الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أطفال غزة مبتورو الأطراف.. ماذا ينتظرهم بعد الحرب؟

  • مشاركة :
post-title
أطفال غزة مبتورو الأطراف

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

لم تعد غزة مجرد ساحة حرب، بل باتت تشهد أوضاعًا مأساوية لم يسبق لأي بقعة على وجه الأرض أن رأتها، وهي أعلى نسبة أطفال مبتوري الأطراف في العالم قياسًا بعدد السكان، هذا ما كشفته صحيفة ذا جارديان البريطانية، راصدة مصيرَ آلاف الأطفال الذين خرجوا من تحت الأنقاض بأجساد ناقصة وطفولة مسروقة، بعضهم وصل إلى الولايات المتحدة ومصر للعلاج، وكلهم يواجهون سؤالًا واحدًا لا إجابة سهلة له: ماذا بعد؟

أرقام تتجاوز الخيال

تكشف بيانات منظمة اليونيسف أن ما بين 3000 و4000 طفل في غزة فقدوا طرفًا واحدًا أو أكثر منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023.

وتُشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن إجمالي الجرحى تجاوز 110 آلاف شخص، من بينهم ما لا يقل عن 25 ألف طفل، فيما رصدت دراسة نشرتها مجلة لانسيت الطبية تجاوُز حصيلة القتلى 64 ألف شخص في الأشهر التسعة الأولى وحدها، وهو رقم يفوق بكثير الأرقام الرسمية المعلنة التي تُقدّر عدد الضحايا بأكثر من 50 ألفًا.

والأشد وطأةً أن كثيرًا من الأطفال الذين لقوا حتفهم لم يُسجَل وجودهم أصلًا، إذ اندثرت عائلاتهم بأكملها دون أن يبقى من يشهد على حياتهم القصيرة.

بتر كان يمكن تجنبه

لا تقتصر أسباب البتر على القوة التدميرية للقصف المتواصل، إذ إن الحروق الحادة والعدوى المتفاقمة في بيئة طبية منهكة تُضاف إليها بالقدر ذاته.

ويُوضح أطباء عملوا داخل غزة، لصحيفة ذا جارديان، أن حالات بتر كثيرة كانت قابلة للعلاج والإنقاذ في ظروف طبيعية، غير أن شُح المستلزمات الجراحية والأدوية، وسوء التغذية الحاد الذي يُعيق التئام الجروح، إذ يستحيل شفاء الجروح من دون بروتين كافٍ لأسابيع متواصلة، فضلاً عن الضغط الهائل على المنظومة الصحية المنهارة، جعلت البتر خيارًا أسرع وأكثر واقعية أمام الأطباء المُنهَكين.

وهو ما يُعرِفه المختصون بـ"الكارثة المُركَبة"، حيث يتحول قرار جراحي قد يبدو تقنيًا إلى حُكم يرسم مسار حياة طفل بأكمله.

منظومة صحية في خبر كان

تشير ذا جارديان إلى أن غزة قبل أكتوبر 2023، كانت تمتلك منظومة صحية تفوق ما يمكن توقعه في ظل حصار ممتد لثمانية عشر عامًا، إذ أحصت منظمة أطباء بلا حدود 36 مستشفى تخدم نحو 2.3 مليون نسمة.

أما اليوم، فلم يتبقَ وفقًا لتقرير أممي سوى 16 مستشفى تعمل جزئيًا، في حين لقي أكثر من ألف كادر طبي حتفَهم خلال العمليات العسكرية بحسب ما رصدته الصحيفة البريطانية.

وتُشير تقييمات مشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن إعادة إعمار ما دُمِّر تستلزم أكثر من 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهذا دون احتساب الخسائر في رأس المال البشري من أطباء ومعلمين وكوادر متخصصة.

رحلة العلاج

تمكن عدد محدود من الأطفال من مغادرة غزة عبر مسار شاق يستلزم تنسيقًا متشعبًا بين وزارة الصحة في غزة والحكومة المصرية ومنظمة الصحة العالمية والجانب الإسرائيلي، ثم رحلة بالإسعاف تمتد ست ساعات من معبر رفح حتى القاهرة.

وتضطلع منظمات من بينها صندوق إغاثة أطفال فلسطين بدور محوري في تيسير هذه الرحلات، وتأمين السكن والعلاج والدعم النفسي والتعليمي بعد وصول الأطفال.

جيل بلا طفولة

ما يُفاقم المأساة أن الجرح الجسدي ليس سوى طبقة واحدة من طبقات الألم، إذ يُحذر علماء أعصاب من أن الدماغ النامي يحتاج إلى سنوات من الدعم المتخصص لاستعادة وظائفه بعد الإصابات الشديدة، وأن هذه الفرصة تضيق كلما تأخر التدخل العلاجي والنفسي.

وقد رصد التحقيق أن غالبية الأطفال الذين جرى الحديث معهم يحملون في عيونهم نظرة مثقلة بما لا يُوصف، وحين سُئلوا عن هواياتهم أو برامجهم المفضلة، كان الصمت جواباً، إذ ما سُرق منهم ليس الطرف فحسب، بل الطفولة ذاتها.

وهؤلاء الأطفال، في نهاية المطاف، ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الحرب، إنهم الشهادة الحية التي ستُشكل ملامح المجتمع الفلسطيني وذاكرته الجماعية لعقود مقبلة، وستظل أجسادهم مرآةً تعكس أسئلة القانون الدولي وحماية المدنيين في زمن الحروب.