الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

المسارات المحتملة لوقف التصعيد العسكري في الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
الصواريخ الباليستية الإيرانية

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاء الإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في 7 أبريل 2026 لوقف مؤقت للتصعيد العسكرى في الشرق الأوسط لمدة أسبوعين، تبدأ بفتح المضيق فورًا وتنتهي بجلسة مفاوضات حاسمة في إسلام آباد بباكستان يوم السبت 11 أبريل 2026؛ لرسم ملامح الاتفاق الدائم.

بعد مرور ما يقرب من 39 يومًا منذ اندلاع المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران وأذرعها الإقليمية من جانب آخر في 28 فبراير 2026 وصل الجميع لنتيجة مفادها أن الحرب، وإن كانت امتدادًا للسياسة، فإنها لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن المواجهات العسكرية كانت لها تداعياتها المباشرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذى تمر من خلاله ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة.

وإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذى هدّد بمحو الحضارة الإيرانية من على الخريطة، أعلن وقبيل المهلة المحددة لإيران لفتح مضيق هرمز بأقل من ساعتين فقط بأن العشر نقاط التي قدمها الجانب الإيراني لوقف اطلاق النار لمدة أسبوعين تعد أساسًا عمليا للتفاوض، كما أشار ترامب أيضًا إلى أنه قد يكون هذا هو العصر الذهبي للشرق الأوسط، معتبرًا أن الولايات المتحدة حققت كل أهدافها من الحرب. كما أعلنت إيران انتصارها في هذه الحرب.

الأمر الذي يثير تساؤلًا مركزيًا حول ملامح الاتفاق بين الجانبين، والدوافع التي أسهمت في التوصل إليه، فضلًا عن ماهية المسارات المحتملة لما بعد تعليق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.

خطة الـ10 نقاط

ما بين 15 مطلبًا أمريكيًا، و10 نقاط رئيسية طرحتها إيران ووافق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، واعتبرها ترامب أساسًا عمليًا لبدء المفاوضات، وهو ما يمكن الإشارة لهذه البنود في التالي:

1. ضمان عدم مهاجمة إيران مرة أخرى.

2. إنهاء دائم للحرب (وليس وقف إطلاق نار مؤقت).

3. وقف الضربات الإسرائيلية في لبنان.

4. رفع كل العقوبات الأمريكية على إيران.

5. إنهاء القتال في الإقليم ضد حلفاء إيران.

6. إعادة فتح مضيق هرمز.

7. فرض رسوم 2 مليون دولار على كل سفينة تعبر المضيق.

8. تقاسم الرسوم مع عمان.

9. وضع قواعد للمرور الآمن عبر المضيق.

10. استخدام الرسوم لإعادة إعمار البنية التحتية بدلًا من التعويضات.

دوافع اتفاق الهدنة

هناك العديد من العوامل التي أسهمت فى دفع الطرفين لهدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، وهو ما يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) إعاد فتح مضيق هرمز: يشكّل فتح مضيق هرمز المطلب الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تضمنه الاتفاق الأمريكي الإيراني، فقد أدى إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز إلى ارتفاع أسعار الطاقة بعد انخفاض أعداد مرور الناقلات إلى ما يقرب من 97% عن مثلها قبل اندلاع التصعيد فى إقليم الشرق الأوسط، الأمر الذي كان له تأثيره المباشر على ارتباك أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع نسب التضخم العالمية، واتجاه عدد من الدول لاتخاذ إجراءات تقشفيه لمواجهة تداعيات انخفاض التدفقات النفطية وخشية الدول، وفي مقدمتها الدول الأوروبية، من أن يؤدى استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى الإضرار بمصالحها الاقتصادية والتأثير على إمدادات الطاقة.

(*) وقف الاستنزاف المتبادل: شكّل استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية أحد المتغيرات الداعمة لوقف الحرب والاتجاه نحو المفاوضات، فترامب هو من قرر شن الحرب بإيعاز من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو من امتلك إيقافها أيضًا. وفي ظل ارتفاع فاتورة التكلفة العسكرية من تحريك للقوات والمدمرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط، تصبح المفاوضات هى المسار الأفضل، بعد أن كشفت تلك الحرب أيضًا عن عجز منظومة الدفاع الإسرائيلية في التصدي للقدرات الصاروخية الإيرانية، بعد أن فشلت القبة الحديدية ومقلاع داود وغيرهما من منظومات الدفاع فى التصدى لصواريخ إيران التي وصلت إلى عمق الأراضي الإسرائيلية في تل أبيب، بل وصلت إلى تخوم مفاعل ديمونة، وما يمثله ذلك من دلالة رمزية لها مغزاها وتداعياتها في حالة انفلات الأمور وعدم ضبطها ليصبح الإقليم أمام مسارات بالغة التعقيد.

