في تطور مفاجئ يبدو أن قضية جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكيليكس، تقترب من نهايتها، من أستراليا إلى الإكوادور، ومن لندن إلى زنزانة في سجن بلمارش شديد الحراسة، واليوم وبعد خمس سنوات قضاها خلف القضبان، يبدو أن الفصل الأخير من هذه القصة المعقدة على وشك أن يُكتب، مع احتمال عودة أسانج إلى وطنه الأم، أستراليا.
ووفقًا لصحيفة الجارديان البريطانية، من المتوقع أن يقر أسانج بالذنب في تهمة واحدة فقط، في إطار صفقة قد تنهي واحدة من أطول وأكثر القضايا القانونية إثارة للجدل.
نشأة هاكر عبقري
ولد أسانج عام 1971 في تاونزفيل بولاية كوينزلاند الأسترالية، ومنذ صغره أظهر اهتمامًا بالغًا بعالم الكمبيوتر، حتى أصبح في مطلع التسعينيات من أبرز المخترقين بأستراليا.
وفي عام 2006، أسس موقع ويكيليكس، المنصة التي غيرت مفهوم نشر المعلومات السرية على مستوى العالم.
ويكيليكس: ثورة في عالم المعلومات
في عام 2006، أسس أسانج منصة ويكيليكس، التي سرعان ما أصبحت ظاهرة عالمية، وكما تذكر صحيفة الجارديان البريطانية، فإن المنظمة تصف نفسها كـ"مكتبة عملاقة لأكثر وثائق العالم سرية".
هذا المفهوم الثوري للصحافة والشفافية سرعان ما جذب انتباه العالم، خاصة بعد نشر سلسلة من التسريبات المثيرة للجدل.
ولعل أبرز لحظات ويكيليكس كانت في عام 2010، عندما نشر الموقع مجموعة ضخمة من الوثائق السرية، التي قدمتها تشيلسي مانينج، الجندية السابقة في الجيش الأمريكي.
من بين هذه التسريبات كان فيديو صادم يظهر هجومًا بطائرة أباتشي أمريكية في بغداد عام 2007، أسفر عن مقتل 11 شخصًا، بينهم صحفيان من وكالة رويترز.
هذا الفيديو، الذي أُطلق عليه اسم "القتل الجانبي"، أثار موجة من الغضب العالمي وأشعل نقاشًا حادًا حول أخلاقيات الحرب.
من بطل إلى هارب دولي
بعد نشر هذه التسريبات، وجد أسانج نفسه في مرمى نيران الحكومات الكبرى، وفي نوفمبر 2010، صدرت مذكرة توقيف دولية بحقه بتهم الاعتداء الجنسي في السويد، وهي التهم التي نفاها أسانج بشدة.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن أسانج، خوفًا من تسليمه للولايات المتحدة عبر السويد، قرر اللجوء إلى السفارة الإكوادورية في لندن، يونيو 2012.
وهنا بدأت واحدة من أغرب الفصول في تاريخ الدبلوماسية الحديثة، فقد قضى أسانج ما يقرب من سبع سنوات داخل السفارة، في مساحة صغيرة لا تتعدى غرفة نوم.
خلال هذه الفترة، تحولت السفارة إلى ما يشبه قلعة محاصرة، مع وجود شرطي بريطاني على مدار الساعة خارجها، في انتظار لحظة خروج أسانج.
ولكن الحياة داخل السفارة لم تكن سهلة، فمع مرور الوقت، بدأت العلاقات بين أسانج والحكومة الإكوادورية في التدهور.
وصل الأمر إلى حد اتهام وزير الخارجية الإكوادوري في 2019، لأسانج بسوء السلوك، من ركوب الألواح المتزلجة ولعب كرة القدم داخل السفارة إلى إساءة معاملة موظفي السفارة وتهديدهم.
الاعتقال والمحاكمة
في 11 أبريل 2019، وفي تطور دراماتيكي، سحبت الإكوادور حق اللجوء من أسانج، ما سمح للشرطة البريطانية بدخول السفارة واعتقاله، وكما تذكر الجارديان، تم اعتقال أسانج أيضًا بناء على طلب الولايات المتحدة لتسليمه.
وهنا بدأت معركة قانونية جديدة، فقد وجهت الولايات المتحدة لأسانج 18 تهمة، معظمها بموجب قانون التجسس، متهمة إياه بتشجيع ومساعدة تشيلسي مانينج على سرقة الملفات العسكرية السرية.
وكانت العقوبة المحتملة، في حال إدانته بجميع التهم، تصل 175 عامًا في السجن.
على مدى السنوات الخمس الماضية، ظل أسانج محتجزًا في سجن بلمارش شديد الحراسة جنوب لندن، وخلال هذه الفترة، لم تتوقف التحذيرات من تدهور صحته الجسدية والعقلية.
زوجته، ستيلا موريس، التي تزوجها سرًا في أثناء وجوده بالسفارة الإكوادورية، كانت صوتًا قويًا في الدعوة للإفراج عنه، محذرة من أن حياته في خطر.
صفقة غير متوقعة
في تطور مفاجئ، يبدو أن المشهد على وشك التغيير جذريًا، ووفقًا للصحيفة البريطانية، من المتوقع أن يتم الإفراج عن أسانج قريبًا، مع احتمال إقراره بالذنب في تهمة واحدة فقط.
هذه الخطوة، إن تمت، ستمثل تحولًا كبيرًا في مسار القضية.
وتسرد الصحيفة البريطانية تفاصيل الصفقة المحتملة، إذ إنه من المتوقع أن يمثل أسانج أمام محكمة فيدرالية في جزر ماريانا الشمالية، وهي أرض تابعة للولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ، إضافة إلى أن اختيار هذا الموقع يأتي نتيجة لمعارضة أسانج السفر إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة، وقرب المحكمة من أستراليا.
ومن المرجح أن يقر أسانج بالذنب في تهمة واحدة بموجب قانون التجسس، تتعلق بالتآمر للحصول على معلومات دفاعية سرية ونشرها بشكل غير قانوني.
في المقابل، من المتوقع أن يتم إسقاط طلب التسليم وجميع التهم الأخرى.
وتشير الصحيفة إلى أن المدعين وافقوا على عقوبة مدتها خمس سنوات، مع احتساب الوقت الذي قضاه بالفعل في السجن البريطاني، وهذا يعني أنه من المحتمل أن يطلق سراحه بعد إصدار الحكم مباشرة.
العودة إلى الوطن
تشير "الجارديان" إلى أنه إذا تمت الموافقة على صفقة الإقرار بالذنب من قبل القاضي، فمن المتوقع أن يعود أسانج إلى أستراليا بعد صدور الحكم.
وتنقل الصحيفة البريطانية تصريحًا لوالد أسانج، جون شيبتون، الذي قال لوسائل الإعلام الأسترالية: "يبدو أن جوليان سيتمكن من التمتع بحياة عادية مع عائلته وزوجته ستيلا".