الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

محاصرة شاملة.. كيف تتعامل الحكومات الأوروبية مع خطر "الإخوان" في دولها؟

  • مشاركة :
post-title
الوجود الإخواني في أوروبا

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

تنوعت شبكات تنظيم الإخوان في أوروبا، وتوسعت مع خروج عناصر الفرع المصري للتنظيم؛ بحثًا عن ملاذ آمن لأموال قيادة التنظيم وعناصره، ومع إدراك الدول الأوروبية لخطر التنظيم، بدأت عمليات تقييد أنشطة التنظيم في المساجد والجمعيات والروابط المعنية بشئون الجاليات المسلمة.

تأسيسًا على ما سبق، وفي ظل تصاعد اليمين الأوروبي المتطرف، وقيام الحكومات الأوروبية بإصدار تشريعات وقوانين حاسمة، تجرم من الإرهاب وتمنع تمويل الجماعات التي تموله فكرياً- يبقي السؤال: ما هو مستقبل تنظيم الإخوان في أوروبا؟

موقف الدول الأوروبية من الإخوان:

تبدلت رؤية الدول الأوروبية لتنظيم الإخوان، خلال العقد الأخير مدفوعة بعدة دلائل، هي كالتالي:

(*) البعد الأخلاقي: تسببت ممارسات رموز التنظيم، وغيرهم من حركات الإسلام السياسي في تغير المواقف الأوروبية الرسمية والشعبية، وعلى رأسها إدانة طارق رمضان حفيد المؤسس حسن البنا، باتهامات الاغتصاب والاعتداء الجنسي في سويسرا والنمسا.

(*) البعد القيمي: اصطدمت ممارسات تنظيمات الإسلام السياسي بالقيم والتوجهات الرسمية الأوروبية، واتخذت مسارًا مغايرًا لقضايا ثقافية محورية في قضايا التعليم المنزلي والدورات التعليمية الخاصة، وعلى رأسها فرنسا التي وصفت تلك الممارسات بالانفصالية والانعزالية، التي تعارض قيم الجمهورية الفرنسية.

(*) استخدام العنف: تأثرت صورة التنظيم مع انتشار العمليات الإرهابية، التي طالت مدنيين في فرنسا والدنمارك والنمسا والسويد، التي أظهرت هيمنة التيارات المتطرفة على بعض المساجد في دول القارة، وباتت أقرب للربط بين مختلف التنظيمات وعلى رأسها الإخوان وتنظيمات القاعدة وداعش، خلافًا للمقاربة الأوروبية المعتادة التي تفصل بين الشق السياسي والمسلح.

تمركزات التنظيم والقوانين الطاردة له:

اهتم التنظيم في توسعه على بناء حاضنة قوية تمثل ملاذًا آمنًا لأفراده وأمواله، فكانت بريطانيا معقل التنظيم الدولي، الذي تأسس عام 1982، على يد مرشد الإخوان مصطفى مشهور عقب هروبه من مصر، يليها من حيث الحركة وعدد الجمعيات الإخوانية ألمانيا، وتتمثل أبرز جمعيات التنظيم في أوروبا، حسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، في الرابطة الإسلامية في بريطانيا، والمجلس الإسلامي البريطاني، والمركز الإسلامي في ميونيخ، والمجلس الإسلامي في برلين، ومنظمة المرأة المسلمة في ألمانيا، ومنظمة “رؤيا” الألمانية، والتجمع الإسلامي في ألمانيا، والتجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا، والهيئة الدينية الإسلامية في النمسا، ومنظمة الشباب المسلم في السويد.

أما عن القوانين الأوروبية الطاردة للتنظيم، والتي اتخذتها دول أوروبا، مؤخرًا، والتي صدر أهمها بين عامي 2020، 2021، على النحو التالي:

(*) النمسا تصنف الإخوان تنظيمًا إرهابيًا: النمسا، وهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي يحظى الإسلام فيها بمكانة واعتراف رسمي في الدستور، أعلنت الإخوان تنظيمًا إرهابيًا في إطار تشريع جديد لمكافحة الإرهاب، صدّق عليه البرلمان في يوليو 2021.

