في سياق التصعيد المحدود بين إيران وإسرائيل وما شهده من مواجهات عسكرية مباشرة خلال الأيام السابقة، برز يوم الثامن من يونيو 2026 كلحظة مفصلية مع توقف الضربات المتبادلة بين الجانبين، في أول تهدئة من نوعها منذ التفاهمات التي أوقفت إطلاق النار في أبريل الماضي. وجاء هذا التوقُف بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية داخل العمق الإيراني، مقابل ردود بصواريخ وطائرات مُسيّرة باتجاه إسرائيل، ما أثار مخاوف إقليمية ودولية من احتمال انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة. وقد تزامن ذلك مع حراك دبلوماسي مكثف ودعوات متسارعة من قوى إقليمية ودولية لضبط النفس ومنع توسع رقعة الصراع.
وفي هذا السياق، برز الدور الأمريكي باعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في احتواء الأزمة، إذ كثف الرئيس دونالد ترامب اتصالاته مع الأطراف المعنية لمنع استمرار العمليات العسكرية، في وقتٍ أشارت فيه تقارير إعلامية إلى أن إسرائيل أوقفت غاراتها الجوية ضد إيران؛ استجابةً لضغوط وطلبات مباشرة من واشنطن. ويعكس هذا التطور رغبة أمريكية واضحة في منع تحول التصعيد إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وتؤثر سلبًا على المسارات السياسية والتفاوضية القائمة.
تأسيسًا على ما تقدم، يظل التساؤل مطروحًا بشأن مدى قدرة إيران وإسرائيل على الالتزام بوقف الحرب خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التهدئة الحالية تمثل بداية لمرحلة أكثر استقرارًا أم مجرد هدنة مؤقتة.
حسابات إستراتيجية
يرتبط التزام إيران وإسرائيل بقرار وقف الحرب بحسابات إستراتيجية قد تدفع الطرفين نحو تجنب التصعيد، تتمثل أبرزها في:
(*) الضغوط الأمريكية للحفاظ على مسار التفاوض مع إيران: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 9 يونيو 2026، أن المفاوضات الجارية مع إيران تسير بشكل جيد للغاية، معربًا عن ثقته في إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال يومين أو ثلاثة أيام، وأن النصر الكامل على إيران سيتحقق خلال أسبوعين. كما أكد أن فرص التوصل إلى تفاهم أصبحت مرتفعة، مشيرًا إلى أن الخلافات المتبقية بين الجانبين باتت محدودة، وهو ما يعكس حرص الإدارة الأمريكية على الدفع بالمسار التفاوضي نحو مراحله النهائية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع أي تصعيد عسكري جديد بين إيران وإسرائيل قد يعرقل المفاوضات أو يؤثر سلبًا على فرص الوصول إلى اتفاق.
في السياق ذاته، ربط ترامب بين نجاح المفاوضات واستقرار الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة، مؤكدًا أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه عقب توقيع الاتفاق المرتقب مع إيران، بينما حذر من أن اللجوء إلى الخيار العسكري سيؤدي إلى استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض حصارًا بحريًا محكمًا على إيران؛ في إطار الضغوط الرامية إلى دفع طهران نحو التوصل إلى اتفاق، معتبرًا في الوقت نفسه أن الاتفاق النووي السابق لم ينجح في كبح الأنشطة النووية الإيرانية. وتعكس هذه المواقف ارتباط التهدئة الحالية بين إيران وإسرائيل بالجهود الأمريكية الرامية إلى إنجاح المفاوضات، بما يجعل الحفاظ على وقف الحرب أحد المتطلبات الأساسية لضمان استمرار المسار الدبلوماسي خلال المرحلة المقبلة.