(*) ملامح للركود العالمي: هناك اتجاه يرى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة الأسبوعين بعد حرب الأربعين يومًا تهدف إلى تهدئة أسواق النفط، وتحفيز انخفاض الأسعار خلال تلك المدة، ويعتقد ذلك الاتجاه بأن مؤشرات الركود العالمي التي بدت في الأفق شكلت دافعًا مؤثرًا نحو وقف التصعيد العسكري بهدنة مؤقتة. لا سيما أن الحرب كانت لها تداعياتها بشكل مباشر ليس فقط على موازنات دول الإقليم التي اتجهت نحو إعلان التقشف ورفع أسعار الوقود، بل شملت أيضًا الدول الغربية الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، حيث ارتفعت أسعار الوقود بشكل كبير برغم أن الولايات المتحدة تعد من أكبر الدول المنتجة للنفط. وهو ما تجلى في استرايجيتها للأمن القومي الأمريكي لعام 2026، التي بررت تراجع أولوية الشرق الأوسط في سياستها الخارجية بأنها تعد من أكبر منتجي النفط، وأضحت في غير حاجة للاعتماد على نفط الشرق الأوسط، وأن أولوية توجهاتها الخارجية ترتبط بفنائها الخلفي في أمريكا اللاتينية، التي ترجمتها بشكل مباشر في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتنصيب نظام أكثر توافقًا مع السياسة الأمريكية.

(*) الإخفاق الأمريكي في مجلس الأمن بفتح مضيق هرمز: شكّل فشل ترامب في تمرير مشروع قرار من مجلس الأمن الدولي والخاص بفتح مضيق هرمز قدمته البحرين دافعًا للقبول بهدنة الأسبوعين، حيث استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو)، ضد مشروع القرار. وهو ما اعتبره بعض المحللين بمثابة تحالف دولي ضد حربه على إيران، وإنذارًا له بأن القوى الكبرى التي تسعى لكسر الهيمنة الأمريكية في مقدمتها روسيا والصين اللتان ترفضان التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. كما انضمت لوجهة النظر تلك غالبية الدول الأوروبية التي تتباعد في علاقاتها مع ترامب ورفضت المشاركة في الحرب، وكذلك اليابان، الحليف الآسيوي، رفضت التصعيد العسكري في إقليم الشرق الأوسط.

(*) ضغوط الداخل الأمريكي: تعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما قاله نصًا "للأسف الشعب الأمريكي يريدنا أن نعود بسرعة من هذه الحرب" حجم الضغوط التي مارسها الداخل الأمريكي على إدارة ترامب، يضاف إلى ذلك الانتقادات الحادة التي وجهها أعضاء الحزب الديمقراطي لترامب كان من بينها الانتقاد اللاذع بأن نتنياهو هو من يحكم الولايات المتحدة الأمريكية وليس ترامب، ومطالبة بعض أعضاء الحزب الديمقراطي بتفعيل المادة 25 من الدستور الأمريكي لعزل ترامب.

المسارات المحتملة

عكس الاتفاق الأمريكي الإيراني أن التصعيد الأمريكي كان وسيلة ضغط لفرض شروط تفاوضية، فتهديد ترامب بسحق الحضارة الإيرانية استُخدم لدفع إيران إلى التفاوض، ما يعني أن الحرب كانت مسارًا جرى تفعيله حسب الحاجة، كما عكس القرار أيضًا أسلوب ترامب القائم على رفع سقف التهديد ثم الانتقال إلى التهدئة مع إعلان تحقيق الأهداف. بناء على ذلك فإن ثمة مسارات ثلاثة محتملة لما بعد الهدنة يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

المسار الأول: وهو المسار الأقل توقعًا.. ويقوم ذلك السيناريو على إخفاق أطراف الصراع فى الاستمرار في إجراءات بناء الثقة خلال فترة الأسبوعين بما يحول دون تهيئة السياق المواتي لإنجاز اتفاق سلام دائم، بما قد يؤدي الى تجدد المواجهات والتصعيد العسكري بين أطراف الصراع، ويعزز من ذلك المسار بأن الإعلان عن هدنة الأسبوعين أحدث ارتباكًا داخل معسكر إسرائيل، الذي كانت يميل إلى استمرار الضغط العسكري وصولًا لاستهداف البنية الأساسية الإيرانية من محطات الطاقة ومحطات المياه، ومنصات الغاز والبترول ومنصات إطلاق الصواريخ.

غير أن الإعلان عن التوصل لاتفاق هدنة عكس أن القرار لا يزال فى واشنطن برغم تأثير نتنياهو على ترامب لشن تلك الحرب، وفق العديد من التحليلات. لذلك حذّر الرئيس السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت في حديث له من أن إسرائيل قد تُفسد وقف إطلاق النار مع إيران إذا لم يتم تحجيمها، مشددًا على أهمية كبح جماح تل أبيب لضمان تحقيق سلام دائم واستقرار في المنطقة من خلال عدم إمدادها بالمزيد من الأسلحة.

