الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بعد الهدنة الأمريكية الإيرانية.. هل ستتوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان؟

  • مشاركة :
post-title
العمليات الإسرائيلية في لبنان- أرشيفية

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في ضوء التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، يبرز لبنان كإحدى أكثر ساحات التوتر حدة، حيث تتداخل فيه الاعتبارات الإقليمية والدولية مع حسابات الأمن القومي الإسرائيلي

وعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين للحد من التصعيد في الجبهة الإيرانية في 7 أبريل 2026، فإن هذه التهدئة لم تشمل لبنان، حيث أكدت إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية ضد حزب الله، مع تكثيف الضربات الجوية واللوجستية في مناطق استراتيجية. ويعكس هذا الفصل بين مسارات التهدئة والتصعيد سياسة إسرائيلية تقوم على استمرار الضغط على حزب الله لمنع تعاظم قوته العسكرية، بينما يتم ضبط التصعيد على الجبهة الإيرانية عبر الوساطة الأمريكية.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: هل ستتوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان تحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية في ظل تزايُد قدرات حزب الله العسكرية؟

محددات الاستمرار

لا تزال العمليات الإسرائيلية في لبنان، مستمرة على الرغم من الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو ما يعكس وجود محددات تحكم طبيعة هذا الصراع، تتمثل في:

(*) استراتيجية إسرائيل في الضربات الوقائية والحد من تعاظم قدرات حزب الله: تعتمد إسرائيل على مبدأ "الضربات الوقائية"؛ لمنع حزب الله من تعزيز قدراته الصاروخية والبنية التحتية العسكرية، وعلى الرغم من الهدنة بين واشنطن وطهران، إلا أن إسرائيل تواصل تنفيذ ضربات دقيقة داخل لبنان لاستهداف مخازن صواريخ ومواقع تدريب وتطوير أسلحة متقدمة. هذا النهج يعكس عقيدة عسكرية إسرائيلية ثابتة تقوم على منع الخصم من الوصول إلى مستوى يهدد عمقها الاستراتيجي، مع الحفاظ على تفادي الانزلاق إلى حرب شاملة. ومن ثم، فإن توقف العمليات مرتبط بتحولات جوهرية في قدرات حزب الله، وهو أمر غير متحقق حاليًا.

(*) الفصل بين مسارات التهدئة الإيرانية والجبهة اللبنانية: رغم إعلان الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن هدنة مؤقتة، فقد أكدت إسرائيل أن لبنان خارج نطاق هذه التهدئة، وهذا يعكس السياسة الإسرائيلية القائمة على فصل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهمات مع إيران، بحيث لا يؤدي التهدئة في ساحة إلى تقييد حرية إسرائيل في ساحة أخرى. ويترتب على ذلك أن أي ضغط أمريكي على إسرائيل سيكون محدودًا ومركزًا على منع الانزلاق إلى حرب شاملة، دون وقف العمليات اليومية في لبنان.

(*) توازن الردع بين إسرائيل وحزب الله: يتمتع حزب الله اليوم بقدرة ميدانية واضحة على الردع، بما في ذلك امتلاكه صواريخ دقيقة وقوة صاروخية متقدمة، وهو ما يدفع إسرائيل لتعديل تكتيكاتها بحيث تبقى العمليات محدودة وتجنب مواجهة شاملة. هذا التوازن الهش يمنع إسرائيل من الانخراط في حرب مفتوحة، لكنه لا يردعها عن تنفيذ ضربات محددة تستهدف إضعاف قدرات الحزب تدريجيًا.

(*) الاعتبارات الاستراتيجية متعددة الجبهات: تواجه إسرائيل قيودًا لوجستية واستراتيجية بسبب انخراطها في أكثر من ساحة صراع، بما في ذلك الجبهة الإيرانية والجبهات الداخلية. وفتح جبهة واسعة في لبنان قد يرهق قواتها ويضعف قدرتها على الرد السريع في ساحات أخرى، لذا تركز على عمليات محدودة وذات أثر تكتيكي، مع الحفاظ على مرونة الحركة واحتياطي القوات.

(*) الضغوط السياسية الداخلية والإقليمية: تواجه القيادة الإسرائيلية ضغوطًا داخلية للحفاظ على صورة الردع وحماية الأمن القومي، فأي تراجع أو تهدئة غير مبررة يمكن أن تُفسَّر كضعف سياسي. لذلك، استمرار العمليات، حتى لو كانت محدودة، يخدم أهدافًا داخلية وإقليمية مرتبطة بالحفاظ على موقف إسرائيل القوي أمام حزب الله ومع جيرانها.

