نشرت البحرية اليونانية، 30 يونيو 2025، فرقاطتين على الأقل في المياه الدولية قبالة السواحل الليبية، تزامنًا مع عودة التوتر بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، بعد أيام من دعم القمة الأوروبية، 26 يونيو 2025، للموقف اليوناني المندد بمذكرة التفاهم التركية الليبية، التي اعتبرها تنتهك الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا يمكن أن تنتج آثارًا قانونية.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أبعاد التوتر المتجدد بين تركيا واليونان حول ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا ومآلات التصعيد بين الجانبين.
أبعاد التوتر
يعود التوتر للتصاعد في شرق المتوسط مدفوعًا بالصراع اليوناني التركي على ترسيم الحدود البحرية واستغلال الموارد الهيدروكربونية قبالة السواحل الليبية، وهو ما يمكن استعراضه على النحو التالي:
(*) التنقيب قبالة جزيرة كريت: أسهم التوجه لإقرار مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية السابقة عبر مجلس النواب الليبي في تغذية التوتر بشرق المتوسط، التي تستند لاتفاقية جنيف 1958، إذ أعلنت وزارة الطاقة اليونانية، 2 مايو 2025، طرح مناقصة للتنقيب عن موارد الوقود الأحفوري في 4 مواقع ساحلية، اثنان منها جنوب جزيرة كريت قبالة السواحل الليبية بعد إبداء كل من شيفرون الأمريكية وهيلينيك للطاقة اهتمامهما بالأنشطة الاستكشافية للتنقيب عن الغاز في تلك المناطق، منذ يناير الماضي، ومن المتوقع أن تتقدم الشركات بعروضها بحلول أغسطس المقبل، تمهيدًا لاستكمال إجراءات المصادقة البرلمانية على الاتفاقية المحتملة بنهاية 2025، حسب منصة الطاقة. واعتبرت حكومة "الوحدة الوطنية" المؤقتة في طرابلس تحركات اليونان بانتهاك الحقوق السيادية الليبية.
وعلى الجانب الآخر وقعت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مذكرة تفاهم مع الشركة التركية للبترول "TPAO" في 25 يونيو 2025 بإسطنبول لإجراء دراسة جيولوجية وجيوفيزيائية لأربع مناطق بحرية، كما أوضح بيان المؤسسة الحكومية الليبية أن الجانبين ناقشا إجراء مسح سيزمي ثنائي الأبعاد ومعالجة البيانات الناتجة عن تلك المسوح في مدة لا تتجاوز 9 أشهر.
(*) إجراءات دبلوماسية: على وقع التباين المتصاعد، اتخذ الجانب اليوناني العديد من الإجراءات الدبلوماسية لحماية حقوقها البحرية على أساس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، وكان في مقدمتها قمة المجلس الأوروبي، 26 و27 يونيو 2025، إذ اعتبر بيان القمة أن مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، نوفمبر 2019، لترسيم الحدود البحرية "تنتهك الحقوق السيادية للدول الثالثة ولا تتوافق مع قانون البحار"، ولا يمكن أن تنتج آثارًا قانونية تنتقص من حقوق دول ثالثة.
وفي سياق مواصلة الحوار مع الأطراف الليبية، نقلت الصحافة اليونانية أن وزير الخارجية جورج جيرابتريتيس، يعتزم زيارة كل من طرابلس وبنغازي في إطار دفع السلطات الليبية لإعادة النظر في جدوى مذكرة التفاهم مع أنقرة وعدم قانونيتها. كما تأتي الزيارة المحتملة لكل من مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ووزراء الهجرة في اليونان وإيطاليا ومالطا إلى ليبيا، 8 يوليو الجاري، لبحث سبل وقف تدفق الهجرة غير النظامية، على غرار الاتفاقيات التي أبرمها الاتحاد مع بعض دول الجوار الجنوبي لمعالجة مسألة الهجرة.
(*) قضايا أمنية متداخلة: تتحرك الحكومة اليونانية في إطار تعزيز زخم المخاوف الأمريكية والأوروبية من تجدد النزاع في ليبيا خاصة بعد المواجهات الدامية في العاصمة طرابلس، مايو الماضي، نظرًا للتداعيات الأمنية المباشرة وغير المباشرة على أمن أوروبا على صعيد تدفق الهجرة غير النظامية والجرائم المنظمة العابرة للحدود، التي تغذي نفوذ بعض الميليشيات، إلى جانب إحياء النزاع حول ثروات النفط والغاز الطبيعي جنوب جزيرة كريت.
وأشارت صحيفة كاثميريني، 30 يونيو 2025، إلى أن البحرية اليونانية نشرت فرقاطتين على الأقل في المياه الدولية قبالة السواحل الليبية، في إطار مكافحة الهجرة غير النظامية تجاه جزيرتي جافدوس وكريت اليونانيتين والتنسيق مع السلطات الليبية في الشرق لرصد وتتبع حركة المهاجرين عبر السواحل الليبية.
كما يمثل التحرك العسكري اليوناني رد فعل لإعاقة أي تحرك تركي ليبي محتمل لفرض أمر واقع بالتنقيب في المناطق المتنازع عليها، مدفوعة بتوقعات شركات الطاقة الأمريكية، التي تبدي اهتمامًا بالعمل في جنوب وغرب جزيرة كريت. وتقدر السلطات اليونانية أن إجمالي احتياطات النفط والغاز في المياه اليونانية بالبحر الأيوني وجنوب جزيرة كريت يُعادل ما قيمته 250 مليار يورو.
