الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أبعاد زيارة المستشار الألماني إلى الصين

  • مشاركة :
post-title
شي جين بينج وأولاف شولتس

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تأتي زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس إلى الصين، في الفترة من 14 إلى 16 أبريل 2024، التي تعد زيارته الثانية إلى بكين خلال عامين، إذ جاءت الزيارة الأولى في عام 2022، منذ توليه مقاليد السلطة أواخر 2021، لتعكس الرغبة في تعزيز العلاقات بين الصين وألمانيا في ظل تنامي التبادل التجاري بينهما، إذ تعد الصين الشريك التجاري الأول لألمانيا لثماني سنوات متتالية حتى 2023، إذ قدر ذلك التبادل بنحو 273.5 مليار دولار.

كما هدف المستشار الألماني إلى أن تصبح العلاقات الألمانية الصينية جسرًا لمواجهة التحديات العالمية التي تواجه التقارب الآسيوى الأوروبي، منها الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى تشكل نوع من العداء الروسي الأوروبي، في ظل إصرار الرئيس بوتين على هزيمة أوكرانيا في مقابل الدعم العسكري الأمريكي والأوروبي لأوكرانيا، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الدول الأوروبية إلى تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لأوكرانيا لمواجهة التفوق الروسي في ميدان المعركة.

أهمية الزيارة

تكتسب الزيارة أهميتها في هذا التوقيت لعدة أسباب أولها ما يرتبط بالداخل الألماني ومحاولة شولتس تعزيز شعبية ائتلافه الحاكم في ظل التحديات الداخلية التي تواجهه، منها ما يتعلق بالمشكلات التي تواجه الاقتصاد الألماني، وانعكست على معدلات نموه المتوقع في ظل استمرار حالة التضخم وارتفاع الأسعار، بما جعل شولتس يبحث عن روافد تعزز مناعة الاقتصاد الألماني. وهو ما جعل شولتس يصطحب معه ممثلي عدد من الشركات الألمانية الكبرى، فبرغم المخاوف في علاقات البلدين الاستراتيجية، ظل التعاون الاقتصادي هو القاطرة الحاسمة في العلاقات بينهما، إذ تعد ألمانيا أكبر شريك تجاري للصين في الكتلة الأوروبية.

وثاني تلك الأسباب، أن الزيارة تأتي بعد إطلاق ألمانيا لاستراتيجيتها الأولى للأمن القومي في يوليو 2023، التي اعتبرت الصين كشريك ومنافس، إذ تبنت الاستراتيجية توجهًا رئيسيًا مفاده بأن الصين تحاول بطرق مختلفة إعادة تشكيل النظام الدولي القائم على القواعد، وتدعى بشكل عدواني السيادة الإقليمية في منطقة الإندوباسيفك، وتتصرف باستمرار بما يتعارض مع المصالح والقيم الأوروبية، لذلك وصفت الاستراتيجية تلك المعضلة بأنه رغم أهمية الصين لمواجهة التحديات العالمية، إلا أنها تزيد من ضغوطها على الاستقرار الإقليمي، ولا تحترم حقوق الإنسان.

كما تبنت الاستراتيجية أيضًا ضرورة الحد من الاعتماد الألماني على الواردات من الصين من حيث الموارد والمواد الخام سواء لإنتاج الأدوية أو الخلايا الشمسية، واعتبرت كذلك أن الصين شريك لا يمكن الانفصال عنه ومنافس لا يمكن عزله، إذ تشير التقديرات إلى أن انفصال الاقتصاد الألماني عن الاقتصاد الصيني قد يؤدي إلى انكماش الأول بنحو 5%.

وثالثها، ما يرتبط بالرغبة الألمانية في أن تؤثر الصين بحكم العلاقات الاستراتيجية مع روسيا في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوقف الحرب الروسية الأوكرانية، واللجوء إلى المفاوضات بدلًا من التصعيد العسكري، الذي يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي والألماني أيضًا، إذ أدت الحرب إلى تغيير في إدراك النخبة الألمانية لأنماط تلك التهديدات سواء فيما يتعلق بهشاشة الوضع الأمني في أوروبا، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة، والتحديات الاقتصادية والمجتمعية، واستراتيجيات مواجهة تلك التهديدات، من خلال تعزيز الإنفاق العسكري بعد الحرب التي أدت إلى اندلاع سباق تسلح عالمي، جعلت ألمانيا من أوائل الدول الأوروبية التي تقرر زيادة موازنتها العسكرية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، التي وصلت ما يقرب من 100 مليار يورو.

صحيح أن الصين طرحت مبادرة سلام لتسوية الصراع الروسي الأوكراني من عدة نقاط، قدمتها فبراير 2022، إلا أنها لم تسهم في حلحلة الصراع برغم أنها اشتملت على بنود مهمة، مثل المطالبة باحترام سيادة الدول، والتخلي عن عقلية الحرب الباردة، ووقف الأعمال العدائية، واستئناف محادثات السلام، وإيجاد حل للأزمة الإنسانية، وحماية المدنيين وتبادل الأسرى، والحفاظ على سلامة المنشآت النووية، وتقليص الأخطار الاستراتيجية، وتسهيل تصدير الحبوب، ووقف العقوبات أحادية الجانب، والحفاظ على استقرار سلاسل التوريد، ودعم مرحلة إعادة الإعمار.

