الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

اختلال القاعدة.. ما الدول المستفيدة اقتصاديا من حرب إيران؟

  • مشاركة :
post-title
التوازنات الاقتصادية لحرب إيران - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من حرب التصريحات التي ألقت بظلالها السلبية على معظم المؤشرات الاقتصادية العالمية، كان هناك بعض الدول والشركات التي استفادت من هذه الحرب، ما كان استثناءً على القاعدة الأساسية التي تُشير إلى أن الضرر يلحق بالجميع في أوقات الحروب، لكن في أثناء الحرب الإيرانية انتعشت بعض القطاعات الاقتصادية داخل عدد من الدول، بسبب ارتفاع إيرادات شركات السلاح والنفط.

تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على الدول والشركات التي استفادت من حرب إيران، من خلال توضيح المؤشرات المختلفة الدالة على هذه الاستفادة.

استفادة استثنائية

هناك دول وشركات كانت الحرب الإيرانية بمثابة المخرج لاختناقاتها الاقتصادية، وهو ما سيتم توضيحه على النحو التالي:

(-) روسيا: تأثر الاقتصاد الروسي من العقوبات الأمريكية والأوروبية عليه، خاصة في صادراتها من النفط، لكن في ظل الارتفاعات التي حدثت في أسعار النفط الخام، واتجاه العديد من الدول نحو زيادة صادراتها من النفط الروسي، ارتفعت إيراداتها الشهرية من صادرات الوقود الأحفوري.

وفي مارس 2026 ارتفعت هذه الإيرادات بنسبة 52% مقارنة بالشهر السابق، لتصل نحو 713 مليون يورو (825 مليون دولار) يوميًا، وحققت في نهاية الشهر نحو 19 مليار دولار، أعلى مستوى منذ عامين، وكما حققت روسيا منذ بداية الحرب نحو 1079 مليار يورو من صادرات الوقود الأحفوري، اشترت دول الاتحاد الأوربي منها ما يزيد على 231 مليار يورو، واستمر هذا الارتفاع في شهر أبريل، إذ ارتفعت عائدات روسيا إلى 19.18 مليار دولار، أي ارتفعت بمقدار 180 مليون دولار.

الشكل (1) يوضح واردات الدول المختلفة من الوقود الأحفوري الروسي منذ بداية الحرب الإيرانية إلى 30 مايو 2026

ومن الشكل (1) يتضح أن العديد من الدول باتت تتجه إلى روسيا في استيراد الطاقة، وفي مقدمتهم الصين ودول الاتحاد الأوربي والهند وتركيا، إذ استوردت الصين بقيمة 321.6 مليار يورو، بينما استورد الاتحاد الأوروبي بنحو 231.1 مليار يورو، تليه الهند بنحو 168.9 مليار يورو، وتركيا بنحو 131.9 مليار يورو، وتوضح قيم هذه الواردات وتصدُر الاتحاد الأوروبي لها أن روسيا استفادت بشكل كبير منذ بداية حرب إيران وتعطُل سلاسل الإمداد في سوق الطاقة مع التوترات في مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي هذا النطاق ووفقًا لبيانات وزارة المالية الروسية ارتفعت إيرادات روسيا من ضرائب النفط والغاز بنسبة 32.4% على أساس سنوي، مايو 2026، لتصل 678.9 مليار روبل (9.3 مليار دولار أمريكي)، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ولما كانت هذه الإيرادات تُمثل خُمس إجمالي إيرادات الميزانية، فبالتالي زيادتها تنعش الخزانة الروسية بشكل كبير.

(-) شركات النفط والطيران الخليجية: باعتبار أن دول الخليج من اللاعبين الرئيسيين في إمدادات النفط العالمية، إذ تُشكل الدول الخمس الكبرى الواقعة في منطقة الخليج العربي بالشرق الأوسط وأعضاء منظمة الأوبك (السعودية، الإمارات، العراق، إيران، والكويت)، نحو 50% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، ويُمثل إنتاجها المُجمع نحو 80% من إجمالي انتاج الأوبك، فمن المُحتمل أن كنا نتوقع أن شركات النفط داخل هذه الدول تُحقق خسائر كبيرة مع التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن مع توفير بدائل للتصدير والشحن في ظل التوترات بمضيق هرمز مثل خط أنابيب شرق-غرب الذي اعتمدت عليه السعودية، وخط أنابيب حبشان-الفجيرة الذي استفادت منه الإمارات، فضلًا عن تنفيذ شركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك" خط جديد موازٍ يُسمى "غرب – شرق1"، لمضاعفة القدرة التصديرية عبر الفجيرة بحلول عام 2026، فإن الأرباح اتجهت للارتفاع بشكل ملحوظ.

بمتابعة بيانات هذه الشركات اتضح أن حرب إيران نتج عنها ارتفاع أرباح شركات النفط الخليجية بشكل تجاوز التوقعات المختلفة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة بأكثر من 40% منذ بداية الحرب، ما رفع من استفادة اقتصاديات الخليج المصدرة للطاقة، ففي السعودية استفادت شركة "أرامكو" من القفزات الكبيرة في سوق الطاقة العالمية، إذ ارتفعت أرباحها في الربع الأول إلى نحو 120.13 مليار ريال (32.04 مليار دولار) من عام 2026، بزيادة تتجاوز 25% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، وكما أعلنت توزيع أرباح نقدية للمساهمين بقيمة 82.1 مليار ريال.

