بين مزايا الانضمام للاتحاد الأوروبي وعواقب التخلي عن الاتحاد الأوراسي، تعيش دولة أرمينيا التي تربط غرب آسيا بشرق أوروبا، مأزقًا شديدًا، حيث باتت بين سندان عملية معقدة وطويلة الأمد لتنفيذ الحلم الأوروبي، ومطرقة الخسائر الاقتصادية المتوقعة جراء التخلي عن روسيا وحلفائها.
وتُعتبر أرمينيا دولة حبيسة بين أربع دول في منطقة القوقاز، التي تربط بين آسيا الوسطى وأوروبا، حيث تعتمد اعتمادًا كبيرًا على روسيا في تجارتها البحرية، في حين تمر معظم التجارة البرية من الشرق إلى الغرب عبر جورجيا.
تفاصيل انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي
وترجع القضية إلى قرار مفاجئ، 26 مارس 2025، عندما صادق البرلمان الأرميني رسميًا على قانون بدء عملية انضمام جمهورية أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي وقّعه الرئيس الأرميني فاهان خاتشاتوريان، ليصبح ساري المفعول، 4 أبريل 2025.
وجاءت تلك العملية، وفقًا لموقع armenpress، بناء على عريضة جمعت أكثر من 50.000 توقيع من المواطنين الأرمينيين، وهو الحد القانوني اللازم لطرح المبادرات التشريعية أمام البرلمان.
أكد رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، أن القانون لا يمثل طلبًا رسميًا فوريًا للانضمام، بل يضع الأساس القانوني والسياسي، ويلزم الحكومة ببدء العمل على خارطة طريق وتطبيق الإصلاحات اللازمة للتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي.
ويهدف القانون، بحسب مسؤولين أرمينيين، إلى تعزيز المؤسسات الديمقراطية، ورفع رفاهية المجتمع، وتقوية أمن البلاد وسيادة القانون، وإشارة بارزة إلى رغبة أرمينيا في الابتعاد عن الفلك الروسي وتعميق علاقاتها مع الغرب الأوروبي وأمريكا.
ردت أوروبا على الخطوة الأرمينية، وفقًا لوكالة europarl، وأكدت أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عملية معقدة وطويلة الأمد وقائمة على الجدارة، وأبدوا استعدادهم التام لمواصلة دعم أرمينيا في جهودها الإصلاحية، وضمان صمودها.
مخاوف الحرس القديم ومشروع "البوابة العالمية"
حتى ذلك الوقت لم يصدر أي رد فعل من روسيا، إلى أن عُقدت أول قمة ثنائية بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، مايو 2026، وصرّح وزير الخارجية الأرميني بأن عام 2026 يمثل محطة حاسمة في مساعي يريفان نحو الاندماج الأوروبي.
ومنذ ذلك الحين، دعا الرئيس فلاديمير بوتين مرارًا وتكرارًا يريفان إلى حسم مسألة انضمامها إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في أسرع وقت ممكن، وأشار إلى أن لأرمينيا الحق في اختيار شركائها، لكن لا يمكنها أن تكون عضوًا في منظمتين في آن واحد.
وفي نهاية شهر مايو نفسه، وخلال قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في أستانا، أصدر قادة روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان بيانًا مشتركًا، أكدوا فيه ضرورة إجراء استفتاء في أرمينيا للتوصل إلى قرار نهائي.
ولكن الجانب الأرميني لم يلتفت إلى الدعوات الروسية، وبدأ التعاون يأخذ أشكالًا مختلفة بين البلدين، وبحسب مركز الدراسات السياسية الأوروبية، وضع الطرفان برنامج تعاون واسع النطاق وأنشأ شراكة لتسهيل الاستثمارات بينهما قد تصل إلى 2.5 مليار يورو في إطار مشروع "البوابة العالمية".
مخاطر الهروب من الاتحاد الأوراسي
يهدف البرنامج إلى تعميق وتعزيز التعاون والحوار في جميع مجالات الأمن والدفاع، والتعاون في مبادرات الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا المتقدمة، مثل مشروعات الرقائق الإلكترونية والحوسبة عالية الأداء ومجال الذكاء الاصطناعي.
