بعد أن أحدث ترقُب ساعة الصفر التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ للتوصل إلى اتفاق مع إيران، تراجُعًا في مختلف الأسواق المالية والاقتصادية، جاء قرار وقف إطلاق النار لمدة خمسة عشر يومًا، في فجر يوم الأربعاء، بمثابة الانطلاقة الحقيقية لتصحيح مسار الأسواق، خاصة أسواق الطاقة والمعادن والعملات، وما رفع من قدر التفاؤل إعلان ترامب أن الولايات المتحدة الأمريكية تلقت مقترحًا من عشر نقاط من إيران، وصفه بأنه أساس عملي يُمكن التفاوض بناءً عليه.
تأسيسًا على ما سبق، يتناول هذا التحليل التعرف إلى وضع مختلف الأسواق بعد قرار وقف إطلاق النار، مع توضيح الاعتبارات الرئيسية لانتعاش الأسواق في هذه الظروف.
تأثيرات وقف إطلاق النار
تأثرت مختلف الأسواق الاقتصادية والمالية بقرار وقف إطلاق النار، وهو ما يتضح من خلال النقاط التالية:
(-) انخفاض أسعار النفط: انخفضت أسعار النفط بشكل كبير بعد قرار وقف إطلاق النار، فكما يوضح الشكل (1) انخفض سعر النفط الخام إلى ما دون الـ 100 دولار للبرميل، إذ انخفض من 111.25 دولار في 6 أبريل 2026، و112 دولارًا للبرميل في 7 أبريل 2026 إلى 94.6 دولار في صباح يوم 8 أبريل 2026، أي انخفض بنحو 15.5% حتى وقت كتابة التحليل، بينما انخفض سعر النفط المتداول في الولايات المتحدة بأكثر من 15%، ليصل إلى 95.75 دولار.
وعلى الرغم من هذا الانخفاض، فإن أسعار النفط تظل أكبر مما هي عليه قبل بدء النزاع في 28 فبراير 2026، حيث كان النفط الخام يتداول عند نحو 70 دولارًا للبرميل.
(-) ارتفاع أسعار المعادن: انتعش سعر أونصة الذهب بشكل كبير بعد قرار وقف إطلاق النار، فكما يوضح الشكل (2)، ارتفع سعر أونصة الذهب من 4677.6 دولار في 6 أبريل 2026 إلى 4816.8 دولار في 8 أبريل 2026، وحتى وقت كتابة التحليل، أي ارتفعت بنسبة 2.9% بعد ساعات قليلة من قرار وقف إطلاق النار.
وهو الأمر الذي يُمكن تفسيره أن الذهب يُعتبر من أفضل الملاذات الآمنة التي يتجه إليها المستثمرون والمدخرون على اختلاف أنواعهم، إذ يُمكن وصفه أنه الصفقة الرابحة في معظم الأوقات؛ بسبب أنه إذا ارتفع إلى مستوى معين لا يتوقع أن ينخفض إلى نفس المستوى الذي كان عليه قبل الارتفاع، فبالتالي يرتفع هامش الربح.
وفي هذا النطاق، ارتفعت أسعار الفضة، إذ بلغت 77.06 دولار، في صباح يوم الأربعاء، بالمقارنة بنحو 72.88 دولار في يوم الثلاثاء 6 أبريل 2026، كما ارتفعت الصناديق الاستثمارية للفضة، إذ ارتفع كل من صندوق كوتاك للفضة وصندوق آي سي آي سي آي برودنشال للفضة بنسبة تصل إلى 6%، كما ارتفعت صناديق نيبون إنديا للفضة، وإس بي آي للفضة، وإتش دي إف سي للفضة بنحو 5%.
(-) انخفاض مؤشر الدولار الأمريكي: انخفض مؤشر الدولار الأمريكي الذي يقيس قوة العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات بعد قرار وقف إطلاق النار، إذ انخفض من مستوى 99.89 في 6 أبريل 2026 إلى مستوى 98.86 في صباح يوم 8 أبريل 2026، أي انخفض بنسبة 1.03%، وهو أدنى مستوى منذ 11 مارس 2026، وفي المقابل ارتفعت أسعار اليورو والين والدولار الأسترالي والنيوزيلندي بقوة في التعاملات الآسيوية اليوم.
وارتفع الين بنسبة 0.7% مقابل الدولار ليصل إلى 158.50 ين للدولار، كما ارتفع اليورو بنسبة 0.7% ليصل إلى 1.1677 دولار، بينما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.8% ليصل إلى 1.34 دولار، كما ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 1.2% ليصل إلى 0.7063 دولار أمريكي، بينما قفز نظيره النيوزيلندي بنسبة 1.1% ليصل إلى 0.5795 دولار أمريكي.
