فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجميع بالتراجع عن موقفه الرافض لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران، معلنًا عبر منصته "تروث سوشيال" تمديد الهدنة استجابةً لطلب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مع الإبقاء على الحصار البحري وإبقاء القوات الأمريكية على أهبة الاستعداد التامة.
وجاء هذا التراجع بعد ساعات فقط من تأكيده أن التمديد "مستبعد جدًا"، في نمط من التقلبات المتلاحقة بات يُقلق حتى المقربين من البيت الأبيض. وفي تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، كشف محللان أمريكيان بارزان أن هذا التراجع ليس مرونةً دبلوماسية، بل هو انعكاس لأزمة إستراتيجية عميقة تعصف بالسياسة الخارجية الأمريكية.
تراجعات وضعف
يرى المحلل الأمريكي للشؤون الدولية في واشنطن، كالفين دارك، أن كل تمديد للهدنة يحمل رسالة واضحة لطهران مفادها: "لا إستراتيجية أمريكية، والتهديدات فارغة، وما يقوله هذا الرئيس اليوم لن يعني شيئًا غدًا".
وتذهب الكاتبة والباحثة السياسية جينجر تشابمان إلى أبعد من ذلك، مؤكدةً أن تقلبات ترامب المتلاحقة، من إرسال فانس إلى إسلام آباد ثم إلغاء الزيارة ثم إعادتها، ومن "سنشن جحيمًا" إلى "48 ساعة أخرى"، تعكس غيابًا تامًا للأهداف والخطة ومخرج واضح.
وتعزو ذلك إلى أن ترامب "يخدم سيدين متناقضين، وهما إسرائيل والشعب الأمريكي، وهو يفشل في خدمة كليهما".
وتكشف تشابمان أن الحزب الجمهوري بات منقسمًا بين جناحين متناقضين: جناح الصقور الذي تحرّكه عقيدة الصهيونية المسيحية وتربطه عقود بيع الأسلحة بمليارات الدولارات، وجناح محافظ متنامٍ بدأ يُدرك أن البيت الأبيض يضم من يستغلون المعلومات الداخلية للمتاجرة في البورصة، في فضيحة تُغذّي موجة غضب شعبية متصاعدة ضد المنظومة بأسرها.
البحث عن غنيمة ملموسة
يكشف دارك أن كلا الطرفين دخلا إسلام آباد برغبة في إنهاء الحرب وحفظ ماء الوجه، "وهذا ليس الشيء ذاته كالرغبة في التوصل لصفقة"، إذ إنه لا طهران ولا البيت الأبيض مستعدان للتنازل علنًا عن ثوابتهما، وهي البرنامج النووي الإيراني الكامل، والصواريخ الباليستية، وشبكات الوكلاء، وتصاعد إسرائيل في لبنان، وأي تخفيف فعلي للعقوبات.
ويخلص دارك إلى أن المفاوضات الحقيقية لا تدور حول الشروط، بل حول "من يتحمل المزيد من الألم الاقتصادي والإنساني والسياسي قبل أن يُذعن".
وتُضيف تشابمان أن ترامب يسعى للخروج من الصراع وهو يبدو كالمنتصر، غير أن محاولاته اليائسة، كمهمة القوات الخاصة الفاشلة لانتزاع اليورانيوم الإيراني المخصب، تكشف أنه يبحث عن "غنيمة ملموسة" يرفعها دليلًا على الانتصار، لا عن استراتيجية حقيقية.
حوت أخطأ ترامب في تقديره
تستحضر تشابمان تشبيهًا أدبيًا لافتًا، مقارِنةً ترامب بـ"كابتن أهاب" في ملاحقته الحوت الأبيض "موبي ديك"، حيث إيران هي الحوت الذي أخطأ ترامب في تقدير حجمه، إذ ظن أن حشده العسكري الهائل في بحر العرب والخليج العربي كفيل بإجبار طهران على الركوع، غير أنه لم يُحقق سوى تعزيز الإصرار الإيراني على المقاومة.
وترى تشابمان أن إيران تخوض حرب المُسيّرات والحرب الإلكترونية وحرب الاستخبارات في مواجهة ترسانة أمريكية ضخمة لكنها هشة وباهظة التكلفة، مستشهدةً بإسقاط طائرةMQC4 Triton بقيمة 230 مليون دولار، بينما تستخدم إيران آلاف المُسيّرات الرخيصة والفعالة.
ويدعم دارك هذه القراءة مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تمتلك أي خيار عسكري قابل للتطبيق في هرمز، إذ إن احتلال المضيق يعني خسائر بشرية، وهو ثمن سياسي لن يدفعه ترامب في عام انتخابات التجديد النصفي.
الحصار يخنق الأمريكيين
تتقاطع تشابمان ودارك حول نقطة جوهرية، وهي أن الحصار الأمريكي على مضيق هرمز يؤذي واشنطن قبل أن يُؤذي طهران، إذ إنه منذ اندلاع الحرب، تضاعف سعر البنزين ليتجاوز 4 دولارات للجالون، وتضاعف وقود الطائرات، فألغت شركات كبرى رحلاتها، وكتبت اتحادات المزارعين للبيت الأبيض تشكو من تضاعف أسعار الديزل وثلاثة أضعاف تكلفة الأسمدة وأعلاف الماشية.
ويصف دارك هذا التناقض بعبارة لاذعة: "ترامب يجرح نفسه ثم يضع الضمادة في المكان الخطأ"، مضيفًا أن هرمز والملف النووي "ليسا مشكلتين، بل مشكلة واحدة لها سبب واحد اسمه دونالد ترامب".
وتكشف تشابمان بُعدًا أعمق، إذ ترى أن الحرب تستهدف أيضًا خنق الصين عبر قطع إمداداتها النفطية من إيران وفنزويلا، وتدمير شبكة السكك الحديدية الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق، في محاولة أمريكية للإبقاء على هيمنتها على شرايين الطاقة العالمية.
العالم لن يعود إلى ما كان
يختم دارك بتحذير مقتضب: "المسار الواقعي الوحيد هو أن تتبادل إيران حرية الملاحة مقابل تخفيف العقوبات وضمانات أمنية وتمويل إعادة الإعمار، تنازلات ما كنا سنقدمها لو لم يتخلَّ ترامب عن الاتفاق النووي ويشعل هذه الحرب".
وتختم تشابمان بصورة أدبية، وهي كما انتهى كابتن أهاب وسفينته غارقَين في معركته الأخيرة مع "موبي ديك"، قد ينتهي ترامب وأمريكا بالثمن ذاته جراء هذه المغامرة المحسوبة بشكل خاطئ. أما النتيجة الحتمية فهي إعادة رسم التحالفات الجيوسياسية وتراجع البصمة الأمريكية في الشرق الأوسط، في عالم لن يعود أبدًا إلى ما كان عليه قبل فبراير الماضي.