(*) قانون مكافحة النزعات الانفصالية: صدّق المجلس الدستوري في فرنسا، على قانون مكافحة النزعات الانفصالية، الذي تبنته الحكومة للدفاع عن مبادئ الجمهورية الفرنسية، وتضمن القانون الموجه ضد التطرف الإسلاموي، ويهدف لتقليص دور التنظيمات على الجالية المسلمة في البلاد، عبر وضع قيود على التعليم في المنزل وفرض موافقة السلطات عليه.

وطبقت الحكومة الفرنسية القانون رغم وصمه بالمثير للجدل، في إطار مكافحة أنشطة تلك التنظيمات وتمويلها وتتبع أنشطة التحريض على القتل وخطاب الكراهية والتي تتصل بتنظيم الإخوان بالتحديد في قضية قطع رأس مدرس تاريخ فرنسي، يدعى صامويل باتي، والتي أظهرت سيطرة التنظيم على مجموعة كبيرة من المساجد في فرنسا، ومنها مسجد بانتان الذي أغلقته السلطات الفرنسية لمدة 6 أشهر، بعدما نشرت صفحته على فيسبوك ما اعتبرته السلطات تحريضًا على قتل باتي، خاصة "التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا"، الذي حلته باريس في ديسمبر 2020.

(*) حظر استخدام الشعارات: اتساقًا مع تلك التحركات المناهضة لتنظيمات الإسلام السياسي، عدلت ألمانيا قانون مكافحة التطرف والكراهية، بالفضاء الإلكتروني في 7 مايو 2021، يتضمن توسيع الصلاحيات القضائية والتنفيذية؛ لمواجهة أي شكل من أشكال التحريض على العنف والقتل، عبر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية.

كما أصدرت قانونًا اتحاديًا في يوليو 2021، يقضي بحظر استخدام شعارات وأعلام ورموز مجموعة من التنظيمات الإرهابية تشمل تنظيم الإخوان والقاعدة وداعش.

(*) قانون مكافحة الإرهاب والتطرف في سويسرا: أقرت الحكومة السويسرية في 13 يونيو 2020 قانونًا لمواجهة الإرهاب والتطرف، يتضمن توسيع دائرة الاشتباه ومراقبة مصادر تمويل التنظيمات، كما أنشأ البرلمان قاعدة قانونية تسمح بالتحرك الاستباقي لمواجهة "إرهابي محتمل"، حسب مركز أبحاث ودراسات "مينا".

تهديد اليمين المتطرف:

بجانب التحديات التي يواجهها التنظيم، يمثل صعود تيارات اليمين المتطرف في أوروبا التهديد الأبرز لحواضن التنظيم في أروقة الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الانتقادات الواضحة من قبل البرلمان الأوروبي، للدعم المقدم من المفوضية إلى جمعيات التنظيم كحال باقي منظمات المجتمع المدني، خاصة العاملة في المجال الإغاثي أو التي ترفع لافتات محاربة الإسلاموفوبيا.

واستكمالًا لما سبق تتعدد أنماط التهديد اليميني لجماعة الإخوان في أوروبا، الذي لجأ إلى استخدم بعض منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة من التهديدات، انطلاقًا من إدراكه للمخاطر التي يشكلها تنظيم الإخوان على الهوية الأوروبية والأمن الأوروبي، وذلك على النحو التالي:

(*) تكتل الأحزاب اليمينية لمحاصرة التنظيم: بدأ ذلك التوجه في مارس 2017، حينما عقد قادة اليمين الأوروبي مؤتمرًا في ألمانيا؛ لتشكيل جبهة موحدة، تناهض مواقف الحكومات الأوروبية ومفوضية الاتحاد من تيار الإسلام السياسي، داعين لاستعادة نظام الدولة القومية وتشديد المواقف إزاء أمن الحدود البرية والبحرية، وتقنين سياسة اللجوء، ومحاصرة تمويل المؤسسات والجمعيات الإسلامية.

