الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما أولويات الاهتمامات الشرق أوسطية لقمة السبع 2026؟

  • مشاركة :
post-title
قمة السبع الصناعية 2026- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

تستضيف مدينة إيفيان الفرنسية، اعتبارًا من اليوم الاثنين وحتى 17 يونيو، فعاليات قمة مجموعة السبع الصناعية (G7)؛ في لحظة استثنائية من الاضطراب الإقليمي والدولي، إذ يتقاطع التصعيد الأمني في الشرق الأوسط مع أزمة الطاقة العالمية، وتتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات الإقليمية بما يهدد المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للقوى الغربية. وتؤكد الوثائق الرسمية للقمة أن الوضع في الشرق الأوسط يمثل أحد المحاور الرئيسية للنقاش إلى جانب أوكرانيا والاقتصاد العالمي والذكاء الاصطناعي.

وتكتسب هذه القمة أهمية مضاعفة لدول إقليم الشرق الأوسط؛ لأنها تأتي بعد أشهر من التوترات الحادة المرتبطة بإيران، وتداعيات الحرب الإسرائيلية على عدة جبهات عربية وإقليمية، فضلًا عن المخاوف المستمرة بشأن أمن الملاحة والطاقة في الخليج العربي والبحر الأحمر.

وفي هذا السياق، يُثار عدد من التساؤلات الرئيسة؛ مثل: ما هي أولويات الشرق الأوسط التي ستحتل مركز الاهتمام في قمة مجموعة السبع الصناعية بفرنسا عام 2026؟ وهل تستطيع دول السبع صياغة موقف موحَّد تجاه الحرب على إيران؟ وهل تنجح القمة في منع أي اضطراب جديد في أسواق النفط العالمية؟ وإلى أي مدى يمكن احتواء تداعيات الصراع الإسرائيلي على الأمن الإقليمي؟ وهل تتجه هذه المجموعة نحو شراكة أوسع مع الدول العربية الرئيسية؟

وفي ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة على التساؤلات السابقة من خلال التركيز على النقاط الأساسية التالية:

أولويات جيوسياسية عاجلة

ترتبط هذه الأولويات بتداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، واستمرار اشتعال الصراع العربي الإسرائيلي على أكثر من جبهة في الوقت الراهن. في ضوء ذلك تم تحديد هذه الأولويات فيما يلي:

(*) احتواء الأزمة الإيرانية ومنع تحولها إلى مواجهة إقليمية واسعة: تبدو الأزمة الإيرانية الملف الأكثر إلحاحًا على جدول أعمال القمة، خاصة مع استمرار الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى تفاهمات تمنع انفجار مواجهة عسكرية واسعة النطاق. وتشير تقارير عديدة إلى أن مصير التفاهمات الجارية مع طهران سيكون عاملًا مؤثرًا حتى على أجواء القمة نفسها. ومن المتوقع أن يناقش القادة الغربيون عدة قضايا مرتبطة بإيران، منها: مستقبل البرنامج النووي الإيراني، أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، العقوبات الاقتصادية على إيران وآفاق تخفيفها أو تشديدها، والنفوذ الإيراني في لبنان والعراق وسوريا واليمن.

وبصفة عامة، بات من الواضح أن الهدف الغربي لم يعد مجرد احتواء البرنامج النووي الإيراني، بل منع نشوء بيئة إقليمية تسمح بتجدد الصراعات بصورة تهدد الاقتصاد العالمي.

(*) استمرار الحرب الإسرائيلية في أكثر من جبهة وتداعياتها الإقليمية: رغم اختلاف مواقف بعض أعضاء المجموعة بشأن إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، فإن ملف الصراع العربي الإسرائيلي سيظل حاضرًا بقوة. فدول المجموعة تدرك أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع نطاق المواجهة على أكثر من جبهة، خاصة في لبنان وغزة، يمكن أن يقود إلى مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لذلك يُتوقع أن تركز المناقشات في هذه القمة على منع توسع هذا الصراع إلى جبهات جديدة، ودعم ترتيبات التهدئة الإقليمية، ومعالجة التداعيات الإنسانية، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

(*) مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود: على الرغم من تراجع أولوية ملف الإرهاب مقارنة بسنوات سابقة، فإنه لا يزال ضِمن اهتمامات القمة، خاصة في ضوء تنامي نشاط بعض التنظيمات المسلحة في مناطق الأزمات. كما تهتم فرنسا خلال رئاستها للمجموعة بمكافحة التدفقات غير المشروعة والجريمة المنظمة العابرة للحدود. ويشمل ذلك: تمويل الجماعات المتطرفة، وشبكات تهريب السلاح، والجريمة السيبرانية، والهجرة غير الشرعية المرتبطة بالصراعات.

أولويات اقتصادية حيوية

ينطلق تحديد هذه الأولويات من أن العلاقة بين دول الشرق الأوسط ومجموعة السبع، يجب أن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الفرص، ومن التركيز على أمن الطاقة وحده إلى شراكة شاملة في الاستثمار والتكنولوجيا والابتكار والتنمية المستدامة، بما يحقق الاستقرار والازدهار للطرفين وللاقتصاد العالمي. وفي ضوء ذلك يمكن تحديد الملفات والأولويات الاقتصادية لقمة مجموعة السبع في فرنسا إزاء إقليم الشرق الأوسط فيما يلي:

(*) أمن الطاقة ومضيق هرمز: منذ تأسيس مجموعة السبع ارتبطت أولوياتها بأمن الطاقة، لكن قمة 2026 تعيد هذا الملف إلى الواجهة بقوة؛ بسبب المخاوف المرتبطة بالخليج العربي واحتمالات اضطراب حركة النفط العالمية. وقد أشار عدد من الخبراء والمؤسسات الدولية إلى أن تداعيات التوتر مع إيران أعادت للأذهان أزمة النفط العالمية في سبعينيات القرن الماضي. لذلك فمن المرجح أن تبحث القمة في هذا الخصوص عدة ملفات مثل: ضمان حرية الملاحة البحرية، حماية إمدادات النفط والغاز، تعزيز المخزونات الإستراتيجية للدول الصناعية، تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المعرضة للمخاطر الجيوسياسية. ولذلك فإن قضية الطاقة لن تُناقش باعتبارها ملفًا اقتصاديًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من الأمن القومي للدول الغربية.

