الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

قراءة للدور المصري في وقف إطلاق النار بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

  • مشاركة :
post-title
وزارة الخارجية المصرية

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

يمثّل الإعلان عن وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران فجر اليوم (8 أبريل 2026)، لحظة فارقة في مسار واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فقد جاء الاتفاق، الذي تم بوساطة متعددة الأطراف ليمنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، خصوصًا مع اقتراب التصعيد العسكري من تهديد مباشر للملاحة في مضيق هرمز.

وبرز الدور المصري على مدار الأربعين يومًا الماضية كجزء من منظومة وساطة إقليمية أوسع، إلى جانب كل من باكستان وتركيا ودول أخرى، إلا أن هذا الدور اتسم بخصوصية واضحة، تمثلت في كونه دورًا داعمًا وموازنًا أكثر منه وسيطًا مباشرًا.

في هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات مثل: ما حدود الدور المصري في الإعلان عن وقف إطلاق النار الخاص بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؟.. وما طبيعة الدور المصري في الوساطة الإقليمية أو متعددة الأطراف؟.. وما أهم التحركات وأدوات الضغط والتأثير المصرية المستخدمة في هذا الدور؟

وفي ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل ليناول النقاط الرئيسة التالية:

دور متدرج التحركات

منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، تحركت مصر بسرعة لاحتواء التصعيد، مدفوعة باعتبارات الأمن القومي والاستقرار الإقليمي. ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتهديدها لأمن الملاحة والطاقة، برزت القاهرة كأحد أهم الوسطاء الإقليميين، إذ تبنت مقاربة متعددة الأدوات تجمع بين الاتصالات المباشرة، والعمل الجماعي، والضغط السياسي، بهدف الوصول إلى وقف إطلاق نار يمهد لتسوية أوسع. وبتحليل التحركات المصرية لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ اندلاعها، يمكن ملاحظات تدرج هذه التحركات بزيادة وتيرتها، وذلك على النحو التالي:

(*) إجراء الاتصالات الدبلوماسية مع مختلف الأطراف: اعتمدت مصر على شبكة اتصالات نشطة ومكثفة تشمل كل من الولايات المتحدة، ودول الخليج وإيران، أطراف إقليمية أخرى فاعلة. واستهدفت القاهرة من هذه الاتصالات: نقل الرسائل بين الأطراف، وتقليل فجوات الثقة، واستكشاف فرص التهدئة. وقد سمح هذا النهج لمصر بالقيام بدور قناة خلفية بين أطراف لا توجد بينها قنوات مباشرة فعّالة، وهو عنصر حاسم في إدارة الأزمات المعقدة. فقد حافظت مصر على قنوات خلفية لتبادل الرسائل، وهو ما سمح باختبار المواقف، وتمرير مقترحات غير رسمية.

(*) العمل ضمن وساطة إقليمية متعددة الأطراف: لم تتحرك مصر بشكل منفرد، بل ضمن إطار تنسيقي يضم كلًا من تركيا وباكستان. ويهدف هذا الإطار إلى توحيد الضغوط السياسية على أطراف الصراع، وتقديم مبادرات مشتركة لوقف إطلاق النار، فضلًا عن تعزيز فرص القبول الإقليمي لأي تسوية.

وفي سياق هذه الوساطة، يمكن توصيف الدور المصري بأنه منسق سياسي وضامن توازن داخل تحالف الوساطة، حيث تضيف القاهرة ثقلًا دبلوماسيًا وخبرة تفاوضية، في مقابل أدوار تكاملية لباقي الأطراف.

(*) تقديم وصياغة مقترحات التهدئة والتفاوض: لعبت مصر دورًا مهمًا في نقل المقترحات الأمريكية إلى إيران، ودراسة المبادرات الإيرانية، وصياغة حلول وسط.

وقد ركّزت هذه المقترحات على ثلاث نقاط رئيسية؛ هي: وقف العمليات العسكرية المتبادلة، وتأمين الممرات الحيوية (خصوصًا مضيق هرمز)، وإطلاق مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، وهو ما يتفق مع ما جاء في اعلان وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه كاتفاق مؤقت لمدة أسبوعين بهدف منع التصعيد العسكري، وفتح باب التفاوض السياسي. لذلك لم يعد الدور المصري مقتصرًا على الوساطة، بل امتد إلى المساهمة في صياغة الإطار التفاوضي نفسه.

