استغلت إيران الخسائر الواسعة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ووصفت فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، بأنه رفض شعبي للحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتعاون مع إسرائيل ضد طهران، في وقت أقرَّ فيه ترامب بأن الحرب وارتفاع أسعار الوقود ربما أسهما في هزيمة حزبه، رغم تمسكه بقرار المواجهة العسكرية واعتباره خطوة صحيحة، بينما أثارت النتائج ردود فعل دولية متباينة بشأن مستقبل السياسة الأمريكية والصراع في الشرق الأوسط، بحسب تقارير "بوليتيكو" و"رويترز" و"ذا إندبندنت".
وأعادت النتائج رسم موازين القوى داخل واشنطن، بعدما اتجه الديمقراطيون إلى انتزاع السيطرة على مجلسي الكونجرس، في تحول وصفته وسائل إعلام دولية بأنه ضربة كبيرة لترامب والجمهوريين، وفتحت هذه النتيجة الباب أمام مرحلة أكثر صعوبة للإدارة الأمريكية، مع امتلاك المعارضة صلاحيات أوسع للتحقيق في سياسات البيت الأبيض ومراجعة الإنفاق العسكري والتأثير في التشريعات، بحسب "واشنطن تايمز".
شماتة إيرانية
وسارع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يؤدي دورًا بارزًا في المفاوضات الرامية لإنهاء الحرب، إلى التعليق على النتائج، معتبرًا أن الناخبين الأمريكيين رفضوا استمرار العمليات العسكرية، وكتب عبر منصة "إكس": "سواء بدافع الضمير أو بسبب تكاليف المعيشة، قال الأمريكيون لا للحرب، ونحن نؤيد هذه الرسالة"، في إشارة إلى أن الأعباء الاقتصادية، خصوصًا ارتفاع أسعار الوقود، تحولت إلى عامل مؤثر في خيارات الناخبين، وفق ما نقلته "بوليتيكو" ووكالة "رويترز".
ووجه قاليباف تحذيرًا إلى واشنطن من تجاهل إرادة الناخبين، قائلًا إن الحكومة الأمريكية إذا خانت إرادة شعبها لخدمة أطراف دولية، فإنها ستواجه ردًا إيرانيًا وصفه بأنه "كابوس"، في موقف عكس تمسك طهران بأوراقها التفاوضية والعسكرية، وعدم اعتبار الهزيمة الانتخابية للجمهوريين نهاية للمواجهة، بحسب تصريحات رئيس البرلمان الإيراني التي نقلتها "بوليتيكو" و"رويترز".
واحتفت وسائل الإعلام الإيرانية بالنتائج، المرتبطة بالحرس الثوري، إشارات إلى دور الحرب مع إيران في هزيمة الجمهوريين، بينما أعلنت وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" عن "هزيمة كبيرة لترامب وأنصاره"، وربطت النتيجة بتراجع شعبية الرئيس وارتفاع الاستياء من إدارته، وفق ما أوردته "بوليتيكو".
وامتدت ردود الفعل إلى شخصيات أمريكية مناهضة للتدخلات العسكرية، إذ اعتبر تريتا بارسي، الشريك المؤسس لمعهد كوينسي، أن إيران هي المستفيد من نتائج الانتخابات، بينما نشرت البعثة الإيرانية في الهند مقطعًا مصورًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي يسخر من ترامب، ويظهر فيه رجال يحملونه خارج البيت الأبيض ويلقونه في حاوية تحمل عبارة "نفايات خطرة".
اعتراف ترامب
وأقر ترامب بأن الحرب مع إيران ربما أسهمت في تراجع أداء الجمهوريين، وقال في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" إن جزءًا من الخسائر يعود إلى الصراع، موضحًا أن الناخبين ربما كانوا يؤيدون سياسته تجاه طهران، لكنهم لم يكونوا مستعدين لتحمل النتائج الاقتصادية قصيرة الأجل، خصوصًا دفع أسعار أعلى مقابل الوقود، وأضاف أنه يتفهم هذا الاستياء، لكنه لا يوافق على معاقبة حزبه بسببه، بحسب ما نقلته "إن بي سي نيوز".
ورفض الرئيس الأمريكي تحمل المسؤولية الكاملة عن الهزيمة، معتبرًا أن الحرب كانت قرارًا صحيحًا وأنها تحقق مكاسب طويلة الأجل رغم تكلفتها الاقتصادية، كما ادعى أنه لو كان اسمه مدرجًا على بطاقات الاقتراع لحقق الجمهوريون فوزًا كبيرًا، في محاولة للفصل بين شعبيته الشخصية وأداء مرشحي حزبه، وفق مقابلته مع "فوكس نيوز" وتصريحاته التي نقلتها "ذا إندبندنت".
