الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما الانعكاسات الاقتصادية المحتملة حال خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي؟

  • مشاركة :
post-title
ألمانيا والاتحاد الأوروبي - صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

طرح حزب "البديل من أجل ألمانيا" الذي يُمثل تيار اليمين، فكرة خروج ألمانيا من الاتحاد الأوربي "ديكسيت" على غرار خروج بريطانيا من "البريكسيت"، ومن هنا جاء الحديث عن الخروج الافتراضي لألمانيا من منطقة اليورو، وتعد هذه المرة الأولى في تاريخ ألمانيا التي يُشكك فيها حزب سياسي بفكرة الانتماء للاتحاد الأوروبي، وعليه فإنه في حال خروج برلين فعليًا من الاتحاد الأوربي، من المرجح أن يتهدد وجود الاتحاد الأوروبي برمته وستتأثر منطقة اليورو بشكل كبير جدًا، كما سيتأثر الاقتصاد الألماني بشكل أكبر.

وعليه يطرح هذا التحليل سؤالين: "ما دوافع دعوات الخروج من الاتحاد الأوربي؟، وما الانعكاسات الاقتصادية المُحتملة من خروج ألمانيا من الاتحاد؟

والجدير بالذكر هنا أن بريطانيا انفصلت تمامًا عن الاتحاد الأوروبي في يناير 2021، بعد نصف قرن من الاندماج فيه، وتوصل الطرفان إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد "بريكسيت"، ومن هنا اعتبر حزب البديل من أجل ألمانيا أن النموذج البريطاني، هو النموذج المثالي لألمانيا.

دوافع مهمة:

جاءت دعوات حزب "البديل من أجل ألمانيا" بخروج "برلين" من الاتحاد الأوروبي أو إصلاحه جذريًا، لمجموعة من الدوافع، هي:

(-) العداء والتشكيك تجاه الاتحاد الأوروبي: تقوم الأيديولوجية الفكرية لحزب "البديل من أجل ألمانيا" على العداء لعملية التكامل الأوروبي، إذ يُعارض الحزب العديد من الإجراءات والسياسات داخل الاتحاد، ويرى قادة الحزب أن الاتحاد الأوروبي يُعاني "العجز الديمقراطي"، إذ تتحدد سياساته من قبل البيروقراطيين، واعتبروه "مشروع مُفلس" يتطلب تحولًا جذريًا، معتبرين أن الاتحاد فشل في مجموعة من المجالات المهمة مثل المناخ والهجرة، وبالإضافة إلى ذلك اعترض الحزب على خطط إنقاذ الاتحاد الأوروبي لليونان ودول اليورو المُثقلة بالديون (سياسة إنقاذ اليورو)، إذ وافقت المفوضية الأوروبية في عام 2020 على خطة مساعدة لليونان بقيمة 2 مليار يورو؛ لدعم اقتصادها خلال تفشي فيروس كورونا، وفي بداية فبراير 2023 اتفقت دول الاتحاد الأوروبي الـ27 على إقرار حزمة مساعدات إضافية لأوكرانيا بقيمة 50 مليار يورو لمدة أربع سنوات، هذا الدعم الذي يرفضه الحزب، مؤكدًا عدم تحمل ألمانيا مسؤولية ديون الدول الأخرى وأزماتها المختلفة.

وعليه يرى حزب "البديل من أجل ألمانيا" أن المهام الرئيسية للاتحاد الجديد لا بد أن تتمثل في حماية الحدود الخارجية ضد الهجرة، والاستقلال الاستراتيجي في السياسة الأمنية والحفاظ على الهويات المختلفة بأوروبا، كون أن الاتحاد الأوروبي ألغى فكرة الحدود والتوسع.

