الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أطفال مقطوعو الرؤوس.. بايدن "شاهد لم ير شيئًا" ومتطرف إسرائيلي يتلاعب بالإعلام الغربي

  • مشاركة :
post-title
بايدن والمتطرف الإسرائيلي

القاهرة الإخبارية - نادر عيسى - سامح جريس

ربما تتغير مصائر ويموت آلاف البشر، والسبب مجرد كذبة، لكنها تتحول في النهاية إلى كذبة تاريخية، مثل امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، تلك الكذبة التي روجها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، لتبرير غزوه بلاد الرافدين، فيما كانت آخر تلك الكذبات ما تم ترويجه في الإعلام الدولي على مدار الأيام الماضية، بأن المقاومة الفلسطينية قتلت أطفالًا رضع بل وقطعت رؤوسهم، واغتصب عناصرها النساء.

كذبة أو فخ، وقعت فيه صحف ومواقع أمريكية وبريطانية وعالمية، وأيضًا الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي صرح بأنه رأى بأم عينه صورًا لأطفال صغار إسرائيليين مقطوعي الرأس، وكانت السوشيال ميديا العالمية المنحازة إلى تل أبيب كفيلة بوضع ختم "حقيقة" على "كذبة"، لم يحاول أي شخص التأكد من تأكيدها أو نفيها، فقط المعلومات تتأكد لأنها متداولة على نطاق واسع.

في عصر المعلومات والتكنولوجيا الحديثة، تلعب وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في تشكيل وجهات النظر وتوجيه الرأي العام، وفي هذا السياق، أثارت بعض وسائل الإعلام البريطانية جدلاً كبيرًا بتورطها في حملة تضليل أطلقها الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته الإعلامية، بنشر أكاذيب مروّجة تدعي أن فصائل المقاومة الفلسطينية قطعت رؤوس أطفال واغتصب عناصرها النساء في حملة هجومية على المستوطنات في غلاف قطاع غزة في إطار عملية "طوفان الأقصى".

وكانت صحيفة "التايمز" البريطانية التي أثارت الجدل، حملت عنوانًا رئيسيًا يزعم أن فصائل المقاومة الفلسطينية تقطع رؤوس الأطفال. ومع ذلك أظهر المقال صورة لخمس جثث كبيرة كانت ملفوفة في أكياس بلاستيكية ولم تكن "جثث أطفال"، بينما عرضت صحيفة "ديلي تلجراف" القصة بشكل أكبر بإضافة عبارة الرضع والأطفال، دون أن تعرض أي دليل، وشاركتهما في ذلك صحيفة "مترو" التي وضعت صورة لجندي إسرائيلي وهو يحمل كلبًا صغيرًا في يده اليمنى، بينما يحمل بندقية في يده اليسرى.

كيف انطلقت الكذبة إلى العالم؟

انطلقت الكذبة على لسان أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في مقابلة مصورة مع قناة I24 نيوز الإسرائيلية، الذي زعم أنه رأى "الأطفال المقطوعة الرأس"، وتبين أنه "ديفيد بن صهيون" زعيم المستوطنين الإسرائيليين الذي حرض من قبل على أعمال الشغب "لمحو" قرية فلسطينية.

وبعد أن أدلى "بن صهيون" بهذا التصريح الكاذب، التقطه بايدن ونتنياهو ووسائل الإعلام الدولية بل وعملوا على تضخيم هذا الادعاء المشكوك فيه.

وعلى إثر الكذبة، وتصريح نتنياهو وبايدن، اندلعت موجة من الغضب الدولي عندما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المسلحين الفلسطينيين من قطاع غزة المحاصر -حسب وصفها- قتلوا أربعين "طفلاً" وقطعوا رؤوس العديد منهم أثناء توغلهم في المستوطنات على غلاف غزة. وكرر الرئيس جو بايدن هذا الادعاء التحريضي خلال خطاب ألقاه في البيت الأبيض في 10 أكتوبر في حديقة الورود، بينما نقلت الشبكات في جميع أنحاء الغرب القصة دون أدنى قدر من التدقيق أو التحقق.

دخلت شبكة "سي إن إن" على الخط عندما نقل مراسلها نيك روبرتسون، عن مصادر عسكرية إسرائيلية -على ما يبدو- تصريحات بأن المسلحين الفلسطينيين نفذوا "عمليات إعدام على غرار داعش"، حيث كانوا "يقطعون رؤوس الناس"، بما في ذلك الأطفال والحيوانات الأليفة. 

وعلى الرغم من عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على تأكيد التقرير، كرره المتحدث باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تال هاينريش، يوم الأربعاء، وهي نافذة على كيفية تحول التقارير التي لم يتم التحقق منها إلى جزء من السجل التاريخي.

المستوطن الإسرائيلي ديفيد بن صهيون صاحب الإدعاء
تراجع على استحياء

إلا إن الإعلامية التي أجرت المقابلة مع المستوطن ديفيد بن صهيون تراجعت لاحقًا عن الاتهامات الشنيعة، ونشرت على حسابها على شبكة "إكس"، تويتر سابقًا، أن القصة مصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي أبلغها بذلك. 