وأكد ترامب في تصريحات لشبكة "سي بي إس" أن الحرب ستنتهي عندما يقرر هو ذلك، فيما لم يستبعد العودة إلى عمليات عسكرية واسعة إذا فشلت المفاوضات، وكان قد حذر خلال الأسابيع السابقة من احتمال استئناف المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، بحسب شبكة "بي بي سي".
ورأى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن الانتخابات قلصت النفوذ السياسي لترامب، لكنها لم تقوض قدراته العسكرية، معتبرًا أن الرئيس أصبح أمام خيارين، إما البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه، وإما التصعيد مجددًا لاستعادة زمام المبادرة، في ظل تحول الحرب إلى عبء سياسي واقتصادي على البيت الأبيض، وفق تصريحاته لشبكة "إن بي سي نيوز".
حسابات الحرب
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مقربين من ترامب ومسؤولين في إدارته وحلفاء جمهوريين اعترافهم بأن الحرب التي دخلت شهرها الثامن دون مؤشرات واضحة على نهايتها كانت سببًا رئيسيًا في الخسائر الانتخابية، معتبرين أنها كانت خطوة غير موفقة بسبب تأثيرها في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الوقود، وأن نتائج الانتخابات ربما كانت ستختلف لو انتهى الصراع قبل أشهر.
وكشفت الصحيفة عن مخاوف داخل الإدارة من ارتباط الإرث السياسي لترامب بالحرب، وسط تبادل للاتهامات بشأن مسؤولية التعامل مع تداعياتها، واحتمالات إجراء تغييرات في فريق الرئيس ضمن مراجعة أوسع للقرارات التي سبقت الهزيمة الانتخابية، كما حذر مستشارون من أن استمرار الحرب قد يظل العبء الأبرز على سجله السياسي، بحسب "وول ستريت جورنال".
وفي المقابل، لم تعنِ الخسارة الانتخابية بالضرورة انتهاء الخيارات العسكرية الأمريكية، إذ لا يزال ترامب يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، بينما تمنح سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس الحزب قدرة أكبر على فتح التحقيقات، وتأخير التعيينات، وممارسة ضغوط بشأن الميزانيات الدفاعية والإنفاق على العمليات العسكرية، وفق تحليل نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية.
واعتبر تحليل "جيروزاليم بوست" أن طهران قد تراهن على إطالة أمد المواجهة التفاوضية حتى انتهاء ولاية ترامب، بدلًا من تقديم تنازلات طويلة الأجل بشأن برنامجها النووي، مشيرًا إلى أن الحكومة الإيرانية قد ترى في انقسام واشنطن السياسي فرصة لتقليص قدرة الرئيس على فرض شروطه، مع تأكيد التحليل أن هذا التقدير لا يعني بالضرورة أن إيران حققت انتصارًا استراتيجيًا أو أن مخاطر المواجهة قد انتهت.
تصعيد مستمر
وجاءت المواقف الإيرانية المتفائلة بالنتائج الانتخابية بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري في المنطقة، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني، الأربعاء، أن أربع ناقلات نفط اشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بألغام بحرية في مضيق هرمز، مشيرًا إلى استمرار اشتعال ناقلتين واعتراض سفينتين أخريين حاولتا استخدام مسار جنوبي قال إنه محظور، فيما لم تتمكن هيئة الإذاعة البريطانية من التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات، بحسب "بي بي سي".
وأفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بتعرض ناقلة نفط لضربة من مقذوفين مجهولين شمال شرقي منطقة ليما في شبه جزيرة مسندم العمانية، دون تسجيل إصابات، كما أعلن عن مقتل أحد أفراد طاقم قارب خشبي في هجوم منفصل وإنقاذ 13 آخرين بواسطة السلطات العمانية، في تطورات عكست استمرار المخاطر التي تواجه الملاحة التجارية في المضيق، وفق بيانات المركز التي نقلتها "بي بي سي".
وفي الوقت نفسه، أعلن الحرس الثوري إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "MQ-9" فوق المضيق، بعد ادعاء مماثل صدر الاثنين، بينما تحدث مسؤولون أمريكيون عن تنفيذ ضربات محدودة على جزيرة قشم الإيرانية ردًا على استهداف طائرة أمريكية، في مؤشر على استمرار المواجهة العسكرية رغم الاتصالات الدبلوماسية، بحسب "بي بي سي".