(*) الدعوة لمفاوضات مباشرة: أعلنت مصر استعدادها لاستضافة جولات تفاوض بين الأطراف، في خطوة تعكس الثقة النسبية في حيادها، ورغبتها في نقل الأزمة من إدارة التصعيد إلى إدارة التسوية. ويمثل هذا التحرك محاولة لتحويل الاتصالات غير المباشرة إلى عملية تفاوض رسمية.

أدوات الضغط والتأثير

استعانت مصر في تحركاتها السابقة بالعديد من أدوات الضغط والتأثير، وذلك على النحو التالي:

(*) الضغط السياسي على الولايات المتحدة: سعت مصر إلى دفع واشنطن نحو التهدئة من خلال التحذير من التداعيات الاقتصادية العالمية، وإبراز مخاطر استمرار الحرب على أسواق الطاقة. وهذا النوع من الضغط اعتمد على إعادة تعريف كلفة استمرار الحرب بالنسبة لصانع القرار الأمريكي.

(*) التأثير على الموقف الإيراني: عملت القاهرة على تشجيع إيران على القبول بهدنة مؤقتة، وتخفيف شروطها التفاوضية. وقد واجهت مصر في هذا المسار بعض التحديات، نظرًا لتمسك طهران بشروط تعتبرها ضمانات أساسية قبل وقف العمليات.

(*) الدفع نحو هدنة مرحلية على نحو ما تحقق في اعلان وقف النار: ركّزت الجهود المصرية على تحقيق وقف إطلاق نار مؤقت كمدخل إلزامي لأي تسوية دائمة. وأسهمت هذه الجهود، بالتنسيق مع باقي الوسطاء، في تقليص حدة التصعيد الذي وصل به ترامب إلى حد إنهاء حضارة إيران وتحويلها إلى جحيم إذا لم يتم التوصل لاتفاق معها، كما ساهمت هذه الجهود في فتح نافذة للحوار بين طرفي الصراع.

وبصفة عامة، مكّنت الأدوات السابقة مصر من تثبيت موقعها كوسيط رئيسي بين طرفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وساهمت في فتح قنوات اتصال فعّالة بينهما، الأمر الذي عزّز الخفض النسبي في التصعيد بين الجانبين ما مهّد الطريق للإعلان عن وقف إطلاق النار صباح اليوم.

طبيعة الدور:

سعت القاهرة إلى توسيع دائرة الوساطة عبر إشراك دول إسلامية وإقليمية، وتنسيق المواقف في اجتماعات متعددة الأطراف. الأمر الذي ساهم في تحويل الوساطة من جهد فردي إلى تحرك جماعي ضاغط على طرفي الصراع.

فقد شاركت عدة أطراف إقليمية مع مصر في الدفع نحو التهدئة، في مقدمتها باكستان تركيا، ضمن جهود جماعية لإعادة فتح قنوات الحوار بما مهّد الطريق للإعلان وقف إطلاق النار بين طرفي الصراع فجر اليوم. إذ لم تكن الوساطة أحادية أو ثنائية بل شبكية (Networked Mediation). وفي ضوء ذلك، يمكن رصد مدى تكامل الدور المصري مع دور كل من باكستان وتركيا، وذلك على النحو التالي:

(*) مصر (يمكن وصف دورها بوسيط التوازن الإقليمي): حرصت مصر على تثبيت الإطار الإقليمي للاتفاق عبر التأكيد على أمن الخليج، وربط الاتفاق بالاستقرار الإقليمي، إضافة إلى إضفاء الشرعية السياسية العربية على هذا الاتفاق عبر دعم عربي رسمي للاتفاق، ومنع اختلال التوازن للحيلولة دون تحول الاتفاق إلى مكسب استراتيجي أحادي لإيران.

(*) باكستان (يمكن وصف دورها بالوسيط التفاوضي المباشر): لعبت باكستان دورًا محوريًا في تقديم مبادرة وقف إطلاق النار، والتواصل المباشر مع الطرفين، واستضافة المفاوضات.

