مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى شهرها الثاني، وتزايد تداعياتها على الاقتصاد العالمي في ظل غياب أفق واضح للحل، تتجه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين، بوصفها قوة دولية كبرى وشريكًا دبلوماسيًَا مهمًا لإيران، في مساعي احتواء التصعيد وفتح مسار سياسي للأزمة.
مبادرة إنهاء الحرب
وبرزت بكين هذا الأسبوع في واجهة التحركات الدبلوماسية، عقب زيارة وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى العاصمة الصينية، حيث عقد مباحثات مع نظيره وانج يي، في وقت تسعى فيه إسلام آباد إلى ترسيخ موقعها كوسيط محتمل بين طهران وواشنطن، بحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
وأسفرت اللقاءات عن طرح مبادرة مشتركة بين الصين وباكستان من 5 نقاط دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإطلاق مفاوضات سياسية "في أقرب وقت ممكن"، وصولًا إلى تسوية مستدامة برعاية الأمم المتحدة. كما شددت المبادرة على ضرورة حماية المدنيين وتأمين خطوط الملاحة وضمان سيادة دول الخليج وإيران.
وتعد هذه المبادرة، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أوضح موقف صيني حتى الآن بشأن كيفية إنهاء النزاع، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات حول مدى استعداد بكين للانتقال من الطرح الدبلوماسي العام إلى خطوات عملية على الأرض.
ونقلت "سي إن إن" عن مصادر باكستانية قولها، إن أحد أبرز الملفات التي نوقشت خلال الزيارة يتمثل في إمكانية اضطلاع الصين بدور "الضامن" لأي اتفاق سلام محتمل، وهو مقترح يتقاطع مع تحركات إقليمية أوسع، شملت اجتماعات رباعية ضمت "مصر وتركيا والسعودية وباكستان" في إسلام آباد.
وكشفت المصادر عن لقاءات عقدها الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري داخل السفارة الصينية لبحث تطورات الأزمة، ما يعكس تنسيقًا سياسيًا متقدمًا بين الجانبين، رغم تحفظات رسمية على الإفصاح عن تفاصيل هذه المشاورات الحساسة.
بين النفوذ والحذر
ورغم الخطاب الصيني الداعي للتهدئة، تشير تقديرات خبراء إلى أن بكين ستتعامل بحذر مع أي انخراط مباشر في النزاع. فالصين تسعى إلى تقديم نفسها كقوة داعمة للاستقرار في مقابل صورة الولايات المتحدة كطرف يفاقم الأزمات، لكنها في الوقت ذاته تتجنب التورط في التزامات عسكرية أو أمنية معقدة.
ويرى محللون أن الصين قد تستفيد سياسيًا من انشغال واشنطن بحرب تستنزف مواردها وتؤثر على مصداقيتها الدولية، لكنها تبقى قلقة من التداعيات الاقتصادية، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على استقرار التجارة العالمية والطاقة.
كما يستبعد أن تقبل بكين بدور "الضامن" إذا كان يتطلب التزامات عسكرية أو آليات رقابة صارمة على وقف إطلاق النار، لما قد يترتب على ذلك من احتكاك مباشر مع الولايات المتحدة.
وليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها الصين لعب دور الوسيط الدولي؛ فقد سبق أن رعت تقاربًا بين إيران والسعودية عام 2023، كما طرحت مبادرات لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وفي السياق، أكد خبراء لـ"سي إن إن" أن النفوذ الصيني في ملفات الأمن الإقليمي بالشرق الأوسط لا يزال أقل تأثيرًا مقارنة بالقوى التقليدية، ما قد يحد من قدرتها على فرض تسوية أو ضمان تنفيذها.
وتسعى بكين إلى تحقيق توازن دقيق بين تعزيز صورتها كوسيط دولي، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك علاقتها مع واشنطن، خاصة مع توقعات بزيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال الأشهر المقبلة.
وفي الإطار، قد تنخرط الصين في جهود دبلوماسية محدودة كإشارة حسن نية، لكنها ستتجنب أي خطوة قد تؤدي إلى تعقيد علاقاتها مع الولايات المتحدة أو استدراجها إلى صراع مفتوح.