تواجه الخدمات العامة في المملكة المتحدة ضغوطًا متزايدة، أبرزها تفاقم الأزمات المالية لشركات المياه، واتساع قوائم انتظار العلاج بالمستشفيات، وأعطال تقنية أربكت حركة الطيران والقطارات، إلى جانب إخفاق البريد الملكي في تحقيق مستهدفات التسليم، إذ تكشف تقارير صحفية وبيانات تنظيمية عن تعثرات متزامنة في قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية لملايين السكان.
أزمة مياه الشرب
وتتصدر أزمة شركة "ثيمز ووتر"، أكبر شركة مرافق مياه في بريطانيا، هذه الملفات، مع ديون تقارب 20 مليار جنيه إسترليني، بالتزامن مع تعثر شركات مياه أخرى في الوفاء بالتزاماتها، إذ أعلنت الشركة في 16 أكتوبر توصلها إلى اتفاق مع كبار دائنيها بشأن خطة إعادة الرسملة، في خطوة تهدف إلى دعم إعادة هيكلة الشركة وتفادي وضعها تحت السيطرة الحكومية المؤقتة.
وبحسب ما نقلته وكالة "رويترز"، يدعم الاتفاق حاملو أكثر من 60% من ديون الفئة "ب"، ويتضمن شطب نحو مليار جنيه إسترليني من هذه الديون، مقابل حصول الدائنين على استرداد يعادل نحو 5.9% من خلال الأسهم وحقوق أخرى في الشركة بعد إعادة هيكلتها.
وتواجه الشركة ضغوطًا مالية متزايدة، بعدما أعلنت حاجتها إلى رفع تسهيلات التمويل الطارئ بمقدار 2.4 مليار جنيه إسترليني، لتصل إلى 5.4 مليار، تجنبًا لنفاد السيولة قبل استكمال إعادة الرسملة.
وتتعرض الشركة أيضًا لغرامات بسبب تلويث الأنهار بمياه الصرف الصحي، بينما يراقب المسؤولون مستقبلها في ظل تعهد رئيس الوزراء آندي بيرنام الشهر الماضي بإصدار تشريع يسمح بالملكية العامة لشركات المياه.
تعويضات بالملايين
ولا تقتصر المشكلات على "ثيمز ووتر"، إذ أعلنت هيئة تنظيم المياه البريطانية "أوف وات"، في يوليو، أن شركة "ساوث إيست ووتر" تواجه حزمة تعويضات بقيمة 30.5 مليون جنيه إسترليني، بسبب إخفاقات متعددة في خدمة العملاء وانقطاعات متكررة في الإمدادات.
وتشمل الإجراءات غرامات مقترحة بقيمة 22 مليون جنيه إسترليني، مرتبطة بأعطال في إمدادات المياه بمقاطعتي كِنت وساسكس بين عامي 2020 و2023، أثرت على أكثر من 286 ألف شخص.
كما شملت وقائع أخرى بين نوفمبر 2025 ويناير 2026، حين انقطعت المياه عن 70 ألف منزل خلال عاصفة "غورتي"، إلى جانب تحقيق بشأن الالتزام بالشروط المالية لترخيص الشركة.
وفي ملف منفصل، أعلنت "أوف وات" أن شركات مياه في إنجلترا وويلز قد تضطر إلى إعادة 107 ملايين جنيه إسترليني إلى العملاء عبر تخفيض الفواتير، بسبب عدم تحقيق أهداف الأداء خلال السنة المالية 2025-2026.
أزمات على الصحة
وفي القطاع الصحي، أظهرت بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا أن قوائم انتظار العلاج الروتيني بالمستشفيات ارتفعت خلال يوليو إلى نحو 7.33 مليون إجراء ينتظر التنفيذ، تخص 6.21 مليون مريض، مقارنة بـ7.27 مليون إجراء و6.15 مليون مريض في نهاية يونيو.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "ذي إندبندنت" في سبتمبر، مثَّلت هذه الأرقام أعلى مستوى خلال تسعة أشهر، في وقت واجهت فيه الخدمة الصحية ما وصفته وزيرة الصحة إيفيت كوبر بأنه "طلب شديد" لم يعد مقتصرًا على فصل الشتاء.
وسجلت أقسام الطوارئ والحوادث نحو 7.3 مليون مراجعة خلال يونيو ويوليو وأغسطس، وهو أعلى عدد لفترة الصيف، بزيادة تقارب مليون مراجعة عن الفترة نفسها من عام 2022، حين بلغت الحالات 6.4 مليون. كما تعاملت سيارات الإسعاف مع نحو 2.4 مليون مكالمة خلال الأشهر الثلاثة، وهو رقم قياسي بحسب بيانات الهيئة.
وامتدت الضغوط إلى فترات الانتظار الطويلة، إذ بلغ عدد من ينتظرون أكثر من عام لبدء العلاج الروتيني 111 ألفًا و379 شخصًا في نهاية يوليو، مقابل 105 آلاف و711 في نهاية يونيو.
وفي الشهر نفسه، بدأ 65.4% من المرضى علاجهم خلال 18 أسبوعًا من الإحالة، بانخفاض عن 65.8% في يونيو، لكنه ظل أعلى قليلًا من هدف الحكومة والهيئة المحدد عند 65% لشهر مارس.