وفي الإمارات حققت شركات "أدنوك" نتائج مالية وتشغيلية مرنة خلال الربع الأول من عام 2026، إذ بلغت إجمالي إيراداتها نحو 43.4 مليار درهم (11.8 مليار دولار)، وحققت صافي ربح بقيمة 7.9 مليار درهم (2.2 مليار دولار).

ولم ترتفع إيرادات شركات النفط بحسب، بل ارتفعت أيضًا إيرادات شركات الطيران الخليجية، فقد ارتفعت أرباح شركة "طيران الإمارات" إلى 5.4 مليار دولار، نهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 5.2 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

الشكل (2) يوضح إيرادات شركات السلاح الأمريكية خلال الربع الأول من عام 2026 (بالمليار دولار)

(-) شركات السلاح: يُعد قطاع الدفاع من أكبر المُستفيدين من أي صراع، فتزايُد التهديدات الأمنية يجعل الدول تتجه إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، ما رفع من أرباح شركات السلاح الأمريكية كما يوضح الشكل (2)، فقد حققت شركة "آر تي إكس" مبيعات بلغت 22.1 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ20.3 مليار دولار، خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.

كما بلغت إيرادات شركة "جنرال إليكتريك أيروسبايس" 12.4 مليار دولار، خلال الربع الأول من عام 2026، بارتفاع 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وحققت شركة "نورثروب جرومان" نحو 9.9 مليار دولار، بزيادة 4% عن العام السابق، وحققت شركة "لوكهيد مارتن" نحو 18 مليار دولار.

وفي السياق ذاته؛ ارتفعت إيرادات شركة الدفاع الأوربية KNDS بنحو 16%، لتصل 4.4 مليار يورو (5.1 مليار دولار أمريكي)، وبلغت الأرباح التشغيلية 661 مليون يورو، مقارنة بـ500 مليون يورو عام2025، ووصلت قيمة الطلبات المتراكمة للمجموعة إلى 33.1 مليار يورو.

احتمالات واردة

إن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع مجموعة من الاحتمالات، ما سيتم توضيحه على النحو التالي:

(-) إيجاد بدائل إستراتيجية: إن الحرب في إيران أوضحت لدول العالم أن الاعتماد على مصادر استيراد محدودة تزيد من الأعباء الاقتصادية عليهم، ما يدعم أن الدول بعد الحرب ستتجه إلى عدة بدائل، خاصة في استيراد الطاقة، فعلى سبيل المثال تضررت الدول الأوروبية بشكل كبير بعد ارتفاع أسعار الطاقة، وبسبب اعتمادها على استيراد الغاز من دول الشرق الأوسط، وبالتالي من المُحتمل أن تتجه هذه الدول إلى تنويع مصادر حصولها على الغاز، حتى ترفع درجة مرونتها أمام الأزمات المُحتملة.

(-) التوجه نحو الطاقة النظيفة: من المُحتمل أن يصبح الهدف المتوسط الأجل لمعظم دول العالم بعد حرب إيران هو جذب الاستثمارات الجادة في قطاع الطاقة النظيفة، ما أكده سكرتير الأمم المتحدة لشؤون المناخ، بأن الحرب الإيرانية تُسَرع تحول العالم نحو الطاقة المتجددة، في ظل سعي الدول الحثيث، لتقليل اعتمادها على أسواق النفط والغاز المُتقلبة.

وفي هذا النطاق تعمل دول الاتحاد الأوربي على تكثيف اعتمادها على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ استثمر الاتحاد الأوروبي نحو 90 مليار يورو (105 مليارات دولار) في مصادر الطاقة المتجددة، وارتفع إنتاج الطاقة الشمسية إلى أكثر من 60 تيرا واط / ساعة، أي ما يُعادل إجمالي الطلب السنوي للبرتغال على الكهرباء.

وتعتزم الصين استثمار أكثر من 300 مليون دولار، من خلال مجموعة "ساني الصينية"، لإنشاء أول مصنع توربينات ومكونات طاقة الرياح في مصر داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إذ يهدف إلى رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى ما يتجاوز 60% بحلول عام 2040.

(-) تراجع الهيمنة الأمريكية: إن نسبة الهيمنة الأمريكية على العالم من الوارد أن تتراجع بقدر كبير بعد انتهاء حرب إيران، فالعالم أصبح به العديد من الفواعل الاقتصادية الحاكمة، بالأخص الصين، فزيارة ترامب لهذه الدولة، خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو 2026، تُعد اعترافًا ضمنيًا بأن الصين أصبح لها موقع إستراتيجي في النظام الاقتصادي العالمي، الأمر الذي سيخلق حالة من التعددية القطبية في النظام العالمي.

في الختام، يُمكن القول إن الحرب في إيران أصبحت سلاح ذو حدين لبعض الاقتصاديات، فعلى الرغم من التأثير السلبي عليهم باعتبارهم جزءًا من العالم بأكمله، لكن النمو الذي حدث في بعض القطاعات داخلها أنعش خزانتها نسبيًا، وعلى الرغم من هذه الاستفادة فإن الدول كافة لا تتمنى أن تستمر الحرب والتوترات في الشرق الأوسط لفترة طويلة، إذ إن هذه الاستمرارية ستُسبب الضعف والتراجع لمعظم الاقتصاديات.