(-) انتقاد العملة الموحدة "اليورو": أسس حزب "البديل من أجل ألمانيا" في عام 2013، على مناهضة التكتل الأوروبي وعملة اليورو الموحدة، إذ يرى أعضاء الحزب أن العملة الموحدة تسببت في جميع أنواع الاختلالات التجارية بمنطقة اليورو؛ لهذا يريد قادته أن تترك ألمانيا اليورو وتستخدم المارك الألماني، إذ إنه في حال خرجت ألمانيا من منطقة اليورو، فإن باقي أعضاء التكتل ستخفض قيمة عملتهم، ومن هنا يُستعاد النمو الاقتصادي.

(-) الظروف الاقتصادية الراهنة: يُعاني الاقتصاد الألماني في الفترة الحالية ضغوطات اقتصادية، جرّاء تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية، وفي ديسمبر 2023 ارتفع معدل التضخم على أساس سنوي إلى 3.7% مُقارنة بـ3.2% في نوفمبر 2023، كما يوضح الشكل (1)، الأمر الذي يرجع وفقًا للمراقبين إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 4.1%، كما ارتفع الدين الحكومي في ألمانيا إلى 2.5 تريليون يورو في الربع الثالث من 2023 مُقارنة بـ2.4 تريليون يورو في الربع الثاني من عام 2023، وفي حالة أن متوسط الدين الحكومي في ألمانيا بلغ 1.7 تريليون يورو خلال الفترة من 1995 حتى 2023، يُمكن القول إن الدين الحكومي في الربع الثالث من عام 2023 وصل أعلى مستوياته وبنسبة لم يبلغها من قبل.

المصدر: المكتب الإحصاء الفيدرالي

ووفقًا للضغوط الاقتصادية سابقة الذكر وبلوغ الدين الحكومي الألماني أقصاه، احتج الآلاف من المزارعين على خفض الدعم الحكومي لقطاعهم وإلغاء مزاياهم الضريبية في 15 يناير 2024، ودعوا إلى استقالة حكومة المستشار أولاف شولتس، إذ أعلنت برلين خططًا لخفض الدعم والإعفاءات الضريبية على مركبات الديزل والمركبات الزراعية، كما نظم عمال المعادن وموظفو القطاع العام إضرابًا في ديسمبر الماضي، وهو الأمر الذي يوضح المعاناة الاقتصادية في ألمانيا، وعليه استغل حزب "البديل من أجل ألمانيا" هذه الظروف الاقتصادية، طارحًا فكرة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

انعكاسات مُحتملة
تداعيات فكرة خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي

من المرجح أن يتضمن الخروج المحتمل لألمانيا من الاتحاد الأوروبي، العديد من الانعكاسات السلبية على مختلف المستويات، على النحو التالي:-

(*) تهديد مُستقبل الاتحاد الأوروبي: من المحتمل أن يهدد الخروج الألماني من الاتحاد الأوروبي مستقبل الاتحاد نتيجة لمجموعة من الأسباب، تتمثل في الآتي:

(1)- المُساهمة الكبيرة في ميزانية الاتحاد: تُعتبر ألمانيا من أكبر الدول الأعضاء المُساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، ويوضح الشكل (2) أن ألمانيا تُسهم بـ28.1 مليار يورو في الميزانية، بينما تحصل على تمويل من الاتحاد بقيمة 11.01 مليار يورو فقط، في حين تُسهم فرنسا بـ20.6 مليار يورو، وتحصل على تمويل بقيمة 14.5 مليار يورو، وإيطاليا بـ15.9 مليار يورو، وإسبانيا بـ10.1 مليار يورو، وهو الأمر الذي يوضح أنه مع احتمالية خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي، ستتأثر ميزانية الاتحاد بشكل كبير، الأمر الذي قد يُعرضه للانهيار، كما أن الدول الأعضاء الأحدث والأفقر في الاتحاد، التي تتلقى معونات مالية ضخمة، قد تُحرم من هذه التمويلات، ومن ثم تغادر الاتحاد.