أعطال تشل النقل
وفي قطاع الطيران، تسبب خلل برمجي في نظام بيانات الرحلات التابع لشركة "إن إيه تي إس"، المزود الرئيسي لخدمات الملاحة الجوية في المملكة المتحدة، في سبتمبر، في اضطراب واسع النطاق أدى إلى إلغاء نحو ألفي رحلة وتأثر مئات الآلاف من المسافرين.
وأظهر تحقيق نشرته صحيفة "ذا جارديان"، أن الخلل لم يكن نتيجة عملية عسكرية أو هجوم إلكتروني، بل مشكلة برمجية وقعت خلال معالجة طلب يدوي لرمز طائرة، بعدما أوقف النظام الطلب مؤقتًا لمعالجة رسالة ذات أولوية أعلى، وعندما استؤنفت المعالجة، لم يعمل النظام على النحو الصحيح، ما أدى إلى سلسلة من الأخطاء.
وقالت "إن إيه تي إس" أن المشكلة اقتصرت على مركز مراقبة منطقة لندن، لكنها فُرضت قيود على حركة الطيران في أنحاء المملكة المتحدة حتى أمكن إعادة تشغيل نظام المجال الجوي الوطني بأمان.
وجاء الخلل بعد اضطراب واسع في أغسطس 2023 كلف شركات الطيران نحو 100 مليون جنيه إسترليني، فضلًا عن مشكلة تقنية أصغر في يوليو 2025 تسببت في إلغاء 150 رحلة.
شلل السكك الحديدية
وفي أغسطس الماضي، أدى انقطاع كهرباء في مركز الإشارات الإقليمي في مانشستر إلى توقف القطارات مؤقتًا وإلغاء وتأخير رحلات في شمال غرب إنجلترا ومناطق مجاورة.
وامتدت الاضطرابات إلى اليوم التالي، بعدما فشلت مولدات الطاقة الاحتياطية التابعة لشركة "نتورك ريل" في العمل فورًا، رغم أن تشغيلها كان يفترض أن يتم تلقائيًا.
وأدى تحول الإشارات إلى اللون الأحمر إلى توقف القطارات في نطاق واسع، فيما استغرقت إعادة تشغيل الأنظمة واستعادة الإشارات بالكامل عدة ساعات.
واستمرت التأخيرات والإلغاءات صباح الجمعة، مع وجود قطارات وأطقم في مواقع غير مناسبة لبدء الخدمة، ونصحت شركات السكك الحديدية المسافرين بالتحقق من آخر التحديثات قبل السفر.
ووصف إيدي ديمبسي، الأمين العام لنقابة عمال السكك الحديدية والنقل البحري، أثر انقطاع الكهرباء الذي استمر 90 ثانية في مركز الإشارات بأنه "مدمر بشكل واضح"، مشيرًا إلى اتساع المنطقة التي يخدمها المركز وغياب مصدر احتياطي فعال للطاقة، وأعلنت "نتورك ريل" فتح تحقيق في الحادثة.
وفي واقعة أخرى، تسبب حريق أعشاب قرب مسارات السكك الحديدية في منطقة بادينجتون بلندن في انقطاع الكهرباء وإغلاق الخطوط بين المحطة ومطار هيثرو، ما أدى إلى إلغاء رحلات وتعطل خدمات قطارات.
وأُجلي 380 راكبًا من قطار على خط إليزابيث، فيما نُصح المسافرون إلى المطار باستخدام بدائل للنقل، رغم تسجيل تأخيرات على بعض الخطوط الأخرى أيضًا.
البريد دون المستهدف
وفي قطاع البريد، فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية "أوف كوم" تحقيقًا في إخفاق شركة "رويال ميل" في تحقيق مستهدفات التسليم خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2026، بعدما أظهرت النتائج أن أداءها جاء دون الأهداف التنظيمية بفارق كبير.
وبحسب البيانات التي نشرتها الهيئة، لم تُسلَّم سوى 75.7% من رسائل الدرجة الأولى في يوم العمل التالي، مقارنة بالمستهدف البالغ 93%، بينما وصلت 90.2% من رسائل الدرجة الثانية خلال ثلاثة أيام عمل، مقابل هدف يبلغ 98.5%.
وكانت "أوف كوم" عدّلت في يوليو التزامات البريد الملكي لمراعاة التراجع الحاد في عدد الرسائل المرسلة، وسمحت بتسليم رسائل الدرجة الثانية في أيام عمل متناوبة، مع تغيير أهداف التسليم.
وبناءً على طلب الهيئة، وضعت "رويال ميل" خطة لتحسين الخدمة تتضمن استثمار 500 مليون جنيه إسترليني على مدى السنوات الخمس المقبلة، وتقديم خطة ربع سنوية لتحقيق أهداف التسليم بحلول أبريل المقبل.
وتوضح البيانات أن حجم الرسائل التي تتعامل معها الشركة تراجع من 20 مليار رسالة سنويًا قبل نحو عشرين عامًا إلى 6.5 مليار رسالة في عام 2025، مع توقعات باستمرار الانخفاض.
كما تكبدت الشركة خسائر بمئات الملايين من الجنيهات في السنوات الأخيرة، ما يزيد الضغط عليها لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة.
وأوضحت "أوف كوم" أنه في حال ثبوت الإخلال، ستدرس الهيئة فرض غرامة مالية، بعدما سبق أن فرضت على الشركة غرامات تجاوزت 37 مليون جنيه إسترليني بسبب إخفاقات التسليم.