تسارع أرمينيا خطواتها للخروج من دائرة النفوذ الروسي، مستفيدة من تصاعد أهميتها الجيوسياسية كممر محتمل للتجارة والطاقة بين آسيا الوسطى وأوروبا، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على منطقة جنوب القوقاز.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت العاصمة الأرمينية يريفان إلى ساحة حراك دبلوماسي مكثف، مع زيارة قادة أوروبيين وغربيين لدعم رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الذي يواجه انتخابات حاسمة الشهر المقبل، وسط اتهامات بتدخلات روسية ومحاولات للتأثير على المشهد السياسي الداخلي، وفقًا لصحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
ويعوّل الغرب على أرمينيا باعتبارها جزءًا أساسيًا من مشروع ممر تجاري جديد يربط آسيا الوسطى بتركيا وأوروبا، متجاوزًا الأراضي الروسية والإيرانية، في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب طرق التجارة التقليدية.
مشروع "ترامب"
أحد أبرز المشروعات المطروحة هو ما يُعرف باسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP)، وهو ممر نقل يمتد عبر جنوب أرمينيا بمحاذاة الحدود الإيرانية.
ويقضي المقترح ببقاء الممر تحت السيادة الأرمينية، مع تولي شركة أمريكية مدعومة من الدولة إدارة تطويره وتأمينه بعقد طويل الأمد.
ووفق تقرير الصحيفة، يرى داعمو المشروع أنه قد يشكل الحلقة المفقودة في "الممر الأوسط"، وهو طريق تجاري تسعى أوروبا والصين لتطويره لربط القارة الأوروبية بآسيا الوسطى دون المرور عبر روسيا.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يوفر المشروع فرصة لتعزيز الوصول إلى مصادر الطاقة والمعادن الإستراتيجية، وتقليل الاعتماد على روسيا، بينما تعتبره أرمينيا فرصة لإنهاء عزلتها الجغرافية وتخفيف الهيمنة الروسية على اقتصادها ومؤسساتها.
لعقود طويلة، اعتُبرت أرمينيا من أقرب حلفاء روسيا في الفضاء السوفييتي السابق، إلا أن الحرب في أوكرانيا أضعفت قدرة موسكو على الحفاظ على نفوذها الإقليمي.
اتهامات بالتدخل والدعاية
بالتزامن مع اقتراب الانتخابات، تتصاعد الاتهامات الغربية لروسيا بمحاولة التأثير على الرأي العام الأرميني عبر حملات تضليل إلكترونية وتمويل قوى سياسية موالية لموسكو.
وتقول مصادر أوروبية إن منصات التواصل الاجتماعي امتلأت بمعلومات مضللة تستهدف باشينيان، تتهمه بالفساد والتفريط بالهوية الأرمنية والانحياز الكامل للغرب.
كما أرسل الاتحاد الأوروبي فريقًا متخصصًا لمساعدة أرمينيا في مواجهة الهجمات السيبرانية وحملات التضليل.
وفي المقابل نفت موسكو أي تدخل في الانتخابات، مؤكدة احترامها للخيار السيادي للشعب الأرميني.
انتقادات أوروبية
رغم الدعم الغربي المتزايد لباشينيان، تواجه حكومته انتقادات داخلية وخارجية تتعلق بتراجع الحريات وتضييق الخناق على المعارضة.
وشهدت الفترة الأخيرة توقيف رجال دين وشخصيات معارضة بارزة، فيما اتُهِمت الشرطة باستخدام القوة ضد محتجين.
وفقًا لـ"ذا تليجراف"، يرى منتقدون أن الاتحاد الأوروبي يتغاضى عن هذه الممارسات بسبب رغبته في سحب أرمينيا بعيدًا عن النفوذ الروسي.
لكن حلفاء باشينيان يبررون الإجراءات الحالية بأنها ضرورية لحماية الدولة من محاولات زعزعة الاستقرار والتدخلات الخارجية، مؤكدين أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية معقدة بين الإرث الروسي والطموحات الغربية.