أعادت السيول التي شهدتها إسطنبول في 14 أكتوبر الجاري فتح النقاش بشأن كفاءة البنية التحتية وأنماط التوسع العمراني في المدينة التركية، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الأمطار الغزيرة وحدها وراء تفاقم الأضرار، أم أن التوسع الخرساني والبناء في مجاري الأنهار وضعف أنظمة تصريف المياه أسهمت في زيادة المخاطر.
وشهدت مدينة إسطنبول التركية أمطارًا غزيرة سجلت أعلى معدل هطول منذ عام 1942، ما أدى إلى فيضانات واضطرابات في حركة الطرق والطيران، وأسفر عن وفاة شخصين وإصابة ثلاثة آخرين، وفقًا لما أعلنه والي المدينة، داود جول، اليوم الخميس.
وقال مسؤولون إن «فرق الطوارئ عملت طوال الليل في إطار جهود البحث والإنقاذ في أنحاء إسطنبول»، بعدما أسفرت الفيضانات العارمة عن وفاة شخصين، وأدت إلى إجلاء أكثر من ألفي شخص، وفقًا لوكالة أنباء الأناضول التركية.
وبحسب البيانات الأولية التي أعلنتها ولاية إسطنبول حتى مساء أمس، 14 أكتوبر، تلقت الولاية 1277 بلاغًا عن الفيضانات، و15 بلاغًا عن انهيارات أرضية، و47 بلاغًا عن أشخاص عالقين، فيما بلغت كمية الأمطار في منطقة بيكوز-أومرلي 193.84 كيلوجرام لكل متر مربع.
التوسع العمراني
تشير دراسات علمية تناولت أحواض الأنهار ومخاطر الفيضانات في إسطنبول إلى أن حجم الأضرار لا يرتبط بكمية الأمطار وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرة المدينة على امتصاص المياه وتصريفها، وفقًا لصحيفة «جمهوريت» التركية.
وتناولت دراسة نشرتها مجلة Sustainability عام 2021 حوض نهر كاجيتهانه، على مساحة بلغت 1653 هكتارًا (نحو 4 آلاف فدان)، باستخدام نماذج حاسوبية لمقارنة سيناريوهات مختلفة للبناء وإدارة مياه الأمطار.
وأظهرت النتائج أن تطبيقات مثل الأسطح الخضراء والطرق المنفذة للمياه يمكن أن تحد من تدفق المياه السطحية ومخاطر الفيضانات.
وتفسر الدراسة ذلك بأن التربة والغطاء النباتي يساعدان على الاحتفاظ بجزء من مياه الأمطار، بينما تسمح الأسطح الخرسانية والإسفلتية بتدفقها بسرعة نحو شبكات التصريف، ما يزيد الضغط عليها خلال فترات زمنية قصيرة.
مخاطر متفاوتة
تناولت دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة Sustainable Cities and Society مخاطر الفيضانات في إسطنبول، مع مراعاة الأخطار المائية وعوامل الهشاشة المجتمعية.
وأشارت الدراسة إلى أهمية الأسطح غير المنفذة للمياه وشبكات التصريف في تقييم المخاطر، إلى جانب عوامل أخرى، منها موقع المباني، خصوصًا في المناطق المنخفضة والطوابق السفلية، التي تكون أكثر عرضة للغمر.
وتتزايد احتمالات تراكم المياه عندما تتجاوز كميات الأمطار قدرة شبكات التصريف على استيعابها، فيما يسهم التوسع العمراني غير المدروس في تضييق المساحات الطبيعية المتاحة لانتشار المياه.
تغير المناخ
يشير تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الاحترار العالمي يسهم في زيادة شدة الأمطار الغزيرة في مناطق عديدة. وترتفع قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ ببخار الماء بنحو 7% مع كل زيادة قدرها درجة مئوية واحدة في الحرارة، لكن ذلك لا يعني زيادة الأمطار بالنسبة نفسها في جميع المناطق.
ويتطلب تحديد مدى ارتباط سيول إسطنبول الأخيرة بتغير المناخ إجراء تحليل علمي مخصص لهذه الواقعة. وتوصي الدراسات بحزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل حماية مجاري الأنهار ومناطق الفيضانات الطبيعية، والحد من الأسطح الخرسانية، وتوسيع المساحات الخضراء، وتطوير شبكات التصريف لتواكب سيناريوهات الأمطار الشديدة.
وتؤكد هذه النتائج أن منع الأمطار الغزيرة ليس ممكنًا، لكن الحد من تحولها إلى كوارث وتقليل خسائرها يظلان هدفين قابلين للتحقيق من خلال تخطيط عمراني يراعي حركة المياه واحتياجات المدينة.