الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

دراسة تكشف: البرلمان الفرنسي تحول إلى مسرح للمشاحنات والصراعات

  • مشاركة :
post-title
الجمعية الوطنية الفرنسية - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في جامعات فرنسية مرموقة عن تحول دراماتيكي في طبيعة النقاشات داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، إذ تراجع مستوى الحوار العقلاني لصالح الخطاب العاطفي والمواجهات الحادة، في ظاهرة تعكس تغيرات عميقة في المشهد السياسي الفرنسي، وتثير مخاوف جدية حول مستقبل العمل البرلماني في البلاد.

تحول عميق في المشهد البرلماني

في مشهد يعكس عمق التحول في البرلمان الفرنسي، وقف رئيس الوزراء الفرنسي الجديد فرانسوا بايرو، أمام الجمعية الوطنية في ديسمبر الماضي ليعبر عن صدمته من المناخ السائد في المجلس، وحسبما نقلت صحيفة إكسبريس الفرنسية، فقد واجه بايرو موقفًا صادمًا عندما قاطعت نائبة من حزب فرنسا الأبية خطابه بعبارة "لا نهتم" أثناء تقديمه تكريمًا لذكرى أحد النواب السابقين.

هذا المشهد لم يكن معزولًا، بل يمثل نموذجًا لتحول أوسع في ثقافة العمل البرلماني الفرنسي، حيث أصبحت المقاطعات والمشاحنات والتصعيد العاطفي سمات بارزة في المناقشات اليومية.

وقد أظهرت الدراسة التي حللت نحو مليوني تدخل برلماني في الفترة من 2007 حتى يونيو 2024 باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تحولًا جذريًا في طبيعة الخطاب السياسي، إذ فقد ارتفعت نسبة التدخلات التي تعتمد على الخطاب العاطفي من 22% في 2014 إلى 40% في المجلس المنتخب بين 2022 و2024، مع هيمنة واضحة لمشاعر الغضب على باقي العواطف.

سيطرة الخطاب العاطفي وتراجع النقاش العقلاني

يكشف التحليل المعمق الذي نشرته صحيفة إكسبريس عن تحول خطير في نمط النقاش البرلماني، إذ تصدر نواب حزب فرنسا الأبية المشهد بنسبة 52% من الخطابات العاطفية في 2024، يليهم نواب التجمع الوطني بنسبة 48%. وتشير الدراسة إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا الغضب مصطنع ومبالغ فيه، في استراتيجية تتوافق مع أساليب القادة الشعبويين الذين يسعون إلى استثارة مشاعر الجماهير.

ولم يقتصر التراجع على نوعية الخطاب فحسب، بل امتد ليشمل جودة النقاش البرلماني ككل، إذ سجلت الدراسة انخفاضًا حادًا في متوسط طول المداخلات بأكثر من 50% خلال العقد الماضي.

وبدلًا من التركيز على تطوير الأفكار وتقديم الحجج المنطقية، تحول اهتمام النواب إلى مهاجمة خصومهم السياسيين، في نمط يشبه إلى حد كبير المناوشات التي نشهدها على منصات التواصل الاجتماعي.

فرانسوا بايرو في الجمعية الوطنية
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العمل البرلماني

يرصد الباحثون تحولًا جوهريًا في طبيعة الجمهور المستهدف من الخطاب البرلماني، ففي الماضي كان النواب يخاطبون بشكل أساسي الصحفيين الذين يقومون بتغطية المناقشات البرلمانية، مما كان يفرض عليهم مستوى معينًا من العقلانية والكفاءة في الطرح.

أما اليوم، تشير الدارسة التي نقلتها الصحيفة الفرنسية إلى ان التركيز تحول إلى جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح البرلمان أشبه باستوديو تصوير للمحتوى الرقمي.

وقد وصل الأمر إلى درجة أن بعض النواب يتعاملون مع جلسات البرلمان كما لو كانت مشهدًا تمثيليًا، حتى أن البعض يصيح قبل مداخلات زملائهم: "تصوير... اكشن!"

مخاطر على مستقبل الديمقراطية الفرنسية

شددت الصحيفة على أن هذا التحول العميق في ثقافة العمل البرلماني يثير مخاوف جدية حول مستقبل المؤسسات الديمقراطية في فرنسا، إذ أكد الباحثون في دراستهم أن هيمنة الخطاب العاطفي، وخاصة الغضب، تجعل النواب غير قادرين على التوصل إلى حلول توافقية وغير منفتحين على المعلومات التي تتعارض مع معتقداتهم الأولية.

وهذا يتناقض مع الدور التقليدي للبرلمان كساحة للنقاش العقلاني والبحث عن الحلول المشتركة للقضايا الوطنية.

وتخلص الدراسة، كما نقلت إكسبريس، إلى أن هذا التحول يمثل تحديًا غير مسبوق في تاريخ البرلمان الفرنسي المعاصر، فالتراجع عن النقاش العقلاني لصالح المواجهات العاطفية والمشاحنات السياسية يهدد بتقويض الدور الأساسي للمؤسسة التشريعية في النظام الديمقراطي الفرنسي.

وهو ما يستدعي إعادة النظر بشكل جدي في آليات العمل البرلماني وأساليب النقاش السياسي لضمان استمرار فعالية المؤسسات الديمقراطية في البلاد.

لقد أصبح البرلمان الفرنسي، كما يصفه الباحثون، أشبه بحلبة مصارعة حيث يهتم المشاهدون بالمشهد المثير أكثر من مضمون النقاش، وكما تستشهد بتحليل الفيلسوف الفرنسي رولان بارت الشهير، فإن المصارعة الحرة تقوم على تقديم مشهد مبالغ فيه يهدف إلى إثارة المشاعر أكثر من البحث عن نتيجة حقيقية، وهو ما يبدو أنه أصبح واقع العمل البرلماني الفرنسي اليوم.