المسار الثاني: يقوم هذا المسار على احتمالية استمرار عملية الشد والجذب بين الجانبين، بحيث تصبح العلاقة على جبهات القتال بندولية، ويقوم هذا السيناريو على تبرير رئيسى بأن هدنة الأسبوعين ربما تمثل استراحة محارب لكلا الطرفين.

إيران تجنى ثمار العوائد من مرور الناقلات عبر مضيق هرمز بعد أن تضمن الاتفاق فرض رسوم 2 مليون دولار على كل سفينة تمر عبر المضيق، واقتسامها مع سلطنة عُمان، وكذلك إعادة التموضع الإيراني وتجهيز منصات الصواريخ ومراجعة الخطط السابقة، فضلًا عن اتجاه إيران خلال تلك المدة لتنشيط الأذرع الإقليمية التى أدمجتها إيران فى اتفاق هدنة الأسبوعين. أما الولايات المتحدة فإن ترامب هَدَفَ من تلك الهدنة المؤقتة تطمين أسواق المال العالمية، وخفض أسعار النفط. وهو ما يعنى زيادة الثقة في الاقتصاد العالمي والحيلولة دون دخوله فى حالة ركود عالمي.

وبالفعل فقد تراجعت أسعار النفط بعد إقرار تلك الهدنة لما يزيد على 15%، حيث وصل سعر البرميل لأقل من 100 دولار، وهو التخفيض الأكبر فى الـ6 سنوات الأخيرة وفق بعض خبراء الاقتصاد.

المسار الثالث: يقوم هذا المسار على احتمالية تثبيت الهدنة المؤقتة وتحولها لاتفاق سلام دائم وإنهاء الحرب.. وهو السيناريو الأكثر توقعًا واحتمالًا للتحقق.

يجد هذا السيناريو سنده فى إجهاد جميع أطراف الصراع من دون تحقيق أى من أهدافها التى حددها ترامب فى تدمير البرنامج النووى الايراني، وتدمير برنامج الأسلحة الباليستية، والقضاء على القدرات البحرية الإيرانية، وفك الاشتباك بين إيران وأذرعها ووكلائها. وأى من هذه الأهداف لم يتحقق؛ لذلك اتجه الرئيس الأمريكي نحو الحديث عن أهمية السلام والازدهار لإقليم الشرق الأوسط قائلًا بأن العصر الذهبي للشرق الأوسط هو القادم. ومع مساندة غالبية القوى الإقليمية وفي مقدمتها مصر وتركيا وباكستان لهذا المسار، وكذلك القوى الكبرى وفي مقدمتها الصين وروسيا وجميعها تدعم إنهاء الحرب وتوقيع اتفاق سلام يجنّب المنطقة تداعيات ويلات الحرب على مستقبل أجيالها.

مجمل القول: من المرجح أن تكون فرص إقرار السلام وإنجاز اتفاق سلام دائم هو المسار الأكثر قبولًا لدى كل القوى الإقليمية باستثاء إسرائيل وكل القوى الكبرى.

فروسيا ستدعم تثبيت الهدنة وتحويلها لمسار تفاوضي طويل لأنها ستستفيد من استمرار الضغط على الولايات المتحدة دون توسع الحرب بشكل يهدد النظام الايراني.

والصين ستدفع بقوة نحو تثبيت الهدنة وتأمين مضيق هرمز لاستمرار تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. وهو ما يعني أننا إزاء فرصة لوضع ركائز لسلام إقليمي يتطلب مشاركة الدول العربية في تلك الترتيبات، وربما يدعم وجود مصر كدولة عربية ووسيط أسهم في التقريب بين وجهات النظر، وفق باراك رافيد محرر موقع أكسيوس، كمشاركة عربية تدرك محددات الأمن القومي العربي ومصادر تهديده، وربما يتطلب الأمر حوارًا عربيًا عربيًا تحت مظلة الجامعة العربية، وحوار عربي مع القوى الإقليمية غير العربية، وكذلك حوار عربي إيراني.

ويبقى الأثر المباشر لتلك الحرب يرتبط باحتمالية الخروج الكبير للولايات المتحدة الأمريكية لتكون أقل انخراطًا في ترتيبات الأمن الإقليمي بعد أن أخفق ترامب في تحقيق أي من أهدافها، وقوّض كل دينامياته المستقرة، الأمر الذي سيكون له مردوه على الداخل الأمريكي وعلى مستقبل الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، وهو ما سيكون له مردوده المحتمل أيضًا على تغييرات جذرية ربما ستشهدها إدارة الرئيس ترامب.