(*) تجنُب الاستنزاف العسكري والاقتصادي: استمرار المواجهة المباشرة أو غير المباشرة بين إيران وإسرائيل يفرض كلفة متصاعدة لا تقتصر على الخسائر العسكرية فحسب، بل تمتد إلى إنهاك البنية الاقتصادية، وتآكل القدرة على الصمود الداخلي، خاصة في ظل اتساع نطاق العمليات وتعدد جبهات الاشتباك، ويهدد هذا النمط من الاستنزاف بتحويل الصراع من مواجهة محدودة إلى حرب طويلة الأمد يصعب التحكم في إيقاعها أو نتائجها.
ومن ثم، فإن الاعتبارات البراجماتية المرتبطة بحماية الاقتصاد الوطني وتفادي الضغط على الجبهة الداخلية تصبح عاملًا ضاغطًا على دوائر صنع القرار في كلا الطرفين. فإيران تواجه تحديات اقتصادية متراكمة وعقوبات مشددة، ما يجعل استمرار التصعيد عبئًا إضافيًا على استقرارها الداخلي، بينما تسعى إسرائيل إلى تقليل كلفة الانخراط العسكري المطول وما يرافقه من تأثيرات على الاستثمار والأمن الداخلي. وبناءً على ذلك، يتحول وقف الحرب إلى خيار إدارة مخاطر أكثر منه تنازلًا سياسيًا، في إطار إعادة ضبط التوازن بين المكاسب العسكرية المحدودة والخسائر الإستراتيجية المتصاعدة.
سيناريوهان محتملان
يمكن قراءة مستقبل الأزمة بين إيران وإسرائيل من خلال سيناريوهين محتملين، هما:
(-) الالتزام بقرار وقف الحرب: يقوم هذا السيناريو على نجاح الجهود الأمريكية والدولية في تثبيت التهدئة الحالية ومنع عودة العمليات العسكرية المباشرة، ويزداد احتمال تحقُق هذا السيناريو إذا شهدت المفاوضات الأمريكية مع إيران تقدمًا ملموسًا خلال الفترة المقبلة، أو إذا اقتنع الطرفان بأن كلفة العودة إلى التصعيد تفوق المكاسب المحتملة منه.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فمن المرجح أن تشهد المنطقة فترة من الهدوء النسبي، مع استمرار التنافس والصراع السياسي والأمني بين الجانبين دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، كما قد يسهم ذلك في تخفيف المخاوف المرتبطة بأسواق الطاقة والملاحة الدولية، ويمنح الأطراف الإقليمية فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها بعيدًا عن خطر الحرب الشاملة.
(-) عدم الالتزام بقرار وقف الحرب: يبقى هذا السيناريو قائمًا في ضوء الطبيعة المعقدة للعلاقة بين إيران وإسرائيل، وسِجِل المنطقة الحافل بانهيار اتفاقات وقف إطلاق النار، فقد يؤدي أي هجوم محدود أو خطأ في الحسابات العسكرية أو استهداف منشأة حساسة إلى إشعال المواجهة من جديد.
كما أنه في حال فشل المفاوضات الأمريكية مع إيران أو تعثُر الجهود الدبلوماسية، قد يدفع بعض الأطراف إلى العودة لاستخدام القوة العسكرية كوسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض. وفي هذه الحالة، قد تتطور الأحداث بصورة أسرع من السابق، خاصة أن الجولة الأخيرة أظهرت استعداد الطرفين للانتقال إلى مستوى أعلى من المواجهة المباشرة.
ختامًا؛ في ضوء المعطيات الحالية، تبدو فرص استمرار التهدئة بين إيران وإسرائيل قائمة، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية القوية والرغبة الدولية في منع اندلاع حرب إقليمية واسعة. غير أن استدامة هذا الهدوء تظل مرتبطة بقدرة الطرفين على ضبط حساباتهما الأمنية والعسكرية، وبنجاح المساعي الدبلوماسية الجارية. لذلك، فإن التهدئة الراهنة قد تمثل بداية مرحلة أكثر استقرارًا، لكنها قد تكون أيضًا هدنة مؤقتة قابلة للانهيار إذا عادت عوامل التوتر والتصعيد إلى الواجهة من جديد بين طرفَي الصراع.