يدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري مرحلة سياسية حساسة تمتد حتى 3 يناير 2027، في إطار ما يُعرَف بـ"فترة البطة العرجاء" Lame-duck session)، وهي الفترة الأخيرة التي تسبق تسلم الكونجرس الجديد مهامه رسميًا، وتمثل الفرصة المتبقية للجمهوريين لاستغلال أغلبيتهم الحالية قبل انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين.
وتأتي هذه المرحلة في أعقاب انتكاسة انتخابية للجمهوريين وخسارتهم السيطرة على مجلسي الكونجرس، في نتيجة تضع أجندة ترامب السياسية أمام تحديات متزايدة، وتفتح الباب أمام الديمقراطيين لممارسة ضغوط تشريعية ورقابية على الإدارة خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى تحركات البيت الأبيض خلال الشهرين المقبلين، وسط مساعٍ لتثبيت السياسات القائمة، وتحصين الإدارة وحلفائها من التداعيات السياسية والقانونية المتوقعة.
تسوية الميزانية
يأتي تمرير مشروع جديد لتسوية الميزانية (Reconciliation Bill) ضمن أبرز التحركات المطروحة أمام الجمهوريين، إذ تتيح هذه الآلية تمرير بعض التشريعات المتعلقة بالإنفاق والضرائب بأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ، دون الحاجة إلى 60 صوتًا، وفقًا لمجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
ويستهدف هذا المسار تثبيت حزم الإعفاءات الضريبية التي أقرها ترامب، وتأمين التمويل لبعض مشروعاته، قبل فقدان الجمهوريين الأغلبية البرلمانية، بما يقلص قدرة الديمقراطيين على إدخال تغييرات سريعة على هذه السياسات.
الميزانية والإغلاق الحكومي
ويمثل ملف تمويل الحكومة الفيدرالية اختبارًا آخر أمام الإدارة، إذ ينتهي التمويل الحالي في 11 ديسمبر 2026.
ويسعى الجمهوريون إلى تمرير ميزانية تتوافق مع أولوياتهم، وسط احتمالات بتحول المفاوضات إلى مواجهة مع الديمقراطيين بشأن الإنفاق الحكومي وشروط التمويل. وفي حال تعثر التوصل إلى اتفاق، يظل الإغلاق الحكومي أحد السيناريوهات المطروحة، بما قد يضيف أزمة جديدة إلى المشهد السياسي الأمريكي.
تجاوز العقبات التشريعية
وعلى المسار التنفيذي، تشير المعطيات إلى استعداد فريق ترامب القانوني والمستشارين المقربين منه، ومن بينهم ستيفن ميلر وويل شارف، لتوسيع استخدام الأوامر والمذكرات الرئاسية من أجل مواصلة تنفيذ أجندة الإدارة.
وتشمل الملفات المطروحة الهجرة والرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تغيير قواعد المنح الفيدرالية، بما يمنح المعينين السياسيين دورًا أكبر في توجيه الإنفاق الحكومي. وتستهدف هذه التحركات تقليل الاعتماد على الكونجرس في تنفيذ عدد من السياسات، وإن ظلت خاضعة للقيود القانونية والدستورية.
التعيينات القضائية
ويُشكِّل تسريع تثبيت القضاة المحافظين في المحاكم الفيدرالية ومحاكم الاستئناف أولوية أخرى للجمهوريين، مستفيدين من استمرار سيطرتهم على مجلس الشيوخ حتى مطلع يناير، لترسيخ توجهاتهم القضائية قبل انتقال الأغلبية.
وفي المقابل، يواجه ترامب احتمالات تصاعد التحقيقات البرلمانية التي يعتزم الديمقراطيون فتحها بشأن أداء الإدارة ومسؤولين فيها. ويطرح النص احتمال لجوء الرئيس إلى إصدار قرارات عفو استباقية لحماية بعض حلفائه والمقربين منه من الملاحقات المحتملة، في ظل التهديد بفتح ملفات تحقيق واستدعاء مسؤولين، من بينهم وزير الحرب.
اتفاقية تجارية مع كندا
لقد أولى الكنديون اهتمامًا أكبر بكثير من المعتاد لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى التأثير المحتمل على كيفية تعامل ترامب مع الدولة التي يهدد باستمرار بجعلها الولاية الحادية والخمسين.
وكان المسؤولون الحكوميون الفيدراليون والإقليميون يأملون سرًا في أن تؤدي هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي إلى منح كندا مزيدًا من النفوذ في المحادثات التجارية مع إدارة ترامب، وفقًا لهيئة الإذاعة الكندية "سي بي سي".
الانتخابات الرئاسية 2028
من الناحية السياسية، يمثل هذا التصويت النصفي بداية نهاية حقبة دونالد ترامب في السياسة الأمريكية، والتي نعيشها منذ عام 2015. وقد بدأ بالفعل التنافس على المنصب لخلافته.
بالنسبة للجمهوريين، حتى مع هذه الهزيمة الساحقة في انتخابات التجديد النصفي، لا يزال من الصعب تخيل أن أي مرشح سيتمكن من الفوز بترشيح عام 2028 دون دعم من جناح "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" التابع لترامب في الحزب.
يُعتبر نائب الرئيس جيه دي فانس الوريث المحتمل، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان يمتلك سر ترامب الذي أبقى قاعدة مؤيدي ترامب موالين بشدة.
الملف الإيراني
ويمتد الترقب إلى السياسة الخارجية، خصوصًا الملف الإيراني، إذ يطرح النص احتمال تكثيف العمليات العسكرية ضد أهداف إيرانية قبل تسلم الديمقراطيين قيادة الكونجرس؛ تفاديًا لضغوط مستقبلية تستهدف إنهاء العمليات أو تقليص تمويلها، إلا أن هذا السيناريو يظل احتمالًا مطروحًا، وليس قرارًا عسكريًا معلنًا.
معركة النفوذ
تعكس هذه الملفات حجم التحديات التي تواجه ترامب خلال المرحلة الانتقالية، إذ يسعى الجمهوريون إلى استغلال ما تبقى من أغلبيتهم، بينما يستعد الديمقراطيون لاستخدام نفوذهم الجديد في مراقبة أداء الإدارة ومراجعة سياساتها.
وتشير قراءة المشهد إلى أن الشهرين المقبلين لن يكونا مجرد فترة انتقالية بين كونجرسين، بل ساحة لمواجهة سياسية مبكرة حول مستقبل أجندة ترامب، وحدود سلطاته، وقدرة الديمقراطيين على ممارسة الرقابة والتأثير في قرارات البيت الأبيض.