وتقدر أعداد المهاجرين غير النظاميين في جزر جنوب اليونان منذ 2015 نحو مليون شخص. وشهدت أعداد المهاجرين عبر البحر من ليبيا باتجاه اليونان زيادة ملحوظة خلال النصف الأول من عام 2025، بنسبة ارتفاع بلغت 173% حسب تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، 20 يونيو الماضي، وسجلت وكالة رويترز عبور نحو 800 شخص للأراضي اليونانية، خلال الفترة من 19 وحتى 23 يونيو 2025، خاصة في ظل الانفلات الأمني الذي شهدته العاصمة الليبية طرابلس مؤخرًا إلى جانب التداعيات الممتدة للحرب في السودان.
وبالتزامن مع استمرار أنشطة عملية إيريني الأوروبية المعنية بإنفاذ حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا وتوسيع مهامها لتشمل أعمال الرصد والمراقبة لأنشطة تهريب الأسلحة والمخدرات وعمليات الهجرة غير النظامية، تتعزز المخاوف من حالة عدم الاستقرار في الغرب الليبي ونشاط الميليشيات المسلحة والمرتزقة الأجانب وطرق التهريب، حيث رُصدت طائرة بومباردييه 650 أرتيميس ومسيرة إم كيو-4 سي في المياه الدولية قبالة العاصمة الليبية طرابلس، ضمن عمليات مراقبة وجمع معلومات استخباراتية مرتين على الأقل في الفترة من 16 إلى 30 يونيو 2025.
تداعيات محتملة
لا يزال منسوب التوتر بين تركيا واليونان منخفضًا رغم تعقيدات الصراع المرتبطة بترسيم الحدود البحرية لثلاث دول والثروات النفطية المحتملة، التي تحظى باهتمام شركات الطاقة الأمريكية، ويمكن استشراف تداعيات ذلك التوتر من خلال أي من السيناريوهين التاليين:
(&) صفقة أمريكية: على غرار العديد من الأزمات الدولية التي طفت على السطح، يمثل التوتر التركي اليوناني تحديًا جديدًا لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمن ناحية تربط الرئيس الأمريكي علاقات قوية بنظيره التركي رجب طيب أردوغان، في ظل التعاون المتنامي بين الجانبين في سوريا والشرق الأوسط، ومن ناحية أخرى تظل أثينا حليفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لواشنطن في ضوء ما توفره القواعد الأمريكية باليونان من دعم لعمليات الجيش الأمريكي في مسارح عمليات أوروبا وإفريقيا وشرق المتوسط، التي أسهم في سرعة الاستجابة والتصدي للهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، حسب تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، خلال زيارته قاعدة بحرية في خليج سودا باليونان.
ويتضمن ذلك السيناريو أن تنخرط الولايات المتحدة بصورة إيجابية في إيجاد تسوية بين أطراف الصراع للحفاظ على المصالح الاستراتيجية في شرق المتوسط بمشاركة شركات الطاقة الأمريكية، وقد تشمل تلك الصفقة ترسيم الحدود البحرية بين كل من تركيا واليونان وليبيا والدفع باتجاه انضمام أنقرة لمنتدى غاز شرق المتوسط وتحقيق تقدم حلحلة الأزمات السياسية والأمنية في ليبيا وتيسير الحوار بين الفرقاء الليبيين، في ضوء ما تمتلكه واشنطن من أوراق ضغط على الطرفين التركي واليوناني.
ورغم ترجيح الوصول لتفاهم بدعم أمريكي، إلا أن حدود نجاح تلك الصفقة يتوقف على مدى شمول الرؤية الأمريكية لمنطقة شرق المتوسط ولطبيعة الصراع، إلى جانب دفع الطرفين التركي واليوناني لإبداء بعض التنازلات، سعيًا للتوصل لاتفاق عادل بشأن تسوية ملف ترسيم الحدود البحرية يتجاوز حجج الطرفين، التي يستند فيها الجانب اليوناني لاتفاقية الأمم المتحدة للبحار 1982 وترفضه تركيا في ظل تأثير الجزر اليونانية الصغيرة والملاصقة للساحل التركي بحرمان الأخيرة من المشاركة في استكشاف الموارد الهيدروكربونية بتلك المنطقة الواعدة.
(&) تأجيج التوتر: قد يتجه التوتر لمرحلة جديدة من التصعيد والاستفزازات العسكرية بين الجانبين دون الانخراط في صراع مفتوح، على غرار التوترات البحرية والجوية بين عامي 2020 و2022، في ضوء العديد من الاعتبارات، أولها تذبذب الموقف الأمريكي وحرصه على عدم الانخراط في صراعات طويلة خاصة إذا ما كانت بين حليفين رئيسيين في حلف الناتو، وثانيها السياسة الأوروبية المرنة تجاه تركيا، التي تحرص على استمالتها للعب دور إيجابي في مستقبل الأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات الروسية والتحكم في تدفقات المهاجرين وتأمين إمدادات الطاقة، وثالثها عدم رغبة الأطراف الإقليمية والدولية الزج بليبيا أو الانخراط في أتون ذلك الصراع التركي اليوناني حصرًا، الذي لا يزال يلقي بظلاله على قبرص.
وإجمالًا؛ تنطوي العلاقات التركية اليونانية على تعقيدات تاريخية تتأرجح بين التعاون والصراع، وهو ما يبرز مجددًا في ملف ترسيم الحدود البحرية في ظل نجاح تركيا في استمالة مختلف الأطراف الليبية وتعاظم نفوذها الجيوسياسي في المنطقة عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا. ويظل الموقف الأمريكي حاسمًا في تحديد مستقبل التوتر المتجدد بين الجانبين إما بالتوصل لصفقة شاملة تبدو عادلة ومقبولة للطرفين، أو بتهدئة التوتر وإدارة الصراع بما يخدم المصالح الاستراتيجية بالمنطقة.