(*) البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية: أثبتت أحداث العامين الماضيين أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح قضية عالمية تمس التجارة الدولية وسلاسل الإمداد. ولهذا ستسعى دول السبع إلى تعزيز التعاون الأمني البحري وتأمين خطوط الملاحة الحيوية الممتدة من قناة السويس إلى المحيط الهندي. وتبرز هنا أهمية الدور المصري؛ باعتبار مصر أحد أهم الأطراف المتأثرة مباشرة بأي اضطرابات في هذا الممر الإستراتيجي.

وإذا ما استمرت الاقتصادات الشرق أوسطية، خاصة الخليجية منها، في التنويع الاقتصادي، واستمرت دول السبع في البحث عن شركاء موثوقين للطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، فمن الأرجح أن تتطور العلاقة بين هذه المجموعة ودول المنطقة من علاقة تركز على النفط والأمن إلى علاقة أوسع تشمل التكنولوجيا والتمويل والابتكار والطاقة النظيفة. لذلك، يبدو أن مستقبل العلاقة هو استمرار الشراكة مع إعادة توزيع موازين النفوذ والمصالح بين الطرفين.

مشاركات عربية فاعلة

تسعى كل من دول الشرق الأوسط ومجموعة السبع خاصة، بعد التطورات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026، إلى بناء إطار جديد للتعاون يقوم على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والتنمية الاقتصادية والابتكار التكنولوجي. وأن التسويات السياسية والحوار الإقليمي تمثل السبيل الأمثل لتجنب دورات الصراع المتكررة وضمان الأمن والازدهار للشعوب كافة.

لذلك حرصت فرنسا على توجيه الدعوات لعدد من الدول العربية والإقليمية المهمة للمشاركة في بعض فعاليات القمة، ومن بينها مصر والسعودية والإمارات، في إشارة إلى إدراك الغرب أن إدارة أزمات الشرق الأوسط لم تعد ممكنة دون شراكات إقليمية واسعة. وتتمثل أهداف مجموعة السبع من هذه المشاركات العربية في تعزيز التعاون الأمني، تنسيق سياسات الطاقة، جذب الاستثمارات المتبادلة، ودعم جهود الاستقرار الإقليمي.

وهذا يعكس انتقالًا تدريجيًا في سياسة مجموعة السبع الصناعية من "إدارة الأزمات من الخارج" في إقليم الشرق الأوسط إلى محاولة بناء ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر تشاركية مع القوى الإقليمية.

رسائل أربع مؤثرة

في ضوء ما شهده إقليم الشرق الأوسط من تطورات غير مسبوقة نتيجة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من استنزاف عسكري واقتصادي واسع للعديد من دول هذا الاقليم، وتعرض حركة التجارة والطاقة العالمية لمخاطر متكررة في مضيق هرمز، واستمرار هشاشة وقف إطلاق النار ووجود مفاوضات سلام لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي. فقد تزايد إدراك مجموعة السبع الكبرى أن أمن الشرق الأوسط أصبح جزءًا مباشرًا من الأمن الاقتصادي العالمي. فلم يعد الشرق الأوسط مجرد ملف إقليمي، بل أصبح أحد المحددات الرئيسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة والتجارة الدولية، لذلك أصبحت تكلفة الصراع في الشرق الأوسط أعلى من تكلفة التسوية، وإن استقرار الشرق الأوسط لم يعد مصلحة إقليمية فقط بل مصلحة عالمية مشتركة. في ضوء ما سبق، يمكن تحديد أهم الرسائل التي يمكن أن تتبناها قمة مجموعة السبع الكبرى في فرنسا إزاء منطقة الشرق الأوسط، فيما يلي:

(*) الرسالة الأولى: منطقة الشرق الأوسط ليست ساحة صراع دائم بل شريكًا في صناعة الاستقرار العالمي.

(*) الرسالة الثانية: استقرار إقليم الشرق الأوسط شرط لاستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

(*) الرسالة الثالثة: الحلول السياسية والدبلوماسية أصبحت أكثر جدوى وأقل تكلفة من استمرار المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط.

(*) الرسالة الرابعة: يجب أن تكون مرحلة ما بعد الحرب فرصة لإعادة بناء الثقة الإقليمية بين دول إقليم الشرق الأوسط كافة.

في النهاية، يمكن القول إن قمة مجموعة السبع الصناعية في فرنسا عام 2026، تبدو أنها أقرب إلى "قمة إدارة الأزمات الشرق أوسطية" منها إلى قمة اقتصادية تقليدية. فالتوتر مع إيران، وأمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، واستمرار اشتعال الصراع العربي الإسرائيلي على أكثر من جبهة، ومستقبل العلاقات مع دول إقليم الشرق الأوسط، كلها ملفات تفرض نفسها بقوة على أجندة قادة هذه المجموعة. وتشير المعطيات الحالية إلى أن نجاح تلك القمة لن يُقاس بعدد البيانات الصادرة عنها، بقدر قدرتها على منع تحول أزمات الشرق الأوسط إلى صدمات إستراتيجية جديدة تهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي خلال السنوات المقبلة.