يعيش محمد زهير عبد القادر، البالغ من العمر 32 عامًا، من سكان رفح جنوب قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب تجربة قاسية يقول إنها حوّلت حياته إلى "مسلسل بلا نهاية"، بعدما خسر منزله واضطر إلى التنقل بين مناطق عدة، من رفح إلى مواصي القرارة، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.
ويعمل عبد القادر عاملًا في مستشفى حكومي، وتزوج خلال الحرب في مايو 2025، لكنه يقول إن الزواج في ظل ظروف النزوح كان بالغ الصعوبة، إذ لا توفر الخيام الحد الأدنى من الخصوصية، ولا تزال هذه الظروف تؤثر في حياته حتى اليوم.
وقال خلال حديثه مع موقع "القاهرة الإخبارية"، إن الحرب تسببت في فقدان نحو 100 شخص من محيطه، بين أفراد عائلة وأقارب وأصدقاء، فيما تحولت أيامه إلى تنقل مستمر بين منازل الأقارب والمعارف، ومحاولات للتعايش مع ظروف النزوح، بما فيها مواجهة الحشرات ونقص الاحتياجات الأساسية.
وتروي رندة أبو سيدو، المتزوجة والنازحة من خان يونس إلى مواصي المدينة، قصة حياة بسيطة تحولت منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة إلى رحلة طويلة من النزوح والفقد والاعتقال والدمار، لكنها تقول إنها لم تتخلَّ رغم ذلك عن حلمها بإكمال دراستها وبناء مستقبل أفضل.
وذكرت رندة أنها "كانت تحلم بحياة عادية، بتفاصيلها الصغيرة؛ فنجان قهوة في هدوء الصباح، وجلسة مع العائلة، وضحكة مع شخص تحبه، وبيت تشعر داخله بالأمان. وكانت تطمح إلى إكمال دراستها الجامعية وصنع مستقبلها والبقاء إلى جانب من تحب، قبل أن تقلب الحرب كل هذه التفاصيل رأسًا على عقب". ومع الأيام الأولى للحرب، أصبح الخوف جزءًا من حياتها اليومية، ولم يعد المستقبل واضحًا، فيما حاولت مع زوجها التمسك بما تبقى من شعور بالأمان.
وروت أن "منزلها كان يحمل ذكرياتها وتفاصيل حياتها، وأن تدميره شكّل بالنسبة إليها أحد أكبر الانهيارات التي عاشتها، بعدما فقدت المكان الذي كانت تعتقد أنها ستعود إليه يومًا".
وهناك أيضًا عمر أبو صالح، البالغ من العمر 24 عامًا، من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والذي يعيش في أحد مخيمات النزوح بمواصي خان يونس، بعدما أجبرته الحرب على ترك منزله ومزرعته وفقدان مصدر دخله. وأفاد أبو صالح لموقع "القاهرة الإخبارية" بأنه كان يعيش مع أسرته المكونة من ستة أفراد، وهو يتيم الأب منذ طفولته، فيما كان شقيقه الأكبر محمد يتحمل مسؤولية الأسرة ويعيل أفرادها.
وقبل الحرب، كان أبو صالح يدير مشروعًا زراعيًا صغيرًا على مساحة نحو 300 متر مربع، ويربي الدواجن البلدية والحمام، لكنه فقد مزرعته ومكانه وكل ما يملك بعد تدمير المنطقة ونزوحه منها.
ويتذكر عبد القادر، الذي كان يعمل فنانًا، وشارك في مسرحيات وأعمال تلفزيونية، ويحلم بالعودة إلى الشاشة وممارسة العمل الفني مجددًا، قائلًا: "إحدى أصعب اللحظات عندما تعرض منزله في رفح للقصف، وسقط 150 شهيدًا خلال ساعة واحدة، بينما كنت أقف عاجزًا لا أعرف ماذا أفعل".
وذكر: "كنت أشاهد بين الضحايا أصدقاء وأطفالًا ونساء، إلى جانب طبيبة كانت تعمل معه في المستشفى واستشهدت في استهداف آخر بالمنطقة"، مضيفًا أن "هذه المشاهد تركت أثرًا بالغًا في نفسه لا يستطيع تجاوزه".
