قبل ستة أسابيع من الانتخابات الاتحادية المبكرة والحاسمة، تعاني ألمانيا -أكبر قوة تصنيعية في أوروبا- من واحدة من أطول الأزمات الاقتصادية، إذ شهدت برلين للعام الثاني على التوالي انكماشًا اقتصاديًا، ما يؤكد شدة التباطؤ الذي تشهده أوروبا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن مكتب الإحصاء الاتحادي قوله، إن أكبر اقتصاد في أوروبا انكمش بنسبة 0.2% العام الماضي، بعد انكماشه بنسبة 0.3% في عام 2023. وكان خبراء الاقتصاد توقعوا انخفاضًا بنسبة 0.2%.
أزمة اقتصادية طويلة الأمد
وصف الخبير الاقتصادي تييمو وولمرشوزر، من معهد "إيفو" في ميونخ، الوضع الاقتصادي في ألمانيا بأنه "أطول فترة ركود في تاريخها ما بعد الحرب العالمية الثانية"، مشيرًا إلى أن أداء الاقتصاد الألماني يشهد تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالاقتصادات الأخرى في العالم. هذه الأرقام تأتي في وقت حساس للغاية، إذ تقترب ألمانيا من انتخابات حاسمة ستجرى بعد نحو ستة أسابيع، بحسب الصحيفة.
الانتخابات والتحديات الاقتصادية
تتصدر القضايا الاقتصادية الحملة الانتخابية في ألمانيا، حيث تركز النقاشات على أزمة التصنيع، وتدهور البنية التحتية، والمسألة الحيوية حول ما إذا كان يجب على البلاد التخلي عن "حد الدين" الذي يقيّد الإنفاق الحكومي.
وفي هذا السياق، يقود فريدريش مرز، رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي المعتدل الذي يُتوقع أن يكون المستشار الألماني المقبل، حملة إصلاحية تهدف إلى تقليص البيروقراطية والضرائب، مع تخفيض الإعانات الاجتماعية للأفراد غير العاملين.
الإنفاق الحكومي
وعلى الرغم من تراجع الإنتاج في القطاع الخاص، سجّل الإنفاق الحكومي ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 2.6٪ مقارنة بالعام 2023. وأوضحت روث براند، رئيسة المكتب الفيدرالي للإحصاء، أن "الضغوط الدورية والهيكلية" تعد من العوامل الرئيسية التي ساهمت في ضعف الأداء الاقتصادي، مشيرة إلى زيادة المنافسة في قطاع التصدير الألماني، وارتفاع تكاليف الطاقة، واستمرار معدلات الفائدة المرتفعة، إلى جانب غموض التوقعات الاقتصادية.
وفي الربع الأخير من 2024، تراجع الإنتاج بنسبة 0.1٪ مقارنة بالربع الثالث، وهو ما وصفه كبير الاقتصاديين في بنك "دويتشه"، روبن وينكلر، بـ"المفاجأة" و"المقلق".
وأشار "وينكلر" إلى أن هذا التراجع قد يشير إلى فقدان الاقتصاد المزيد من الزخم، معربًا عن قلقه من التأثيرات السلبية التي قد تترتب على "القلق السياسي في برلين وواشنطن".
التوقعات المستقبلية
وفي تحذير آخر، توقع البوندسبانك (البنك المركزى الألمانى) في تقريره الصادر الشهر الماضي أن الركود الاقتصادي سيستمر في عام 2025، حيث يُتوقع نموًا اقتصاديًا ضعيفًا بنسبة 0.1٪ فقط. كما حذّر من أن اندلاع حرب تجارية مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي، ما قد يعمّق من الانكماش.
وتواجه ألمانيا أزمة حادة في قطاع السيارات نتيجة للمنافسة الصينية والانتقال المكلف نحو السيارات الكهربائية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب الاستهلاكي. ووفقًا للبيانات، انخفض الإنتاج في القطاع الصناعي بنسبة 3٪، كما تراجعت استثمارات الشركات بنسبة 2.8٪.
ومنذ بداية جائحة كورونا، لم يشهد الاقتصاد الألماني أي نمو اقتصادي ملموس، حيث ظل الإنتاج الصناعي أدنى من مستوياته السابقة بأكثر من 10٪، بينما بدأت معدلات البطالة في الارتفاع مجددًا بعد أن كانت قد انخفضت إلى مستويات قياسية.