المصدر: ميزانية الاتحاد الأوروبي

(2)- ارتفاع الاستثمارات المباشرة لألمانيا: يُمثل حجم الاستثمار الأجنبي المباشر لألمانيا نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي، ويذهب الجزء الأكبر منه إلى دول الاتحاد الأوروبي، إذ يصل حجم الاستثمارات الألمانية في الاتحاد الأوروبي أكثر من نحو 30.3 مليار يورو، وهو الأمر الذي يُشير إلى تركز الاستثمار الأجنبي المباشر لألمانيا في دول الاتحاد، ومع خروج ألمانيا، من المحتمل أن ينخفض حجم الاستثمارات بشكل كبير في العديد من الدول الأعضاء، ما يؤثر على رؤوس الأموال المتدفقة إليهم، الأمر الذي يُفقد ثقتهم في مستقبل الاتحاد.

(3)- ارتفاع حجم التجارة البينية: تُسهم ألمانيا بحجم كبير في التجارة البينية بين دول الاتحاد الأوروبي، إذ تُمثل 53% من صادرات ألمانيا، يذهب لفرنسا 7% وهولندا 7%، في حين يذهب خارج الاتحاد الأوروبي 9% إلى الولايات المتحدة و8% إلى الصين، ومن حيث الواردات، يأتي 64% من واردات ألمانيا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما يأتي من خارج الاتحاد 8% من الصين و5% من الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يوضح حجم التجارة الكبير بين ألمانيا ودول الاتحاد.

(*) انهيار نظام العملة الموحدة "اليورو": من المرجح أن يعمل توقف تعامل ألمانيا باليورو مع خروجها من الاتحاد الأوروبي واستبداله بالمارك الألماني على انهيار نظام العملة الموحدة بشكل كبير، إذ تُمثل ألمانيا نسبة كبيرة من حجم التعاملات باليورو، مُتمثل في تعاملات التجارة والاستثمارات الخارجية، ومع تحويل التعامل من اليورو إلى المارك الألماني، سترتفع قيمة العملة الجديدة "المارك الجديد" بشكل كبير، وستنخفض في المقابل قيمة اليورو، ما يؤثر على الأسواق المالية المُعتمدة على اليورو، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى احتمالية انهيار نظام العملة الأوروبية الموحدة.

(-) انعكاسات سلبية محتملة على الاقتصاد الألماني: يتسبب خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي في إحاطة الاقتصاد الألماني بعدد من السلبيات، أهمها على النحو التالي:

(1)- ارتفاع معدل البطالة: تميزت معدلات البطالة في الاقتصاد الألماني بالاستقرار خلال الأزمات المختلفة، إذ ظل مستقر عن 5.8% رغم الركود الذي أصاب الاقتصاد كما يوضح الشكل (3)، كما أن لديها أقل معدلات بطالة في الاتحاد الأوروبي، والأمر الذي أسهم في تحقيق ذلك هو عضوية ألمانيا في الاتحاد، إذ إن حرية التنقل داخل الاتحاد لمواطني الدول الأعضاء أسهم في الحصول على العديد من الوظائف، ويعمل نحو 7.1 مليون مواطن من الاتحاد في الدول الأعضاء الأخرى، وهو الأمر الذي يرجح حدوث أضرار بالغة في النموذج الاقتصادي الألماني، تنتهي بتدمير ملايين الوظائف الجيدة، وهو ما أشار إليه مارسيل فراتشر، رئيس المعهد الاقتصادي DIW في برلين.

المصدر: وكالة التوظيف الفيدرالية

(2) تدهور الميزان التجاري: يُحقق الاقتصاد الألماني فائضًا في الميزان التجاري مع بقائه في الاتحاد الأوروبي، كما يوضح الشكل (4)، الذي يُشير إلى ارتفاع الفائض الألماني التجاري إلى 22.2 مليار يورو في ديسمبر 2023، متجاوزًا توقعات السوق البالغة 18.8 مليار يورو، وكان هذا مدعومًا بحجم التجارة الكبير منخفضة التكلفة بين ألمانيا وباقي الدول الأعضاء في الاتحاد، إذ إنه في ظل العضوية تكون ورادات وصادرات ألمانيا دون أي تكاليف جمركية، وأن التجارة الحرة بين أعضاء الاتحاد من المبادئ الأساسية لتأسيسه، وتستفيد ألمانيا من هذه الميزة في زيادة تجارتها الخارجية، الأمر الذي يعني وفقًا للمراقبين، أنه مع خروج ألمانيا من الاتحاد سترتفع تكلفة تبادُلها التجاري بشكل كبير، الأمر الذي سينعكس سلبيًا على ميزانها التجاري.

