بصورة متزامنة أعلن الجانبان الأمريكي والإيراني النصر في حرب الثماني والثلاثين يومًا، ونجاح جهود الوسطاء في التوصل لاتفاق يوقف الأعمال القتالية مع فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون قيود على الحركة.
ومن خلال بيان المجلس الأعلى للأمن القومي وضعت طهران إعلانًا للنصر ومسوغًا للمفاوضات من موقع قوة ودعوة للشعب الإيراني بالالتفاف حول القيادة احتفالًا بـ"النصر" وتأهبًا لاحتمالات تعثر المفاوضات، في ظل خطوط عريضة من 10 نقاط حددتها كأساس للتفاوض وتثبيتًا لموقفها التفاوضي بـ"انعدام الثقة التام" بالجانب الأمريكي.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي قراءة معمّقة لمضامين ورسائل بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وتأثير البنود العشر على مسار المفاوضات.
مضامين الموقف التفاوضي الإيراني
حمل البيان احتفاءً بقدرة الدولة والشعب الإيراني على الصمود خلال الحرب باعتباره مفتاح "النصر"، كما أعطى البيان أفقًا للمرحلة المقبلة من عمر المواجهة في أروقة التفاوض والدبلوماسية والاستعداد لجميع احتمالاتها، غير أن البيان في صيغته ومضمونه عبّر عن موازنة داخلية دقيقة بين مكونات الهوية الإيرانية الوطنية من جهة ومكتسباتها الأيديولوجية والجيوستراتيجية من جهة أخرى.
(*) إعلان النصر: ذكر البيان كلمة النصر بصيغتين مختلفتين في 6 مواضع، إلا أنها حملت معنيين مختلفين، ففي المعنى الأول وصفه البيان بـ"تفوق" و"مقاومة" إيران في ساحة المعركة، حيث عدّد البيان أوجه ذلك النصر من خلال ما وصفه بتدمير شبه كامل لـ"الآلة العسكرية الأمريكية في المنطقة" وإلحاق خسائر بالقوات الأمريكية والإسرائيلية وضرب منشآته وبنيته التحتية وأصوله، أو من خلال حرمان "العدو" من تحقيق أهداف الحرب.
وأشار المعنى الثاني إلى "إعلان النصر" النهائي عقب المفاوضات إذا ما حققت "مطالب الشعب" ممثلة بالحفاظ على مقدراته وأزاحت شبح الحرب بصورة دائمة وأنهت معاناة 47 عامًا تحت وطأة العقوبات وعززت من مكتسباته الاستراتيجية في السيطرة على مضيق هرمز.
(*) أطراف المعادلة: يبدو من الصياغة الحرص على التوازن في التعبير عن موقف "إيران الدولة" و"إيران المقاومة" باعتبارهما ثنائي منسجم ساهم في تحقيق "النصر"، خاصة مع الاعتراف الرسمي بـ"الحلفاء" ليس فقط كوسيلة للنفوذ الإقليمي وإنما كأطراف فاعلة تقع ضمن مصالح طهران في اليوم التالي للحرب.
تضمن البيان موازنة بين البُعدين المدني والعسكري، ففي البُعد المدني ذُكر "الشعب" و"الشعب الإيراني" 10 مرات باعتباره شريكًا رئيسيًا في تحقيق "النصر" والحفاظ عليه عبر الحضور في الميدان لحماية المنشآت والحفاظ على الوحدة الاجتماعية خلال الحرب من جهة والاحتفال والالتفاف حول القيادة خلال وبعد المفاوضات من جهة أخرى.
وفي المقابل ذُكر المكون العسكري 10 مرات توزعت بين "جنود الإسلام" (مرة واحدة)، و"أبطال الإسلام" (مرة واحدة) للتعبير عن القوات المسلحة الإيرانية، ونحو 8 مرات لـ"المقاومين" في لبنان والعراق واليمن وفلسطين و"محور المقاومة"، كما وصف البيان قوى المحور بـ"الحلفاء" مرة واحدة، للتعبير عن الدور الرئيس لقوى المحور إلى جانب القوات الإيرانية في المعركة، والتزام طهران بالدفاع عن بقاء محورها ممثلة عنهم في المفاوضات من جهة ومعبرة عن شرعنة الروابط مع تلك القوى كأوراق للنفوذ الإقليمي من جهة أخرى.
(*) تثبيتًا للموقف التفاوضي: صدّر البيان في فقرته الأولى الموقف التفاوضي الإيراني الذي يتمسك بانتزاع انتصار استراتيجي خلال المفاوضات لا يتضمن فقط إعادة إعمار وتأهيل البنية التحتية الحيوية المتضررة للحفاظ على بقاء النظام وتعزيز شرعيته الداخلية، وإنما شرعنة الاندماج الكامل لـ"الجمهورية الإسلامية" في المنظومة الدولية وتحويل المكتسبات العسكرية والنووية وموقعها الجغرافي إلى أصول استراتيجية تضمن الوصول لاتفاق شامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة إقليمية رئيسية تسيطر على ممرات التجارة البحرية ويمكنها لعب دور أمني في الشرق الأوسط والانخراط في تحالفات تجارية واستراتيجية تتجاوز جوارها الجغرافي المباشر حال استعادة الاستقرار في الداخل.