وكان واضحًا أن حملة التضليل تلك تهدف إلى شيطنة فصائل المقاومة، ثم بدأت الحقيقة في الظهور عبر تنصل جيش الاحتلال من تبني تلك الرواية، حيث ذكرت قناة "سكاي نيوز" أنها تواصلت عدة مرات مع جيش الاحتلال لتأكيد المعلومة، لكنها لم تحصل على أي دليل.

من جهته، ذكر المكتب الصحفي لجيش الاحتلال، أنه لا تتوفر لديه معلومات تؤكد التقارير التي تحدثت عن قيام "عناصر من فصائل المقاومة الفلسطينية بقطع رؤوس أطفال"، والتي ظهرت في الصحف الإسرائيلية وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب ما أشارت صحيفة ذا إنترسيبت.

كذلك أكد الصحفي الإسرائيلي أورين زيف عدم رؤيته لأي دليل على "قطع رؤوس الأطفال" خلال جولته في "مستوطنة كفار عزة"، مؤكدًا أنه حتى قادة جيش الاحتلال لم يذكروا مثل هذه الحوادث أو المعلومات.

وعزز صامويل فولي، الصحفي الفرنسي الذي زار "مستوطنة كفار عزة"، كذب الرواية الإسرائيلية، إذ قال إنه لا يستطيع أن يؤكد بشكل مستقل التقارير التي سمعها عن قيام فصائل المقاومة الفلسطينية بذبح 40 طفلاً. 

وأضاف في التأكيد أن "اثنين من مسؤولي خدمات الطوارئ الذين كانوا يجمعون الجثث قالوا إنهم لم يشاهدوا مثل هذه الانتهاكات ولا وجود لها".

كيف تنفي كذبة؟

الكذبة التي روجها مستوطن متطرف، تطورت وأصبحت حقيقة، وانتقلت إلى الصفحات الأول من جرائد بريطانيا الأكثر شهرة، وتكررت التقارير غير المؤكدة من قبل صحفيين وسياسيين مخضرمين، من قناة فوكس نيوز إلى مذيعي شبكة سي إن إن، بالإضافة إلى سياسيين أمريكيين بدءًا من النائبة مارجوري تايلور جرين، جمهورية عن ولاية جورجيا، إلى النائب ريتشي توريس، ديمقراطي من ولاية نيويورك. وطارد مراسلو قناة فوكس نيوز النائبة رشيدة طليب، النائبة الديمقراطية عن ولاية ميتشيجان، الأمريكية الفلسطينية الوحيدة في الكونجرس، قائلين إن "إرهابيي حماس قطعوا رؤوس الأطفال" وطلبوا منها التعليق على "الإرهابيين الذين يقطعون رؤوس الأطفال". وفي يوم الأربعاء، استمرت التقارير في الانتشار، بما في ذلك على وسائل الإعلام الكبرى مثل شبكة سي إن إن.

وكتبت مراسلة "نيويورك تايمز" شيرا فرنكل على موقع BlueSky، يوم الأربعاء، أنه يجب على المراسلين التعامل مع مثل هذه الادعاءات بعناية، ومحاولة التحقق من مصادرها، والسعي إلى تأكيدها بطرق أخرى. وأضافت: "ما عدا الجيش الإسرائيلي الذي خرج ببيان رسمي (وهو لم يصدر، ورفض التأكيد) أو أي شخص يؤكد أنه شاهد ذلك بأعينه، فهي شائعة يتم تداولها على نطاق واسع". 

بايدن.. لم يشاهد شيئًا

تراجع البيت الأبيض في وقت متأخر من يوم الأربعاء، عن التصريحات الصادرة عن الرئيس جو بايدن بشأن رؤيته صور أطفال إسرائيليين "قُطعت رؤوسهم على يد حماس".

ونقلت شبكة "سي إن إن" الإخبارية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية، قوله إن هذه التصريحات كانت مبنية على "مزاعم" مسؤولين إسرائيليين وتقارير إعلامية محلية، وأوضح المسؤول أن بايدن والمسؤولين الأمريكيين "لم يروا هذه الصور، ولم يتحققوا بشكل مستقل من أن حماس تقف خلف هذه المزاعم".

وجاء توضيح البيت الأبيض بعد ساعات قليلة من الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي خلال اجتماع لقادة الطائفة اليهودية، وقال فيها إن على الأمريكيين رؤية ما يحدث، وإنه "لم يتخيل رؤية إرهابيين يقطعون رؤوس أطفال".

ومع ذلك، فإن الحكاية التي لم يتم التحقق منها سرعان ما شقت طريقها إلى أعلى مستويات القيادة، كما لو كانت عن قصد، إذ صرح المتحدث باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل لا لبس فيه أنه تم العثور على أطفال رضع وصغار "مقطوعة الرأس"، في حين أشار الرئيس جو بايدن نفسه بشكل غامض إلى "التقارير المثيرة للقلق عن مقتل أطفال رضع"، إلا إن البيت الأبيض نفى أن يكون الرئيس الأمريكي قد رأى هذه العملية، وأشار متحدث باسم البيت الأبيض إن بايدن استند في تصريحاته إلى ادعاءات المتحدث باسم نتنياهو وتقارير إعلامية من إسرائيل، وفقًا لما نقلته صحيفة "نيويورك بوست" الأمريكية.