الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تأثير نتائج انتخابات الكونجرس الأمريكي على مسار أزمات الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
انعكاسات التجديد النصفي للكونجرس على الشرق الأوسط

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تعكس نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، خروجًا على التقاليد المستقرة في الممارسات الانتخابية الأمريكية، وهي سيطرة الحزب المناوئ للرئيس على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، بما يسهم في إرساء حالة من التوازن بين السلطات، وتُعد الانتخابات النصفية نوعًا من الاستفتاء على أداء الرئيس وإدارته بعد عامين من توليه السلطة، وجرت العادة أن يفقد الرئيس أغلبيته النيابية في الانتخابات النصفية، وأن يحصل الحزب المعارض على الأغلبية حتى وإن كانت محدودة.

تشير التقديرات النهائية لنتائج الانتخابات إلى إمكان حصول الحزب الجمهوري على 220 مقعدًا في مقابل 215 للحزب الديمقراطي، فيما لم ينته الفرز في 20 مركز اقتراع، خاصة في كاليفورنيا حتى 12 نوفمبر 2022، وهي أغلبية محدودة لا تتماشى مع وعود المد الأحمر التي أطلقها الحزب في حملاته الانتخابية. أما بالنسبة لمقاعد مجلس الشيوخ فقد حصل الديمقراطيون على 50 مقعدًا، وحصل الجمهوريون على 49 مقعدًا، فيما يتبقى مقعد لولاية جورجيا ستحسمه جولة الإعادة في 6 ديسمبر 2022، بما يعني احتفاظ الحزب الديمقراطي بالسيطرة على أغلبية مجلس الشيوخ، لا سيما وأن الصوت المرجح يعود إلى نائبة الرئيس كاميلا هاريس.

ولا شك أن هذه النتائج تصب لصالح الحزب الديمقراطي، وهو ما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن، تعليقًا على نتائج الانتخابات النصفية، قائلًا: إنها عززت وضعه السياسي والتطلع إلى العامين المقبلين. من هنا يثار التساؤل المحوري حول حدود الاستمرارية والتغير في السياسة الأمريكية إزاء قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط بعد هذه الانتخابات.

محدودية التأثير:

على الرغم من هيمنة قضايا الداخل على الحملات الانتخابية ما بين الحزبين الجمهوري والديمقراطى في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، مثل أزمات "التضخم، تراجع معدلات النمو، ارتفاع أسعار الوقود، حماية الديمقراطية، حرية الإجهاض، والحد من الهجرة غير المشروعة"، إلا أن قضايا الخارج لا تعني الناخب الأمريكي بشكل كبير، فهي ترتبط بشكل مباشر بمقومات الهيمنة الأمريكية وكيفية تعزيزها، التي يتم صياغتها وفق المصالح الاستراتيجية الأمريكية داخل أروقة المؤسسات المختلفة، ومن ثم فإن ثمة توقعات بأن يكون لنتائج تلك الانتخابات، تأثير محدود على التطورات المحتملة لمسار أزمات الشرق الأوسط في ظل اتفاق الحزبين الديمقراطي والجمهوري على الخطوط الرئيسية للتوجهات الأمريكية إزاء دول الإقليم، بينما يظل الخلاف بينهما مرتبطًا بأدوات التنفيذ التي تعكس تمايزًا في الوسائل، وهو ما يمكن إبرازه خلال العناصر التالية:

(*) الموقف من الحرب على الإرهاب: تمثل قضية مكافحة الإرهاب، بندًا محوريًا في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تصدر سواء خلال فترة الرئيس الجمهوري أو الديمقراطي، وكان للسياسة الأمريكية دورها في مواجهة التنظيمات الإرهابية واجتثاث رؤوس قادتها، فقد نجحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تصفية أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري زعيميّ تنظيم القاعدة، وأبوبكر البغدادي، وإبراهيم الهاشمي القرشي زعيميّ تنظيم "داعش"، وقاسم الريمي زعيم تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب". 

كما أسهم التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تنظيم داعش ومساعدة القوات العراقية لاجتثاث التنظيم من العراق، الذي أعلن في 2017، خلو أراضيه من مقاتلي التنظيم وإنهاء سيطرتهم على المناطق التي استولوا عليها.

ولاشك أن تلك النجاحات انعكست على الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي، التي صدرت في 12 أكتوبر 2022، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وعمدت إلى تقليل التركيز الأمريكي على منطقة الشرق الأوسط، التي تبررها بخفوت مستوى تهديد الإرهاب.

(*) البرنامج النووي الإيراني: يعكس التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، نوعًا من التمايز في كيفية التعاطي من قبل الجمهوريين أو الديمقراطيين مع ذلك الملف، إلا أن ثمة اتفاق عام على منع إيران من أن تكون دولة نووية. ففي حين يرفض الجمهوريون أي مفاوضات مع الجانب الإيراني ويميلون إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران، يتجه الديمقراطيون إلى المفاوضات مع إيران، وحثها على الالتزام بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الأمر الذي نصت عليه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2022، أن الولايات المتحدة ستعمل مع الحلفاء لردع أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة وستتصدى لها، كما ستقوم باختيار الدبلوماسية كأداة مفضلة لردع إيران عن تطوير الأسلحة النووية.

وفي ظل سيطرة الجمهوريين المحتملة على مقاعد مجلس النواب، فإن ثمة توقعات بعرقلة التوصل لاتفاق بشأن البرنامج النووى الإيراني.