واستشهد لأبي صالح أكثر من 40 شخصًا من محيطه خلال الحرب، بينهم شقيقه الأكبر محمد، الذي خرج في 24 يوليو 2025 بحثًا عن الطحين لإطعام الأسرة، خلال فترة المجاعة التي عاشها السكان إثر غلق الاحتلال جميع المعابر وفرض حصار شامل على القطاع.
ووصف أبو صالح الحرب بأنها كانت أشبه بقوة تأكل كل شيء، ولم تترك خلفها سوى الخوف والفقد والدمار، مشيرًا إلى شهور المجاعة، قائلًا إن "تلك المرحلة كانت من أصعب ما مر به". وأضاف: "كان الجوع قاسيًا إلى درجة تمزقت معها أجساد الناس من شدته، فيما كانت المجازر تقع في الأماكن العامة والطرق والأسواق إثر استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي الجوعى".
وبعد فقدان منزله ومصدر دخله وشقيقه الذي كان سندًا له، أصبح أبو صالح يعيش مع أسرته تحت قطعة من القماش، من دون عمل أو مصدر دخل ثابت.
مشاهد لا تُنسى
في 29 أكتوبر 2023، تعرض منزل شقيق رندة للقصف، لتشعر للمرة الأولى بأن الحرب لم تعد أخبارًا بعيدة، بل أصبحت تطرق أبواب عائلتها مباشرة.
وفي اليوم التالي، غادرت مع أسرتها المكان الذي كانوا يقيمون فيه، واتجهوا إلى مدرسة بحثًا عن الأمان، لتبدأ رحلة النزوح التي انتقلت خلالها من مكان إلى آخر، حاملة معها القليل من متاعها ومحاولة الاحتفاظ بالأمل.
وفي 30 ديسمبر من العام نفسه، وصلت إلى مواصي خان يونس، حيث لم تعد تبحث عن منزل، وإنما عن مكان يمكنها أن تعيش فيه فقط. كانت رندة تعيش على الدعاء وانتظار عودة زوجها وأفراد عائلتها، إلى أن جاء يوم 26 يناير 2024، عندما خرج زوجها في السابعة صباحًا.
وسردت: "طلبت منه البقاء، وشعرت حينها بخوف غامض لم أعرف سببه، قبل أن يصلني في الحادية عشرة صباحًا خبر اعتقاله، إلى جانب شقيقين لي، ومنذ ذلك اليوم، أصبح الانتظار جزءًا من حياتي؛ أنتظر خبرًا أو لقاءً أو صوتًا يطمئنني أنهم بخير، بينما أثقلت الأسئلة والخوف ليالي وحرمني القلق من النوم والراحة".
ولم تتوقف الخسارات عند الاعتقال، إذ تعرض منزل خالها للقصف، وفقدت ستة من أفراد عائلته، قبل أن تتلقى لاحقًا خبر قصف منزلها هي أيضًا.
حياة مستحيلة
تحوّلت المواصلات، بحسب عبد القادر، إلى معاناة يومية، بعدما أصبح الطريق الذي كان يستغرق نحو 20 أو 25 دقيقة يحتاج إلى ساعات طويلة بسبب نقص المركبات وقطع الغيار والزيوت والإطارات.
وأشار إلى أن بعض المركبات أصبحت تجر عربات تحمل أعدادًا كبيرة من الركاب، ما يرفع مخاطر الحوادث. ويقول إن الوصول إلى المستشفى في الحالات الطارئة أصبح أكثر صعوبة، كما أن سيارات الإسعاف قد تواجه صعوبات في الوصول إلى المرضى بسبب الازدحام وكثافة النازحين.
وقال أبو صالح إن "النزوح كان أصعب ما عاشه، لأن الإنسان يترك منزله وذكرياته وحياته السابقة، ليجد نفسه في ظروف لا تشبه ما عرفه من قبل".