دلالات الزيارة

عكست الزيارة العديد من الدلالات التي يمكن الإشارة إلى أهمها في التالي:

(*) مركزية التعاون الأوروبي الصيني: يمثل التعاون الأوروبي الصيني متغيرًا مهمًا لدعم الاستقرار والتنمية على المستوى العالمي، إذ تعتبر الصين أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، خلال عام 2022 بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يصل حجم التبادل التجاري 856.3 مليار يورو، بقيمة صادرات أوروبية تبلغ 230.3 مليار يورو، وواردات بقيمة 626 مليار يورو، ليبلغ العجز لصالح الصين نحو 395.7 مليار يورو.

وتشكل التجارة الأوروبية مع الصين نحو 2.5% من الناتج المحلى الإجمالي لمنطقة اليورو، وتعتمد أوروبا على الصين في استيراد السيارات الكهربائية، وأجهزة الألعاب الإلكترونية، والأثاث والمنسوجات والملابس والأحذية.

(*) أولوية الاقتصاد في العلاقات الألمانية الصينية: تعكس الزيارة في أحد جوانبها، أولوية الاقتصاد في مسار العلاقات الألمانية الصينية، فبرغم التمايز النسبي في رؤية القيادات في البلدين حول المخاطر الجيوسياسية العالمية، إلا أن ثمة اتفاق على محورية التعاون الاقتصادي، وهو ما عبر عنه الرئيس الصينى شي جين بينج، خلال لقائه المستشار الألماني أولاف شولتس، أن هذا العام يصادف الذكرى العاشرة لتأسيس الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وألمانيا، التي تعكس قوة العلاقات الصينية الألمانية، كما اعتبر شولتس أن العلاقات بين ألمانيا والصين في حالة جيدة، وأن البلدين يجريان تبادلات وثيقة على كل الأصعدة.

وترجمة لأولوية الاقتصاد في العلاقات بين البلدين، اصطحب المستشار الألماني أولاف شولتس، عددًا من ممثلي الشركات الألمانية النافذة منها "بي إم دبليو" و"سيمنز" و"باير" و"زايس" و"مرسيدس بنز"، لا سيما وأن السوق الصينية تشكل مجال جذب لما يقرب من 500 شركة ألمانية تعمل في مجال التصنيع، التي لديها ثقة في قدرات السوق الصينية، وهو الأمر الذي انعكس على زيادة الاستثمارات الألمانية المباشرة في الصين، لتصل 11.9 مليار يورو، التي تشكل 10.3% من إجمالي استثمارات ألمانيا الأجنبية خلال عام 2023.

(*) الدور القيادي لألمانيا أوروبيًا: تعكس الزيارة ترجمة لإدراك شولتس ورؤيته للدور القيادي لألمانيا داخل المنظومة الأوروبية، التي عبر عنها في مقال له في مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، ديسمبر 2022، من أن ديمقراطية ألمانيا وأمنها وازدهارها تعتمد على القوة الملزمة للقواعد المشتركة، معتبرًا أن هذا هو السبب في أن الألمان عازمون على أن يصبحوا الضامن للأمن الأوروبي، الذي يتوقعه منهم حلفاؤهم، وبناة جسور داخل الاتحاد الأوروبي ودعاة حلول متعددة الجوانب للمشكلات العالمية، لذلك حذر المستشار الألماني، خلال الزيارة ولقائه بعض من طلاب جامعة تونججى في شنجهاي من عمليات الإغراق، التي تنتهجها الشركات الصينية داخل السوق الأوروبية، مطالبًا بعدم الإفراط في إنتاج السلع الرخيصة أو انتهاك قواعد حقوق الملكية الفكرية، والحفاظ أيضًا على سوق أوروبية مفتوحة وعادلة للسيارات الصينية.

(*) موازنة التنافس الصيني الأمريكي: تعكس الزيارة في أحد جوانبها رغبة المستشار الألماني في موازنة التنافس الصيني الأمريكي على القارة الأوروبية، لا سيما وأن هناك تيارًا داخل الحكومة الألمانية يطالب بضرورة الحد من اعتماد الاقتصاد الألماني على الصين حتى لا يتكرر ما حدث مع روسيا في تعرض إمدادات الطاقة لألمانيا لمشكلات معقدة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، بشكل واضح قائلة إن الأخطار التي تم ارتكابها سابقًا مع روسيا يجب تجنبها مع الصين، كما سبق واعترض ستة وزراء ألمان على صفقة استحواذ الشركة الصينية كوسكو على حصة في محطة الحاويات بميناء هامبورج، خشيةً منهم أن ذلك بمثابة خطوة لاستحواذ الصين على مقومات البنى التحتية الاستراتيجية في ألمانيا.

مجمل القول، تعكس زيارة أولاف شولتس الاتجاه الألماني نحو تجاوز التمايز في رؤى البلدين بشأن طبيعة التهديدات العالمية وكيفية مواجهتها، التي تضمنتها استراتيجية ألمانيا للأمن القومي 2023، واعتبرت الاستراتيجية بكين شريكًا لا يمكن الانفصال عنه ومنافسًا لا يمكن عزله، بما يعكس التناقض في الممارسة الألمانية إزاء الصين ما بين التوجهات والسلوك الفعلي على أرض الواقع، الذي يعكس أيضًا قدرة الاقتصاد الصيني وتمكنه من الاستحواذ على السوق الأوروبية ومنها الألمانية، وبما يجعل تكلفة فك الارتباط به مغامرة صعبة المنال.