(*) القضية الفلسطينية: يشكل التعاطي مع القضية الفلسطينية من منظور الحفاظ على أمن إسرائيل وحماية تفوقها النوعى على جيرانها، توجهًا ثابتًا لدى الحزب الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، وإذا كانت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي قد أفرزت صعودًا محدودًا للجمهوريين في مجلس النواب، فإنها تزامنت أيضًا مع وصول حكومة يمينية متشددة في إسرائيل ستكون بزعامة بنيامين نتنياهو، الذي فاز ائتلافه بأغلبية مريحة في انتخابات الكنيست، التي أجريت في الأول من نوفمبر 2022، وهو ما سيكون له تداعياته السلبية على القضية الفلسطينية، لا سيما وأن ثمة رفض من كلا الفريقين الجمهوريون والليكوديين لمبدأ حل الدولتين، وفى توجه مغاير لهذا الموقف، تبنت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2022، بشكل صريح مبدأ حل الدولتين، وفقًا لحدود 1967، واعتبرتها بأنها تظل أفضل الطرق لتحقيق قدر متساوٍ من الأمن والازدهار والحرية والديمقراطية للفلسطينيين والإسرائيليين.

انخراط متزايد:

لا شك أن نتائج انتخابات التجديد النصفي تؤكد استمرارية رغبة تيار أمريكي في الحد من الانخراط بمستنقع أزمات الشرق الأوسط، وعلى دول تلك المنطقة أن تتحمل تكلفة تسوية صراعاتها المتفجرة، لذلك جاءت استراتيجية التوجه شرقًا، بهدف محاصرة النفوذ الصيني ومواجهة تمدده وتقليل ارتباطها بالتفاعل مع قضايا وأزمات الشرق الأوسط، غير أن ثمة واقعًا مغايرًا لهذا التوجه يعكسه الانخراط المتزايد في مسار أزمات دول الإقليم وقضاياه من خلال العديد من الشواهد، لعل أهمها:

(&) ملف الطاقة: يشكل ملف الطاقة، أحد ركائز السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة الخليج العربي تحديدًا، لا سيما وأنها تمثل عصب إمدادات الطاقة العالمية، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، أنه من المتوقع أن تعالج المصافي في الخليج 8.8 مليون برميل يوميًا من النفط الخام في عام 2023. 

وحلت المملكة العربية السعودية، كأكبر مصدر للنفط الخام في عام 2020، بحصة سوقية تبلغ 17%، كما أنها كانت صاحبة المركز الثاني من حيث حجم احتياطي النفط العالمي بـ298 مليار برميل.

ومع تأثير الحرب الروسية الأمريكية على ارتفاع أسعار الطاقة، بدأت الولايات المتحدة في الحديث عن ضرورة ضخ دول الخليج لكميات أكبر لتغطية متطلبات السوق العالمية، إلا أن قرار دول أوبك بلس بتخفيض حجم إنتاج النفط بنحو مليوني برميل يوميًا، الذي وصفته تحليلات عديدة بالقرار الشجاع الذي يضمن استقرار أسعار النفط، من خلال الحفاظ على سعر يشجع على استمرار الاستثمار في استخراج النفط، لم يلق قبول الولايات المتحدة الأمريكية ووجهت انتقادات شديدة له، وتركزت الانتقادات على السعودية التي تضطلع بدور قيادي في أوبك بلس، لكن السعودية رفضت تلك الانتقادات، وأكدت أن القرار صدر عن توافق جماعي بين الدول الأعضاء.

(&) الحفاظ على التواجد الأمريكي في المناطق الاستراتيجية بدول الإقليم: لا سيما تلك المناطق التي تتماس مع مناطق نفوذ قوى إقليمية، مثل إيران التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن الدول المارقة، لذلك عندما أعلن محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي الجديد، في أول مؤتمر صحفي لحكومته، مطلع نوفمبر 2022، بعد تشكيل الحكومة، تفويضه من القوى السياسية العراقية لبحث مدى احتياج العراق للوجود الأمريكي، فكان رد آلينا رومانوسكي، السفيرة الأمريكية لدى بغداد، بلهجة حاسمة بأن قوات بلادها لن تغادر العراق.

(&) الانخراط الأمريكي في أزمات دول الصراعات العربية: تنخرط الولايات المتحدة بشكل جلي فى تفاعلات دول الصراعات العربية، وفي مقدمتها سوريا، حيث تدعم قوات الأكراد، وينتشر ما يقرب من 900 جندي أمريكي في شرق سوريا، كما قدرت المساعدات الإنسانية الأمريكية لسوريا بنحو 15.7 مليار دولار منذ اندلاع الانتفاضة السورية.

وفي ليبيا تدعو الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب القوات الأجنبية الروسية والتركية والمرتزقة من ليبيا، وإعطاء فرصة للتسوية السياسية ومخرجات جنيف. 

وفي اليمن تشن الولايات المتحدة الأمريكية هجمات جوية على مواقع التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة. 

وإجمالاً، تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الانخراط إلى أن تظل رقمًا مهمًا في ترتيبات التسويات النهائية لتلك الصراعات، بما يضمن لها الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في تلك الدول.

مجمل القول إن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، سيكون لها تأثيراتها المحدودة على تغيير السياسة الأمريكية، واستمرارية توجهاتها السابقة في التفاعل مع مسار أزمات دول الإقليم، وهو الأمر الذي سيتطلب من دول الإقليم ضرورة تعزيز قدراتها الذاتية لحماية أمنها ومصالحها الحيوية، في ظل أزمة الهيمنة التي تعاني منها الولايات المتحدة وتراجع قدراتها الاقتصادية، وتفجر صراعات الداخل الأمريكي وانقساماته على الهوية، فضلًا عن ضرورة بحث دول الإقليم أيضًا عن شراكات استراتيجية وتنويع تحالفاتها مع القوى الكبرى البازغة في نظام دولي جديد لا زال قيد التشكيل، مع إدراكها بأن منطقة الشرق الأوسط لا تزال لها تأثيراتها على توازن القوى الدولية.