الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف أثرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على الصراعات في إفريقيا؟

  • مشاركة :
post-title
إفريقيا في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

القاهرة الإخبارية - د. ساجدة السيد

منذ أن اندلعت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026، وجدت إفريقيا نفسها بين رُحَى الحرب، فلم يعد بالإمكان النظر إلى هذا الصراع باعتباره حدثًا محصورًا في نطاق الشرق الأوسط فقط؛ فقد تجاوز تأثيره الجغرافي والسياسي حدود المنطقة ليطال بنية النظام الدولي ككل. لقد أحدثت هذه الحرب صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وأدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وإعادة ترتيب التحالفات الدولية، مما أفرز تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على قضايا البعد الأمني والاقتصادي والسياسي في مناطق متباعدة، من بينها القارة الأفريقية. وتُعد إفريقيا بموقعها الجيوسياسي على مفترق طرق التجارة بين الشرق والغرب ومشهدًا لعدد من النزاعات المستمرة، من أكثر المناطق تعرضًا لهذه التداعيات. فبينما كانت العديد من دول القارة تكافح تحديات بنيوية مزمنة، أضافت الحرب في الشرق الأوسط أعباءً جديدة، وأوجدت تأثيرات مختلفة على النزاعات في السودان والصومال ومالي وليبيا، تتراوح بين التثبيت والهشاشة والتصعيد.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: كيف أثرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على الصراعات في إفريقيا؟

تداعيات مباشرة

تتجلى آثار الحرب على إيران في أفريقيا بشكل واضح من خلال تأثيراتها المباشرة على النزاعات الجارية والبيئات الأمنية الهشة في عدد من المناطق، فنجد:

(*) السودان: شهد السودان تصعيدًا في خضم الفراغ الدولي، فلم تُسهم الحرب على إيران في تهدئة النزاع الدائر بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل ساهمت بشكل غير مباشر في تصعيد التوترات. فقد أدّى انشغال القوى الدولية الكبرى بالحرب إلى تراجع الاهتمام بالملفات الأفريقية، وهو ما ظهر في ضعف الحوافز الخارجية لوقف إطلاق النار أو الدفع نحو تسوية سياسية، ما جعل الأطراف تتعامل مع الأزمة كقضية خاضعة لإدارتها الذاتية ضمن بيئة أقل ضغوطًا دولية. إضافة إلى ذلك، أثرت تداعيات الحرب على أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية، ما زاد من الضغط على الاقتصاد السوداني الهش أصلًا، وهو ما ساهم في توسيع نطاق الاحتقان الاجتماعي رغم التوقعات بإمكان حصول تخفيف نسبي. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى إطالة أمد النزاع وتصعيده نسبيًا، لا سيما في ظل غياب حلولٍ سياسية قوية.

(*) الصومال ومنطقة القرن الإفريقي: تظهر تداعيات الحرب بشكل أكثر تعقيدًا في الصومال والقرن الإفريقي، فهذه المنطقة تقع على مفترق طرق التجارة البحرية، وتطل على مضيق باب المندب الذي يُعتبر حلقة حاسمة في سلاسل الشحن العالمية. لقد وُضعت هذه الساحة أمام مخاطر محتملة تتعلق بالأمن البحري مع اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط، مما دفع إلى تعزيز الوجود العسكري الدولي في المياه المحيطة حتى كإجراء احترازي لحماية التجارة العالمية. ورغم هذا الانخراط الأمني، ظل الوضع في الصومال ثابتًا هشًا، إذ لم تسجل مستويات التوتر انخفاضًا ملحوظًا، لكن احتمالات تصعيد التوتر تبقى قائمة، خاصة مع قدرة الجماعات المسلحة كحركة شباب المجاهدين الصومالية على الاستفادة من الفراغ الدولي النسبي لبسط نفوذها في مناطق لم تزل خارج السيطرة المركزية، ولا يمكن إغفال أن استمرار تهديد الملاحة قد يحول المنطقة إلى أكثر حدة في حال توسع نطاق التحركات البحرية أو تحولها إلى مسرح عمليات مباشرة.