ولا تقتصر الصعوبات على التنقل، إذ يواجه سكان القطاع أزمة متعلقة بالسيولة النقدية وصعوبة استخدام الأوراق النقدية التالفة، فيما يعتمد كثيرون على التطبيقات والمحافظ الإلكترونية لإتمام عمليات الشراء.
ويقول عبد القادر إن العاملين في بعض المستشفيات الحكومية قد يتقاضون رواتبهم نقدًا بعد فترات طويلة، ما يضعهم أمام مشكلة إضافية، خاصة عندما ترفض بعض المتاجر قبول الأوراق النقدية.
كما شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعات حادة، حيث وصل كيلوجرام الطماطم في بعض الفترات إلى 100 أو 150 شيكلًا، وبلغ سعر بعض حبات البصل والليمون عشرات الشواكل، فيما أصبح شراء الاحتياجات الأساسية للخيمة يتطلب مئات الشواكل.
ويصف عبد القادر الحصول على الطحين من نقاط توزيع المساعدات بأنه من أكثر التجارب قسوة، مشيرًا إلى أن أشخاصًا كانوا يخاطرون بحياتهم للحصول على أكياس الطحين وسط إطلاق النار، وسقط قتلى وجرحى خلال محاولات الوصول إلى المساعدات.
وأشار أبو صالح إلى أن ارتفاع الأسعار ونقص بعض الاحتياجات الأساسية يزيدان صعوبة الحياة اليومية، في وقت لا يرى فيه مستقبلًا واضحًا للتعليم أو العمل أو المشاريع في غزة.
متمسكون بالأرض والأمل
في حين وصفت رندة السنوات الثلاث الماضية بأنها سلسلة من القصف والخوف والنزوح والجوع والحصار، مؤكدة أنها مرت بأيام شعرت فيها بأن الحياة أصبحت أثقل من قدرتها على الاحتمال، ورغم كل ما فقدته، لا تزال رندة تنتظر زوجها وإخوتها، وتحلم بعودة الغائبين إلى بيوتهم، وعودة الضحكة إلى أماكنها، كما تتمسك بحلمها في إكمال دراستها وبناء حياة جديدة بعد الحرب.
وكذلك، في حين توقفت دراستها الجامعية بسبب الحرب والنزوح، لكنها لم تتخلَّ عن حلمها، وحاولت ولا تزال متابعة تعليمها كلما وجدت مكانًا يتوفر فيه اتصال بالإنترنت، رغم اضطرارها إلى التنقل بحثًا عن ظروف تسمح لها بالدراسة.
ويتمسك أبو صالح بأمل وقف الحرب بشكل تام وفتح المعابر، والعودة إلى أرضه في رفح، لكنه يرى أن استعادة الحياة التي كانت قبل الحرب لن تكون سهلة، بعدما تعرضت الطرق والبنية التحتية والمدارس والجامعات والمستشفيات والمنازل لدمار واسع.
وقال إن "ما سيحدد شكل المستقبل هو قدرة الفلسطينيين والدول العربية على الوقوف إلى جانب غزة"، مؤكدًا أنه في ظل تسارع الأحداث اليومية من قصف وتجريف ودمار، يجد صعوبة في التفكير في المستقبل.
وبالنسبة إليه، فإن الأولوية الآن هي وقف الحرب، وفتح المعابر، وعودة النازحين إلى أرضهم، حتى تبدأ رحلة استعادة الحياة ومصادر الرزق من جديد.
ورغم كل ما عاشه من أهوال الحرب، لا يزال عبد القادر يحلم بالعودة إلى المكان الذي كان يعيش فيه، وبناء منزل بسيط وجميل، والحصول على عمل يوفر له حياة مستقرة وراحة بال.
ويرى أن المستقبل في غزة يبدو صعبًا في ظل غياب مقومات الحياة، ما يدفع بعض السكان إلى التفكير في الهجرة، لكنه يؤكد أنه يريد البقاء في القطاع، قائلًا إن "الغربة صعبة جدًا"، وإن أمله أن تنتهي الحرب ويستعيد الفلسطينيون حياتهم واستقرارهم.