الدور الأمريكي في مسار الصراع

إن الدور الأمريكي في مسار الصراع الإسرائيلي–اللبناني محوري لكنه محدود النطاق، حيث يسعى إلى ضبط التصعيد دون فرض وقف شامل للعمليات، ويتضح ذلك من خلال:

(*) الضغط الدبلوماسي والوساطة الإقليمية: تمارس الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطًا دبلوماسية على إسرائيل لإدارة العمليات العسكرية بطريقة محدودة، مع الحفاظ على عدم توسيع نطاق الصراع إلى حرب شاملة. وشملت هذه الوساطة تنسيق خطوات إسرائيل مع إعلان الهدنة المؤقتة مع إيران، مع التأكيد على أن لبنان لا يشمله الاتفاق. ويظهر هذا الدور كإطار لإدارة التصعيد وليس لفرض تهدئة كاملة، حيث تبقى إسرائيل صاحبة القرار النهائي في حجم الضربات ومواقعها.

(*) ضبط التصعيد مقابل حرية العمليات: توازن الولايات المتحدة الأمريكية بين منع انفجار الصراع على نطاق أوسع وبين السماح لإسرائيل بالاستمرار في عملياتها اليومية ضد حزب الله، وهذا يظهر جليًا في استمرار الضربات الإسرائيلية داخل لبنان مع خفض وتيرة العمليات الإيرانية. من ثم، فإن الضغط الأمريكي يركز على مستوى الاستراتيجية العامة وإدارة المخاطر، دون أن يفرض قيودًا مباشرة على الضربات التكتيكية.

(*) أدوات التأثير العسكري والسياسي: تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية مزيجًا من الأدوات العسكرية والسياسية للتأثير على مجريات الصراع، بما في ذلك التحذيرات العسكرية، الإمدادات الاستخباراتية لإسرائيل، والاتصالات مع الأطراف الإقليمية الأخرى لضمان التزامها بعدم توسيع الحرب. ومع ذلك، يبقى التأثير الأمريكي محدودًا في لبنان مقارنة بتأثيره على الجبهة الإيرانية؛ بسبب حساسية الموقف اللبناني وقوة حزب الله كقوة ردع فعّالة.

(*) إدارة التوازن الإقليمي: تهدف واشنطن إلى الحفاظ على توازن إقليمي دقيق بين منع تفجر الحرب بشكل كامل وبين دعم إسرائيل كحليف رئيسي. ومن هنا، يأتي دورها في التهدئة الانتقائية: السماح ببعض العمليات الإسرائيلية لضمان الردع، مع منع أي تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة شاملة مع حزب الله أو تحريك إيران بشكل مباشر. هذا التوازن يعكس فلسفة إدارة الصراع بدلًا من إنهائه، وهو ما يجعل أي توقف للعمليات الإسرائيلية مرهونًا بتغييرات أكبر في السياسة الأمريكية أو التفاهمات الإقليمية.

(*) الضغوط الإعلامية والسياسية الداخلية: تترافق التحركات الأمريكية مع إدارة رسائل إعلامية وسياسية تهدف إلى تبرير استمرار العمليات الإسرائيلية وعدم تحميل واشنطن المسؤولية المباشرة عن التصعيد، بما يعزز موقفها الدولي ويضمن التزام الأطراف بوقف التصعيد الكامل في الجبهة الإيرانية دون التأثير على لبنان.

ختامًا، مع استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وتنامي قدرات حزب الله، يبدو أن التوتر سيستمر على المدى القريب، إلا أن المشهد قد يشهد سيناريوهات متعددة. فمن الممكن أن تتجه إسرائيل نحو تخفيف الضربات تدريجيًا إذا بدا أن حزب الله يختار تصعيدًا محدودًا مع التركيز على الردع الرمزي، بينما قد تضغط الولايات المتحدة الأمريكية على تل أبيب لاتخاذ خطوات محسوبة لتجنب انفجار الأزمة بشكل كامل. وفي المقابل، إذا أصر حزب الله على الرد المباشر أو توسيع قدراته الصاروخية، فإن العمليات الإسرائيلية قد تتصاعد مؤقتًا قبل أن يعيد التوازن الإقليمي تشكيله عبر ضغوط دبلوماسية أو تفاهمات إقليمية جديدة.

وسوم :