(*) مالي ومنطقة الساحل الإفريقي: في منطقة الساحل الإفريقي، التي تشمل دولًا مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يُلاحظ تأثير الحرب على إيران عبر آليات غير مباشرة لكن قوية. فقد تسبب انشغال القوى الغربية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، في تراجع دورهما الأمني المباشر هناك، ما أتاح مزيدًا من الفراغ الأمني الذي تستغله الجماعات المسلحة. وفي مقابل ذلك، برزت دول أخرى تسعى إلى تعزيز نفوذها، ومن بينها روسيا، التي اعتمدت على استثمارات أمنية وعسكرية مع حكومات محلية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء على المستوى العالمي – نتيجة الحرب – أثّر بشدة على اقتصادات دول الساحل التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما عزز حالة السخط الشعبي وخلق بيئة ملائمة لنمو الدعم الجماهيري لبعض الجماعات المسلحة والتصعيد في التوترات المحلية.

(*) ليبيا: تختلف الحالة الليبية عن غيرها في أن الحرب على إيران لم تؤدِ إلى تصعيد مباشر داخل ليبيا، لكن تأثيرها ظهر في هيمنة حالة الجمود السياسي على المشهد، إذ ظل الانقسام بين المؤسسات الحاكمة والعسكرية دون زخم دولي قادر على تغييره. ومع ذلك، أفرزت الحرب فرصًا اقتصادية محتملة، إذ أدّى ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى إمكانية تعزيز العائدات الليبية من تصدير الطاقة، رغم أن الإنتاج الحقيقي لا يزال عند نحو 1.7 مليون برميل يوميًا مقابل هدف قدّرته المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ببلوغ مليوني برميل يوميًا بحلول 2030. وتواجه ليبيا تحديات في استثمار هذا الارتفاع، ليس فقط بسبب الانقسامات السياسية، بل أيضًا بسبب الحاجة إلى بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمارات، وهو ما لم يتوفر بعد. لذلك، تبدو ليبيا في حالة ثبات هش من جهة، مع فرص اقتصادية غير مستغلة من جهة أخرى.

عوامل التأثر

تُظهر الحرب على إيران أن أسباب التأثير في أفريقيا ليست محلية فقط، بل تتصل مباشرة بالتحولات الاستراتيجية الدولية والاقتصادية، فنلاحظ:

(*) إعادة توجيه الاهتمام الدولي: أحدثت الحرب على إيران تغييرًا في أولويات القوى العظمى، إذ وجّهت مواردها الدبلوماسية والعسكرية نحو الشرق الأوسط وضمان تدفقات الطاقة، وهو ما أسفر عن تراجع الاهتمام بالقضايا الأفريقية، وأدى إلى ضعف تأثير الوساطات الدولية في النزاعات المحلية، خصوصًا في السودان ومنطقة الساحل الإفريقي والصومال.

(*) التداعيات الاقتصادية الضاغطة: ساهم ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء نتيجة الحرب في زيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل الدول الأفريقية المعتمدة على الاستيراد، مما عزز الاحتقان الشعبي، وبدوره ساهم في تقوية بيئة الصراع في تلك المناطق. فقد أدّت هذه الضغوط إلى تفاقم العجز المالي، وزيادة معدلات التضخم، وضعف القدرة الاقتصادية للدول المعنية على إدارة أزماتها الداخلية.

(*) عسكرة الممرات الاستراتيجية وتوسّع التنافس الدولي: أوجد تهديد الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر حالة من التوتر الأمني البحري، وهو ما شجع القوى الدولية على تعزيز وجودها العسكري لحماية خطوط التجارة، لكنه في الوقت نفسه أضاف طبقة جديدة من التنافس العسكري في مناطق مثل القرن الإفريقي، مما جعلها غير مستقرة بصورة أكبر.

(*) صعود قوى دولية غير غربية: مع تراجع الدور الغربي في بعض ساحات الصراع الأفريقية، ظهرت قوى دولية أخرى، مثل روسيا والصين، تعمل على توسيع نفوذها عبر التعاون الأمني والاستثماري، وهو ما أضاف تعقيدًا أكبر لموازين القوة داخل النزاعات الأفريقية، ودفعها نحو مشهد متعدد الأقطاب يصعب فيه الحسم.

ختامًا، يتضح أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران منذ فبراير 2026 لم تقتصر تداعياتها على الشرق الأوسط، بل امتدت لتشكل عاملًا محوريًا في إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية. فقد أظهرت هذه الحرب هشاشة بعض الدول الأفريقية أمام الصدمات الخارجية، وأبرزت محدودية قدراتها على إدارة الأزمات دون تدخل أو دعم دولي، وهو ما جعل العديد من الصراعات القائمة أكثر تعقيدًا وصعوبة في الحل.