أمام ذلك، أعدّ المجلس الحكومي الدولي الأوراسي تقريرًا حول عواقب انسحاب يريفان المحتمل من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وبحسب وكالة ريا نوفوستي الروسية، يحق لولايات الاتحاد تعليق مشاركة أرمينيا فيه حتى يتم إجراء استفتاء.
وهدد التقرير بأن تعليق عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 15.6%، وزيادة التضخم بنسبة 14.9 نقطة مئوية، وانخفاض الاستهلاك بنسبة 14.6%.
كما أشار التقرير إلى إن سعر الغاز المورد إلى أرمينيا سيرتفع أيضًا من 177.50 دولار أمريكي إلى 300 دولار أمريكي لكل ألف متر مكعب، بزيادة قدرها 69%، وقد يكون السعر الفعلي أعلى اعتمادًا على ظروف السوق.
وينص القرار على أن تعليق عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سيؤدي إلى شروط هجرة عمالية أكثر صرامة للمواطنين الأرمن، كما سيتم إعادة فرض الضوابط والرسوم الجمركية، والضوابط الصحية الكاملة، والضرائب على البضائع.
الاتحاد الأوراسي أم الأوروبي؟
وفي حالة اتخاذ قرار بتعليق عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن النظام القانوني الذي أنشأته معاهدة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، 29 مايو 2014، سيتوقف عن التطبيق على أرمينيا وشركاتها ومواطنيها طوال فترة التعليق.
وينص على أن تعليق عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سيؤدي إلى انخفاض الواردات بنسبة 48.8%، وستنخفض إجمالي التجارة بين أرمينيا والدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بنسبة 55.6%.
وبحسب التقرير، فإن صادرات السلع المنتجة في أرمينيا ستنخفض بنسبة 30-50%، بينما ستنخفض إعادة التصدير بأكثر من 90%.
وتنص الوثيقة على أن تصرفات أرمينيا تتعارض مع الالتزام المنصوص عليه في المادة 3 من معاهدة الاتحاد الأوراسي، ومثل هذا القرار يمكن أن يظل ساري المفعول حتى يتم إجراء استفتاء في أرمينيا حول ما إذا كان ينبغي للبلاد الاستمرار في الاتحاد الأوراسي أو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
لماذا اتخذت أرمينيا تلك الخطوة؟
ولكن الخطوة الأرمينية بأن تصبح أكثر انسجامًا مع الاتحاد الأوروبي تدريجيًا، لم تأتِ من فراغ، وفقًا لمركز الدراسات السياسية الأوروبية، بل جاءت عقب انهيار بنية "ضمانات الأمن" الروسية في أرمينيا، التي كانت قائمة في الحقبة السوفيتية.
خلال الصراع المؤلم مع أذربيجان، لم تُبدِ روسيا أي رغبة في وقف التقدم الأذربيجاني، على الرغم من التزاماتها الأمنية تجاه أرمينيا بموجب معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، وفي تسوية ما بعد كاراباخ، شهدت أرمينيا أيضًا تهجيرًا قسريًا للسكان الأرمن في كاراباخ، تحت أنظار قوات حفظ السلام الروسية التي كانت تتجاهل الوضع تمامًا.
وفي مواجهة تزايد خيبة أمل الشعب الأرميني من روسيا ونكثها بوعودها الأمنية، بحسب المركز الأوروبي، اختارت القيادة الأرمينية توجهًا جذريًا نحو أوروبا والغرب، رغم عدم إبدأ الجانب الأوروبي أي اهتمام في البداية، قبل خطوة البرلمان الأرميني.
في النهاية أتاحت تلك الخطوة فرصة ذهبية للاتحاد الأوروبي في بسط نفوذه بالمنطقة، لا سيما بعد أن تخلت حكومة جورجيا المجاورة عن أوروبا، لذلك سيعمل الاتحاد الأوروبي على ضمان عدم التخلي عن حليفه الجديد في المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية البالغة.. فماذا ستفعل روسيا وحلفاؤها أمام ذلك؟