وعلى صعيد العلاقات مع طرفي الحرب، تضمن الموقف الإيراني إشارة صريحة إلى "انعدم الثقة التام" في الجانب الأمريكي رغم الانخراط في مفاوضات مباشرة عقب الموافقة "المبدئية" على مطالب إيران العشر وباعتبار العملية التفاوضية امتدادًا للمسيرة الميدانية لوضع اللمسات الأخيرة لـ"النصر". وبينما لم يذكر البيان إسرائيل في أي موضع، تناول الولايات المتحدة في 8 مواضع، كما أبدى انفتاحًا على مد فترة التفاوض حال اتفاق الطرفين على ذلك.
مكتسبات المفاوضات
في ضوء النقاط العشر التي أشار إليها البيان كأساس للتفاوض أبرزت إيران تراجعًا نسبيًا في مطالبها للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويمكنها من إعلان الانتصار النهائي عبر تحقيق ثلاث أهداف؛ الحفاظ على بقاء النظام وتعزيز شرعيته الداخلية، واندماج إيران في المجتمع الدولي قانونيًا واقتصاديًا وتجاريًا عبر رفع العقوبات وإعادة الإعمار والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، والاعتراف بإيران كقوة إقليمية رئيسية من خلال توقيع اتفاق عدم اعتداء مع الولايات المتحدة وانسحاب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، وبالتبعية تغيير الترتيبات الأمنية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط استنادًا إلى مكتسبات إيران بالسيطرة على الملاحة عبر مضيق هرمز.
(&) تسوية ميدانية: ساق البيان مسوغات عديدة للتعبير عن مكتسبات الحرب وأن وقف القتال المؤقت في إطار المفاوضات يعد نجاحًا لطهران يستدعي الاحتفاء بـ"النصر" المؤجل وليس تراجعًا أو هزيمة، ورغم تلك اللهجة خففت طهران من مطالبها إلى الحد المقبول للداخل أولًا و"الحلفاء" ثانيًا في إطار الأهداف الثلاث سالفة الذكر. وتتضمن المطالب بندًا واحدًا يمكن التحقق منه بصورة فورية وهو وقف الحرب مقابل حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يمثل اعترافًا ضمنيًا بالبند الثاني وهو استمرار سيطرة إيران على المضيق.
وعلى الجانب الآخر لا يزال وقف الأعمال العدائية ضد حلفاء إيران في المنطقة وخاصة حزب الله في الجنوب اللبناني تحديًا رئيسيًا لإنهاء الحرب، إلا أنه يظل خاضعًا للمفاوضات والضغوط الأمريكية حال التوصل لاتفاق شامل بين واشنطن وطهران.
(&) إطار قانوني: تعطي موافقة ترامب الضمنية على النقاط العشر دفعة للموقف الإيراني في المفاوضات في سبيل التوصل لالتزام قانوني شامل يحتاج إليه كلا الطرفين في إنهاء الحرب ووضع ضمانات بعدم الاعتداء ليس فقط على إيران وإنما على حلفاء ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة والاعتراف بحق طهران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية مع إيجاد آلية لمراقبة وتفتيش أنشطتها ومنشآتها النووية، مقابل تقليص الحضور العسكري الأمريكي وتدشين منظومة أمنية في مضيق هرمز تضمن سلامة الملاحة البحرية وتعالج مخاوف طهران.
وفي البُعد الدولي، تتضمن البنود الإيرانية رفع العقوبات الدولية والأمريكية على إيران وإزالة آثار قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالبرنامجين النووي والصاروخي وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوآخرها إدانة إيران بعدم الامتثال لأحكام معاهدة حظر الانتشار.
(&) نقاط الاختلاف: مع رجاحة التوصل لاتفاق بشأن 70% من المطالب الإيرانية المتعلقة برفع العقوبات وإنهاء الحرب بصورة مستدامة وقبول التخصيب، تبقى بعض البنود الإيرانية فضفاضة وقد تؤثر في طول المدى الزمني للتوصل لاتفاق، إلا أن حجم الضرر الناتج عن الأزمة ليس فقط على أطراف الحرب وإنما على جميع دول العالم قد يدفع للتوصل إلى اتفاق مرحلتين، تشمل أولهما الإجراءات الفورية بوقف الحرب على جميع الجبهات مع احتمال ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف الحرب بلبنان، بالتوازي مع الشروع في إعادة بناء الثقة عبر تهيئة الظروف لعمليات تفتيش المنشآت النووية ورفع تدريجي للعقوبات وإعطاء حوافز استثمارية لتطوير منشآت الطاقة مقابل التخلي عن دفع التعويضات، وثانيهما التوصل لالتزام قانوني شامل يرسم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ويقلص الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة مقابل التزام إيران بعدم امتلاك أو تطوير سلاح نووي، ويعيد ترتيب منظومة الأمن الإقليمي.
وإجمالًا؛ يظهر الخطاب الرسمي الإيراني ارتباكًا نسبيًا في تعريف النصر والأطراف المخاطبة بنتائج المعركة داخليًا وإقليميًا، مع التركيز على إشراك المكون الشعبي في مجريات التفاوض وتهيئة الرأي العام لجميع الاحتمالات. ويظهر تقليص سقف التفاوض إلى رغبة إيرانية في طرح مطالب واقعية منفتحة على البدائل، إذ تمثل "السيطرة" على مضيق هرمز تعبيرًا فضفاضًا يمكن إعادة تفسيره في سياق اتفاق ملزم يتناسب مع أحكام القانون الدولي. كما يمكن التفاوض حول بند دفع التعويضات بآليات أخرى تضمن تحقيق الهدف الاقتصادي وهو إعادة الإعمار ورفع القيود على القطاعات الاقتصادية والصادرات الإيرانية.