وبفضل شبكة الإنترنت، استطاع اليمين التخلص من العوائق اللوجستية والمالية، والإفلات من الحصار الإعلامي المفروض في عدد من الدول الأوروبية، ومن ثم الوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين الأوروبيين، لمحاصرة تيار الإسلام السياسي بوجه عام، وتقييد مسارات الدعم المالي لمؤسسات وجمعيات مملوكة أو تابعة لتنظيم الإخوان في فرنسا وعموم أوروبا، كما لم يقتصر ذلك النشاط على المستوى الوطني، بل امتد إلى التنسيق والتواصل مع الأحزاب الشعبوية الأخرى بالقارة العجوز. ويقوم ذلك التوجه لجماعات وأحزاب اليمين إلى تصور ثقافة غربية جامعة، أعمدتها الرئيسية هي القيم المسيحية التي باتت مُهددة أكثر من أي وقت مضى.

(*) تجفيف آليات وقنوات التمويل: دفعت تلك الأحزاب بعض الحكومات الأوروبية لمحاصرة التنظيم ماليًا، وتعقب قنوات تمويلها قانونيًا، وإدارة تلك التدفقات وأوجه إنفاقها. ومن ثم يعد تصاعد دور اليمين في حكومات الدول، وكذلك البرلمان الأوروبي يعظم تأثيره على تلك الحاضنة وذلك الملاذ الآمن لتنظيم الإخوان، فقد دفع حضور اليمين بفرنسا، ولو بطريق غير مباشر، في اتخاذ الرئيس الفرنسي "ماكرون" سياسات مناهضة.

وتقوم رؤية اليمين الصاعد في أوروبا، على أن تنظيم الإخوان ليس جماعة دعوية مجردة، بل مجموعة معقدة من المصالح والجماعات المتطرفة، واستندت في ذلك على خطابات الرموز المحسوبين على التنظيم، وعلى رأسهم يوسف القرضاوي، وتنطوي على تعزيز الاغتراب والانفصال الثقافي، وتدشين شبكات لنقل وتهريب الأموال إلى بعض التنظيمات الإرهابية، لتفكيك الدول الوطنية الأوروبية. ودفع ذلك الوضع بعض الدول الأوروبية، لإصدار قانون لحظر الإسلام السياسي، على غرار موقف النمسا التي اعتبرت الإخوان تنظيمًا إرهابيًا منتصف العام الماضي.

(*) دعم الإعلام المناهض لنفوذ التنظيم: يقوم اليمين الأوروبي باستغلال بعض وسائل الإعلام المقروءة والمرئية المناهضة للتنظيم، والدعوة إلى مراقبة وتتبع أنشطة فروعها، وسلوكيات أعضائها، خاصة في ظل وجودها بمناطق وأحياء رئيسية في فرنسا. وكان لافتًا استغلال بعض المواقع الفرنسية لدعوة التنظيم للناخبين الفرنسيين والمسلمين على رأسهم، لانتخاب مرشح آخر في مواجهة مرشحة اليمين المتطرف "لوبان"، في الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، وطالبت تلك المواقع المحسوبة على اليمين، في المقابل بحظر الإخوان في فرنسا، لتحالفها مع أحزاب أخرى تناهض الدولة الفرنسية، كما كشفت وسائل الإعلام علاقة اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وتنظيم الإخوان الإرهابي.

وختامًا؛ يمكن القول إن نشاط تنظيم الإخوان بات يشكل تحديًا اجتماعيًا في أوروبا، عبر تعزيز الانقسامات الاجتماعية وتكريس المساجد لخدمة خطابها المتطرف، وهو ما ينعكس بالسلب على مصالح الجاليات المسلمة في أوروبا، عبر تقويض اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة وتعميق مشاعر الإسلاموفوبيا في القارة العجوز.