الشكل (4) يوضح فائض الميزان التجاري في ألمانيا من يناير 2023 إلى ديسمبر 2023

(3)- احتمالية انخفاض معدلات النمو: من المرجح بقوة أن يتأثر الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الألماني، سلبيًا مع خروجه من الاتحاد الأوروبي، إذ من المتوقع أن ينمو سنويًا بأقل من 0.5%، كما يتضح من الشكل (5) الذي يُشير إلى أنه مع بقاء ألمانيا في منطقة اليورو سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أكبر عندما يكون لديها عملة منفصلة، كما أنه مع خروج ألمانيا من الاتحاد سترتفع توقعات الانكماش في الاقتصاد بنسبة أكبر من معدلها في الوقت الحالي.

يذكر أنه قُدر في دراسة أجرتها مؤسسة برتلسمان الألمانية عام 2016، أن حجم الناتج المحلي الإجمالي الألماني "في سيناريو المارك الألماني" سيصل نحو 2.6 تريليون يورو في عام 2025، في حين مع وجود ألمانيا بالاتحاد النقدي سيصل حجم الناتج 2.8 تريليون يورو، وهو الأمر الذي يعني أن كل مواطن ألماني سيخسر في المتوسط 2200 يورو، وهو ما يوضح التوقعات السلبية من فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

سيناريوهات محتملة:

ووفقًا للمراقبين، فإن خروج ألمانيا أو استمرارها في الاتحاد الأوروبي يأخذ أحد مسارين، هما:

(&) الأول، يتمثل في بقاء ألمانيا بالاتحاد الأوروبي مع اتخاذ خطوات لإصلاحه، ويدعم هذا المسار، إدراك بعض المسؤولين الألمان، بالإضافة إلى الأغلبية من الشعب الألماني، أن التكامل الأوروبي من الأساسيات التي يقوم عليها الاقتصاد الألماني، وهذا الإدراك قد يجعل اتجاه نتيجة تصويت الاستفتاء نحو البقاء في الاتحاد، ومن ناحية أخرى سينجح هذا المسار بشكل أكبر إذا لم ينجح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في الانتخابات المُقبلة، وما يدعم ذلك اعتراف "أليس فايدل" الرئيسة المشاركة للحزب بأن الحزب لن يتمكن من تولي السلطة في برلين قبل عام 2029، لكن الحزب سيقوم بدور مستقبلي في الحكومة، ومن هنا يُمكن القول إن هذا المسار هو الأقرب للواقع.

(-) المسار الثاني: يتمثل في خروج ألمانيا من الاتحاد، ويتوقف نجاح هذ المسار على إمكان وصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى السلطة في الانتخابات الإقليمية المُقررة في سبتمبر، إذ تؤكد استطلاعات الرأي العام الحديثة في ألمانيا التي نشرها معهد "YouGov" أن شعبية الحزب ارتفعت، إذ تُشير إلى أن 20% من الناخبين الألمان جاهزون للتصويت لصالح الحزب، أي أكثر من مؤشرات الحزب الديُمقراطي الاجتماعي بـ1%.

وعليه يُمكن القول إن فرص خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي متوقفة على الفرص الانتخابية لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، إذ إن 80% من الشعب الألماني يؤيدون فكرة التكامل الأوروبي، ومدى أهميته للاقتصاد الألماني، ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خسر اقتصادها 5%، وستزداد هذه الخسارة بقدر أكبر في ألمانيا، فمن المتوقع أن يخسر اقتصادها نحو 227 مليار يورو، فضلًا عن التأثيرات السلبية على الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة "اليورو"، وهو الأمر الذي يرجح أن هذه الفكرة من الصعب تنفيذها في ألمانيا.