مسار التفاوض
وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن حكومته لا تزال تسعى إلى تسوية الأزمة بالحوار، مشيرًا إلى أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي منح الحكومة صلاحيات للتفاوض بشأن ملفات كانت تعتبر سابقًا خارج نطاق النقاش، فيما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن أساس المحادثات غير المباشرة، التي تتوسط فيها قطر، يستند إلى مقترح إيراني من سبع مراحل قدم في سبتمبر، ثم جرى اختصاره ليصبح قابلًا للتنفيذ خلال يومين، بحسب "بي بي سي".
وظل مضيق هرمز في قلب الخلافات بين الطرفين، بعدما تعطلت حركة الملاحة فيه بصورة شبه كاملة عقب بدء الحرب، نتيجة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على السفن التجارية والحصار البحري الأمريكي، فيما انهار اتفاق مبدئي للتوصل إلى وقف للحرب وإعادة فتح المضيق في يونيو بعد استئناف الهجمات على السفن وتجديد واشنطن حصارها، بحسب تقرير "بي بي سي".
مواقف دولية
وتباينت ردود الفعل الدولية على الهزيمة الجمهورية، إذ أبدت أوكرانيا تفاؤلًا حذرًا إزاء النتائج، في ظل توقعات بأن تسهم الأغلبية الديمقراطية في زيادة التدقيق في السياسة الخارجية الأمريكية، بينما أكدت بريطانيا أن تغير موازين القوى داخل واشنطن لن يؤثر جوهريًا في علاقتها مع إدارة ترامب، ووصف وزير الصحة البريطاني جيمس فريث الانتخابات بأنها ليلة مهمة للديمقراطية الأمريكية، مشددًا على استمرار العلاقات الوثيقة بين البلدين، وفق تقرير "ذا إندبندنت".
وأعلنت الصين استعدادها لمواصلة العمل مع الولايات المتحدة وتنفيذ التفاهمات التي توصل إليها الرئيسان خلال زيارة شي جين بينج إلى واشنطن، بينما اعتبرت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينج أن نتائج الانتخابات شأن داخلي أمريكي، وأبدت استعداد بكين لتحسين قنوات التواصل مع الإدارة الأمريكية، بحسب التصريحات التي نقلتها "ذا إندبندنت".
وفي فرنسا، حذر وزير المالية رولان ليسكور من استمرار حالة عدم اليقين بشأن قرارات ترامب الخارجية، مشيرًا إلى أن الرئيس قد يختار مراجعة سياسته استجابة للضغوط الداخلية، خصوصًا أسعار الوقود، أو يواصل المسار الحالي، فيما وصفت النائبة اليسارية بالبرلمان الأوروبي إيلاريا ساليس النتيجة بأنها هزيمة ساحقة لترامب وحلفائه من التيارات القومية في أوروبا، وفق "ذا إندبندنت".
ارتدادات الأسواق
وانعكست النتائج على الأسواق العالمية، وسط مخاوف من أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين إلى تشديد القيود التنظيمية على بعض القطاعات الأمريكية، خصوصًا البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في ولايتي تكساس وأوهايو، حيث يمكن للسلطات المحلية التأثير في تراخيص البناء والتخطيط وإقامة المنشآت الجديدة، بحسب تقرير نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر "ناسداك 100" بنسبة 0.7%، وهبط مؤشر "نيكاي" الياباني بنسبة 2.7%، فيما انخفض مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي بما يصل إلى 4%، وتعرضت أسهم شركات التكنولوجيا الآسيوية، بينها "سوفت بنك" و"سامسونج إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس"، لضغوط بيعية، وفق بيانات الأسواق التي أوردتها "ذا إندبندنت".
وفي المقابل، ارتفع مؤشر "ستوكس 600" الأوروبي بنسبة 0.5%، وصعد مؤشر "فوتسي إم آي بي" الإيطالي بنسبة 1.2%، مع مكاسب تجاوزت 2% لأسهم البنوك، إلى جانب ارتفاع أسهم شركات الطاقة النظيفة، إذ صعد سهم "أورستد" 7% و"فيستاس" 5% و"نورديكس" 4.7%، وسط ترقب المستثمرين لتغييرات محتملة في السياسات الأمريكية المتعلقة بالطاقة والاستثمار.