(*) تركيا (يمكن وصف دورها بوسيط الداعم العملياتي): قامت تركيا بدعم المسار التفاوضي، وتوفير منصات للحوار، والضغط السياسي لاستمرار التهدئة. وبذلك تمثل تركيا "وسيط الدعم السياسي والدبلوماسي".

وبصفة عامة، يكشف وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران فجر اليوم، عن تحول نوعي في طبيعة الوساطة الإقليمية، من نموذج "الوسيط الواحد" إلى نموذج "الشبكة متعددة الأطراف"، حيث تتوزع الأدوار بين دول مختلفة وفقًا لقدراتها ونفوذها.

محددات مهمة

ترتبط هذه المحددات بالأساس بطبيعة الدور المصري دبلوماسيًا واستراتيجيًا، فضلًا عن بعض القيود المعوقة لهذا الدور، وذلك على النحو التالي:

(*) الدور السياسي المصري القائم على "دبلوماسية التهدئة": يمكن وصف الدور المصري في وقف إطلاق النار في بين طرفي الصراع الحالي في الشرق الأوسط، بدبلوماسية إدارة أزمة متعددة المستويات، حيث تحركت القاهرة في ثلاث مسارات متوازية: احتواء التصعيد، وبناء مسار تفاوضي، والحرص على منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

لكن هذا الدور ظل محكومًا بعقبة أساسية؛ هي أن القرار النهائي بوقف الحرب ظل بالأساس بيد الأطراف الرئيسية، وليس الوسطاء.

(*) الدور الاستراتيجي المصري القائم على "حماية التوازن الإقليمي": ركّزت مصر على ضمان أمن دول الخليج، والحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومنع اتساع الحرب.

فقد تحركت القاهرة باعتبارها "ضامن استقرار" وليس "وسيط تفاوض" فقط. ويتأكد ذلك في ضوء تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن الترحيب باتفاق وقف إطلاق النار، والدعوة إلى تحويله إلى اتفاق دائم، والتأكيد على أمن الخليج كجزء من الأمن القومي المصري.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن قراءة التصريحات الصادرة عن الرئيس المصري؛ عبد الفتاح السيسي بشأن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها موقف دبلوماسي فقط، بل باعتبارها أداة ضمن إدارة التوازنات الإقليمية. وعندما تتضمن إحدى هذه التصريحات الإشارة إلى أن واشنطن هي الطرف القادر على إنهاء الحرب، فإننا نصبح أمام خطاب سياسي مصري محسوب بدقة، يعكس إدراك لطبيعة النظام الدولي، وحدود الفعل الإقليمي، وأدوار القوى المختلفة داخل مشهد الوساطة.

(*) بعض القيود المؤثرة أو الضاغطة على الدور المصري: تتمثل أهم هذه القيود في غياب النفوذ المباشر للقاهرة على طرفي الصراع، فضلًا عن اختلاف الأولويات الجيوسياسية للمشاركين في الوساطة في هذا الصراع.

وفي النهاية، يمكن القول إن تطور الدور المصري لأنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ اندلاعه فبراير 2026، يُظهر أن القاهرة نجحت في الانتقال من دبلوماسية احتواء سريعة إلى وساطة إقليمية مؤثرة ضمن تحالف وساطة ثلاثي مصري باكستاني تركي استطاع إبطاء التصعيد وفتح قنوات تفاوض، الأمر الذي ساهم في التوصل للإعلان عن وقف إطلاق النار فجر اليوم قد يمهّد الطريق أمام تسوية نهائية لهذا الصراع الذي أصاب إقليم الشرق الأوسط والعالم بتداعيات خطيرة.

وبينما تستند قوة هذا الدور إلى شبكة العلاقات والخبرة التفاوضية والموقع الجيوسياسي، فإنه يظل مقيدًا بعوامل تتعلق بميزان القوى الدولي والإقليمي. لذلك فإن مستقبل الدور المصري سيعتمد على مدى قدرة مصر -منفردة أو ضمن تحالفها في الوساطة متعددة الأطراف مع تركيا وباكستان- على التحول من "وسيط إدارة أزمة" إلى "صانع تسوية"، وهو تحول مرهون ليس فقط بإرادة القاهرة، بل بمدى استعداد أطراف الصراع لقبول تسوية سياسية شاملة.