يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرحلة سياسية جديدة، مع دخول حزبه الجمهوري مرحلة ما بعد خسارة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ بانتخابات التجديد النصفي، وتزايُد الضغوط التي تفرضها المحاكم الفيدرالية على أجندته التنفيذية، في وقت يستعد فيه الديمقراطيون لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونجرس، واستخدام صلاحيات التحقيق والاستدعاء لمساءلة إدارته بشأن عدد من الملفات المثيرة للجدل.
وتأتي هذه التطورات في وقت يقترب فيه ترامب من العامين الأخيرين في ولايته الرئاسية، وسط تحديات لا تقتصر على خصومه الديمقراطيين، بل تمتد إلى داخل الحزب الجمهوري، حيث يسعى جيل جديد من قياداته إلى تعزيز نفوذه ومنافسة الرئيس على زعامة الحزب، وفقًا لمجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
ستشهد السنوات المتبقية من ولاية ترامب (حتى مطلع 2029) صراعًا مع الكونجرس (ذو الأغلبية الديمقراطية) والذي سيحاول تقييد التمويل والتعيينات وفتح التحقيقات، بينما سيرد ترامب بالقرارات التنفيذية وسلاح الفيتو، ليبقى القضاء الأمريكي هو الساحة النهائية للفصل في شرعية هذه القرارات وتحديد المدى الدستوري لصلاحيات الرئيس.
الكونجرس والقضاء
يواجه ترامب في مستهل فترته الأخيرة ضغوطًا سياسية وقانونية مزدوجة، إذ يُشكّل الكونجرس والقضاء خصمين بارزين لخططه المستقبلية.
فبعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في انتخابات التجديد النصفي واستعادتهم السيطرة على المقاعد التشريعية، يستعد الكونجرس لعرقلة حزم الميزانية المقترحة من الإدارة وتفعيل آليات الرقابة والتحقيقات النيابية الموسعة.
وبالتوازي مع هذا الحصار التشريعي، تبرز المنظومة القضائية كخط دفاع ثانٍ، إذ تتهيأ الولايات الديمقراطية والمنظمات الحقوقية لرفع طعون قضائية مكثفة أمام المحاكم الفيدرالية لتعطيل الأوامر التنفيذية والقرارات المثيرة للجدل التي يعتزم ترامب تمريرها.
هذا التشابك بين سلطتي التشريع والقضاء يقلص هوامش المناورة المتاحة للبيت الأبيض، ويفرض واقعًا معقدًا يقيد قدرة الرئيس على تنفيذ أجندته الاقتصادية وتعييناته السياسية، خلال العامين المقبلين.
ضغوط غير مسبوقة
يمثل المشهد الجديد وضعًا غير مألوف لترامب، الذي أمضى نحو عقد في ترسيخ صورة سياسية تقوم على القوة وعدم القابلية للهزيمة، كما استند خلال العامين الأولين من ولايته الثانية إلى سيطرة الجمهوريين على الكونجرس، بما أتاح له توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية دون مواجهة برلمانية كبيرة.
ومع تزايُد خسائر الجمهوريين في الانتخابات، حاول ترامب التقليل من تداعياتها، قائلًا في منشور عبر منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، مساء الثلاثاء: "لم أكُن على ورقة الاقتراع، ولو كنت عليها لفزنا بفارق ساحق".
لكن هذه التصريحات لم تبدد حالة الارتباك داخل الحزب، الذي يستعد لمواجهة مرحلة جديدة من التوازنات السياسية، في ظل انتقال مجلس النواب إلى السيطرة الديمقراطية.
تحقيقات تستهدف الإدارة
وفي المقابل، يواجه الديمقراطيون اختبارًا يتعلق بمدى استعدادهم لتوظيف صلاحيات التحقيق والرقابة البرلمانية لمحاسبة ترامب وإدارته، خصوصًا أن الرئيس الأمريكي ظل خلال السنوات الماضية خصمًا سياسيًا جامعًا لصفوف الحزب.
وبرزت ملامح المواجهة سريعًا، بعدما نشر النائب الديمقراطي روبرت جارسيا، المتوقع أن يتولى رئاسة لجنة الرقابة بمجلس النواب، رسالة مقتضبة عبر منصة "إكس"، بالتزامن مع إعلان وسائل الإعلام فوز الديمقراطيين بالأغلبية، قال فيها: "استعن بمحامٍ".
ويعتزم جارسيا وحلفاؤه الدفع بأجندة رقابية واسعة تشمل التحقيق في اتهامات بالفساد وتحقيق مكاسب مالية شخصية، وإساءة استخدام الصلاحيات التنفيذية، والعفو عن شخصيات تربطها علاقات سياسية أو مالية بالإدارة، فضلًا عن استخدام إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لقيادة حملة واسعة للترحيل الجماعي للمهاجرين.
عزل ثالث؟
ورغم أن بعض النواب الديمقراطيين الجدد ألمحوا إلى إمكانية السعي لعزل ترامب للمرة الثالثة، فإن قيادات الحزب لم تتخذ موقفًا نهائيًا بشأن هذه الخطوة، في ظل تساؤلات حول جدوى استنزاف الرصيد السياسي والبرلماني للحزب في مواجهة رئيس تراجعت فرصه السياسية مع اقتراب نهاية ولايته.
وسبق أن واجه ترامب أضعف مراحله السياسية عام 2021، عقب اقتحام أنصاره مبنى الكونجرس، عندما بدا أن قيادات جمهورية تستعد للتخلي عنه، قبل أن تعود إلى دعمه مع احتفاظه بقدرته على المنافسة السياسية، ما ساعده لاحقًا على العودة إلى البيت الأبيض ومواجهة محاولات عزله والاتهامات الجنائية الموجهة إليه.
نبرة تصالحية
واستيقظ ترامب صباح الأربعاء ليجد نفسه محاصرًا من كل جانب؛ فبينما يواجه بالفعل قيودًا تفرضها المحاكم الفيدرالية -التي أعاقت تنفيذ أجندته- يجد أمامه الآن أغلبية ديمقراطية قوية بشكل غير مسبوق في الكونجرس، تتوق لاستخدام سلطاتها التشريعية وصلاحياتها في إصدار أوامر الاستدعاء ضد خصمها اللدود الذي طالما ناصبها العداء.
وفي مؤشر على إدراكه لطبيعة المرحلة المقبلة، أبدى ترامب استعدادًا نادرًا للتعاون مع الديمقراطيين، قائلًا في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو"، الثلاثاء: "سنعمل مع الديمقراطيين لضمان سير الأمور على نحو جيد لبلادنا، لا أريد أن أمضي عامين هنا وأنا أستخدم حق النقض ضد كل شيء".
وتعكس هذه التصريحات، بحسب "بوليتيكو"، محاولة لتجنب مواجهة سياسية مفتوحة مع الكونجرس، في وقت يدخل فيه ترامب الفصل الأخير من مسيرته في المنصب، وسط ضغوط قضائية ورقابة برلمانية متصاعدة وتنافس داخلي على قيادة الحزب الجمهوري.