(-) انتعاش البورصات: استجابت الأسواق المالية بشكل إيجابي بعد قرار وقف إطلاق النار، إذ ارتفعت الأسهم في مختلف أنحاء آسيا، حيث صعد مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 5.4%، بينما ارتفع مؤشر سي إس سي 300 الصيني بنسبة 3.4%، ومؤشر هانج سينج في هونج كونج بنسبة 3.1%.
وبالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسواق الأسهم الأوروبية بشكل ملحوظ في بداية تداولات يوم الأربعاء، إذ ارتفع مؤشر فرانكفورت بنسبة 5%، وصعد مؤشر باريس بنسبة 3.5%، وقفز مؤشر لندن بنسبة 3% في بداية التداولات.
كما ارتفعت أسعار أسهم البنوك في الشرق الأوسط، فقد قفزت أسهم بنك الإمارات دبي الوطني بنحو 10%، وبنك أبو ظبي الأول بنسبة 8%، بينما ارتفع بنك قطر الوطني بنسبة 4.2%، كما قفزت أسهم بنك أبو ظبي التجاري بأكثر من 5%.
(-) انتعاش حركة المرور البحري: إن اتفاق إيران والولايات المتحدة الأمريكية على وقف إطلاق نار مشروط لمدة أسبوعين، يُسمح خلالهما بمرور السفن عبر مضيق هرمز، سيعمل على انتعاش حركة المرور البحري في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير، ففي صباح يوم الأربعاء، صرّح وزير الخارجية الإيراني بأن "المرور عبر مضيق هرمز سيكون ممكنًا بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية".
وبالتالي، المؤشر الحقيقي في رجوع حركة المرور البحري في مضيق هرمز يُمكن الاستدلال عليه عند عبور السفن التي تُبدي استعدادها لاختبار المسار، فإذا تمت عمليات العبور هذه بأمان، ستُعزز الثقة لدى السفن الأخرى التي تنتظر بحذر.
اعتبارات مهمة
إن الصدمة التي حدثت في مختلف الأسواق الاقتصادية والمالية بعد قرار وقف إطلاق النار، يُمكن بلورتها في مجموعة من الاعتبارات، وهي كالتالي:
(-) ارتفاع شهية المخاطرة بعد القرار: من العلاقات الاقتصادية المؤكدة أن شهية المستثمرين تنخفض في أوقات الحروب والأزمات، ولكن بمجرد وجود بصيص من الأمل ترتفع هذه الشهية بشكل كبير، وهو ما حدث بعد قرار ترامب، فشهية المستثمرين على المخاطرة ارتفعت، إذ إنها تُمثل هامش ربح كبيرًا للمستثمر، ومع انخفاضها نجد تراجعًا في معظم الأسواق.
ومن الأمور التي تدل على ارتفاع مرونة المستثمرين نحو المخاطرة هي ارتفاع أسعار العملات المشفرة، إذ ارتفعت القيمة السوقية لهذه العملات بأكثر من 4% إلى نحو 2.52 تريليون دولار، وقاد البيتكوين هذا الارتفاع متجاوزًا 72000 دولار، وهو أعلى مستوى وصل له منذ أواخر شهر مارس الماضي، كما ارتفع مؤشر Coindesk20 بنسبة 5%، وهو ما يدل على انتعاش واسع النطاق في السوق.
(-) التفاؤل الحذر: إن الانتعاش الذي حدث في الأسواق المالية المختلفة لا يزال يشوبه التفاؤل الحذر، وهو أمر طبيعي نتيجة اعتياد الأسواق على تناقض تصريحات ترامب بين عشية وضحاها، كما أن حركة الشحن العالمية تحتاج إلى مزيد من المؤشرات الإيجابية حتى تعود كما كانت عليه، وهو الأمر الذي يوضح أن الأسواق تحتاج إلى ثبات على الموقف السلمي من أطراف الصراع؛ حتى تستديم في انتعاشها الذي حدث على الفور بعد القرار.
(-) مرحلية الانتعاش الاقتصادي: إن الانتعاش الذي أعقب قرار وقف إطلاق النار يُمكن وصفه بـ"المرحلي"، بمعني أن الأسواق لا تنتعش بنسبة 100% بعد القرار، ولكن تتدرج في ذلك وفق القراءات التحليلية لمجمل الأحداث، فالأسواق تسير وفق توقعات للبيانات المتداولة في السوق، وبناءً عليه تُحدد مستوى نشاطها الاستثماري.
في النهاية، يُمكن القول إن الاقتصاد العالمي والإقليمي تنفس الصعداء بعد قرار وقف إطلاق النار، والتصريحات الإيجابية من الرئيس الأمريكي، والذي أوضح أن المفاوضات تتقدم نحو "سلام طويل الأمد مع إيران، وسلام في الشرق الأوسط"، وهو الأمر الذي أحدث انفراجة كبيرة في أسواق الطاقة والمعادن والعملات، وهو الأمر الذي يوضح أن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى رشادة سياسية واقتصادية من دول العالم كافة، حتى يُحقق النمو المُستدام الذي يسعى إليه.