الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

راسكفيت.. عين بوتين في الفضاء وذراعه الضاربة في عمق أوكرانيا

  • مشاركة :
post-title
المشروع الروسي راسكفيت

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

في خطوة قد تمنح قواتها العسكرية قدرات أكبر على التحكم في الطائرات المسيّرة عن بُعد، وتوسيع نطاق الهجمات داخل الأراضي الأوكرانية، تسابق روسيا الزمن لتطوير شبكة اتصالات فضائية خاصة بها، تحاكي نظام "ستارلينك" التابع للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، بما يفتح مرحلة جديدة من توظيف التكنولوجيا الفضائية في الصراعات العسكرية.

ويأتي المشروع الروسي، الذي يحمل اسم "راسكفيت"، ضمن أبرز المشروعات الفضائية لموسكو، ويعتمد على شبكة من الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض، إلى جانب محطات أرضية وأجهزة اتصال، لتوفير خدمات إنترنت واتصالات آمنة وسريعة، مع توقعات بإمكانية بدء تشغيله خلال العام المقبل، رغم العقبات التقنية والتأخيرات التي تواجه عملية إطلاقه، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية.

ولا يقتصر الهدف من المشروع على توفير بديل روسي لخدمات "ستارلينك"، بل يمتد إلى تطوير قدرات عسكرية تعتمد على نقل البيانات والتحكم في الطائرات المسيّرة بصورة لحظية وعلى مسافات بعيدة، فضلًا عن دعم أنظمة الاستهداف الصاروخي، وفقًا لتقديرات محللين وبيانات استخباراتية عسكرية أوكرانية.

ويحذر خبراء تحدثوا لصحيفة "فاينانشيال تايمز" من أن دخول الشبكة الخدمة بكامل طاقتها قد يغير طبيعة العمليات العسكرية في أوكرانيا، خصوصًا مع التوسع الروسي في إنتاج الطائرات المسيّرة، إذ يمكن أن يتيح ربطها بشبكة اتصالات فضائية أكثر استقرارًا، بما يعزز قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والتعامل مع الأهداف المتحركة.

وقال أولكسندر دانيليوك، المستشار الأوكراني السابق لشؤون الدفاع والاستخبارات، والذي يرأس حاليًا مركز إصلاحات الدفاع، إن الخطورة الأكبر للمشروع لا تكمن فقط في توفير بديل لـ"ستارلينك"، وإنما في تحويل الطائرات المسيّرة الهجومية منخفضة التكلفة إلى أسلحة قادرة على تحديد الأهداف المتحركة وتتبعها واستهدافها في عمق الأراضي الأوكرانية.

وأضاف أن الجمع بين الشبكة الفضائية والتوسع السريع في إنتاج المسيّرات الروسية قد يزيد فاعلية الهجمات، ويضعف قدرة أوكرانيا على حماية منشآتها العسكرية والمدنية الحيوية.

سلاح فضائي جديد

ويمثل مشروع "راسكفيت"، الذي يعني اسمه باللغة الروسية "الفجر"، تحولًا في استراتيجية موسكو العسكرية والفضائية، بعدما أدركت القيادة الروسية أهمية امتلاك شبكة اتصالات مستقلة قادرة على دعم العمليات العسكرية، خاصة بعد التعثر الذي واجهته القوات الروسية في الأسابيع الأولى من الحرب على أوكرانيا.

وبدأت فكرة المشروع عام 2020 باعتباره مبادرة مدنية تستهدف توفير الإنترنت للمناطق النائية داخل روسيا، لكن حسابات الكرملين تغيرت بعد اندلاع الحرب، وأصبح امتلاك نظام مماثل لـ"ستارلينك" ضرورة عسكرية متزايدة، وفقًا لما أوردته الصحيفة البريطانية.

وتعززت هذه الحاجة في مطلع عام 2026، بعدما عطّلت شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك أجهزة استقبال غير مسجلة لخدمة "ستارلينك"، كانت القوات الروسية تستخدمها بصورة غير قانونية، وهو ما دفع موسكو إلى تسريع جهودها لتطوير شبكة اتصالات فضائية مستقلة.

وتولت شركة "مكتب 1440" الخاصة مسؤولية تنفيذ المشروع، فيما قررت الحكومة الروسية عام 2025 تمويل نحو 40% من تكلفته المقدرة بـ514.7 مليار روبل، بما يعادل نحو 6.2 مليار دولار، مع دمجه سريعًا في البنية التحتية لوكالة الفضاء الروسية "روسكوسموس".

مخاوف عسكرية وأمنية

لا تقتصر المخاوف المرتبطة بالشبكة الروسية على ساحة المعركة الأوكرانية، إذ يحذر خبراء من إمكانية استخدامها في تشغيل الطائرات المسيّرة عبر مناطق واسعة تقع ضمن نطاق تغطيتها، وهو ما قد يفتح الباب أمام تهديدات أمنية تتجاوز حدود الصراع الحالي.

وقال روب لي، الخبير العسكري لدى معهد أبحاث السياسة الخارجية والمقيم في كييف، إن هناك استخدامات محتملة للشبكة في أعمال التخريب والإرهاب، بالنظر إلى قدرتها على توفير الاتصالات اللازمة لتشغيل أنظمة غير مأهولة عن بُعد.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل الدور الذي لعبته شبكة "ستارلينك" ونسختها العسكرية "ستارشيلد" في دعم العمليات الأوكرانية، إذ ساعدت القوات الأوكرانية على تشغيل طائرات مسيّرة يدويًا لتنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، مع تجاوز بعض وسائل التشويش التقليدية.

ويرى خبراء أن امتلاك روسيا شبكة مماثلة قد يمنحها إمكانات مشابهة، خاصة فيما يتعلق بنقل الصور والبيانات بسرعة، ودعم عمليات الاستطلاع والهجوم.

وقال نيك كوفالسكي، مؤسس شركة "إيست فرونت سوليوشنز" للاستشارات الدفاعية، إن الأولوية الروسية تتمثل في توفير بث فيديو مباشر بزمن تأخير منخفض للطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم والاستطلاع فوق الأراضي الأوكرانية.

تعطيل "ستارلينك الروسي"

تثير الشبكة الروسية تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على الحد من استخدامها عسكريًا، خاصة أن الأقمار الصناعية ستعمل في مدارات فضائية تجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من وسائل الاتصال الأرضية التقليدية.

ويرى محللون أن واشنطن لا تستطيع ببساطة منع الشبكة من إرسال إشاراتها فوق الأراضي الأوكرانية، فيما تظل وسائل التشويش محدودة النطاق ومكلفة، ولا تضمن تعطيل النظام بصورة شاملة.

وحذّر خبراء من أن استهداف الأقمار الصناعية الروسية وتدميرها قد يؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من الحطام الفضائي، بما يهدد الأقمار الأخرى ويخلق مخاطر واسعة على الأنشطة الفضائية الدولية.

وقال فيتالي إيجوروف، الخبير الروسي في شؤون الفضاء، إن تدمير الأقمار الصناعية سيكون بمثابة خطوة انتحارية للجميع، بسبب التداعيات التي قد تنتج عن انتشار الحطام في المدار.

وفي الوقت الذي أشاد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتقدم المحرز في المشروع، مؤكدًا أن بلاده بدأت خطواتها الأولى لبناء منظومتها الفضائية بصورة مستقلة، لا تزال التساؤلات قائمة بشأن قدرة موسكو على تجاوز العقبات التقنية واللوجستية وتحويل "راسكفيت" من مشروع طموح إلى شبكة عسكرية عاملة بكامل طاقتها.