى، لا سيما وأن التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي، والتوترات في الخليج كان لها تأثيرها الدولي والإقليمي والداخلي، وهو ما وصفه خبراء دراسات التنمية بالتوتر السياسي الراهن current political tension، والذي أضحى تأثيره عابرًا للحدود على الاقتصاد العالمي، وعلى سلاسل الإمداد في ظل عملية الترابط الوثيق ما بين التصعيد العسكري في الإقليم، ومدى انسيابية تدفق النفط عبر مضيق هرمز الذي يعادل 20% من إجمالي الإمدادات النفطية العالمية.

(*) أمن الممرات وحرية الملاحة الدولية: يشكل أمن الممرات الدولية وحرية الملاحة بها أحد القضايا على أجندة مباحثات قمة السبع الصناعية، حيث تسعى الدول الكبرى إلى ضمان حرية الملاحة في الممرات والمضايق الدولية؛ استنادًا إلى مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، والقواعد المستقرة التي تضمن حق العبور الحر والسريع للسفن والطائرات عبر المضائق الدولية التي تصل بين مناطق أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، حظر القانون الدولي على الدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية أو فرض أي رسوم أو مدفوعات أو شروط تعيق حركة العبور، وهو الأمر الذي أكدته تصريحات الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينجيز، خلال اجتماع عقده مجلس الأمن الدولى في أبريل 2026، بدعوة من البحرين لبحث سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري"، بأن مبدأ حرية الملاحة غير قابل للتفاوض، وضرورة السماح للسفن بمزاولة نشاطها التجارى في جميع أنحاء العالم دون عوائق، وبما يتفق مع أحكام القانون الدولي. وأضاف دومينجيز، أنه وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي: لا يجوز للدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية؛ وبالمثل، لا يوجد أي أساس قانونى يخول لأي دولة فرض رسوم أو جبايات أو شروط تمييزية على المضائق الدولية.

مجمل القول، يتزامن انعقاد قمة الدول السبع الصناعية بفرنسا مع الإعلان الأمريكي الإيراني عن التوصل إلى مذكرة تفاهم لوقف التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني، وفتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز ليتدفق النفط عبر المضيق، ومع ما يمثله النفط وإسرائيل من قضايا محورية للدول الصناعية، فإن قمة باريس ستشهد زخمًا لقضايا الشرق الأوسط، يعكسها توجيه الرئيس الفرنسي دعوة لمشاركة قادة من دول الإقليم في مقدمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقادة من قطر والإمارات، وهو ما يعني أن الشرق الاوسط ونزاعاته محور مركزي لمناقشات القمة، وربما تشهد تلك النزاعات تهدئة، في إقليم لا يزال عصيّ على إرساء دعائم الاستقرار.