في مخيم الشاطئ شمال قطاع غزة، تخوض الطفلة نسرين أبوشقفة، ذات الأعوام التسعة، معركة يومية مع المرض والموت، بينما تتضاءل أمامها فرص النجاة يومًا بعد آخر، في ظل حصار خانق ونفاد الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية. وبين نزيف لا يتوقف وعلاج يكاد يكون غائبًا، أصبح بقاء نسرين على قيد الحياة مرتبطًا بإمكانية الوصول إلى رعاية متخصصة لم تعد متاحة داخل القطاع.
تعاني "نسرين" منذ سبع سنوات من فرفرية قلة الصفائح الدموية التخثرية ITP، والمنشأ المناعي، حيث تدهورت حالتها الصحية أخيرًا ليصل معدل الصفائح الدموية لديها إلى مستويات حادة وشديدة الخطورة (ما بين 1 إلى 5 آلاف/ميكرولتر فقط)، مع انخفاض نسبة الهيموجلوبين في الدم إلى 6، وسط انعدام شبه تام للمناعة وفشل وظائف نخاع العظم.
ومرض فرفرية قلة الصفائح الدموية التخثرية، هو اضطراب مناعي يهاجم فيه الجهاز المناعي الصفائح الدموية ويدمرها بالخطأ، مم قد يُسبب نزفًا داخل الدماغ. وقد يهدد هذا النزف حياة المريض.
وخلف مأساة نسرين، تبدو صورة أوسع لانهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، التي تواصل تدهورها بعد مرور ثلاث سنوات من العدوان والاستهداف الإسرائيلي الممنهج، وسط حصار مشدد ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الحيوية، بما يضع آلاف المرضى والجرحى أمام خطر الموت المحقق.
مضاعفات حادة
لم يتوقف أثر نقص العلاج عند حرمان نسرين من الرعاية المنتظمة، بل امتد إلى مضاعفات صحية خطيرة تراكمت على جسدها؛ إذ أُجريت للطفلة سابقًا عملية استئصال للطحال للسيطرة على النزيف المستمر، إلا أن حالتها تفاقمت لتُصاب بهشاشة العظام، وقرحة المعدة، وتضخم الكبد، إضافة إلى نزيف متواصل من مختلف أعضاء جسدها، يشمل الأنف، الفم، العيون، وفقًا لما قالته والدة الطفلة لموقع "القاهرة الإخبارية".
وصرّحت السيدة جميلة الهسي، والدة الطفلة، أن نسرين بحاجة ماسة وعاجلة لعملية "زراعة نخاع شوكي" يُتبرع به من إخوانها الأطفال، لإنقاذ حياتها وإعادة تنشيط النزف الدموي بشكل طبيعي، وهو إجراء طبي لا يتوفر مطلقًا داخل القطاع في ظل الظروف الراهنة.
وأوضحت: "قبل الحرب، كنت أستطيع الذهاب إلى القدس بشكل أسبوعي لتلقي العلاج، وكانت هناك رعاية واهتمام، وطعام نظيف وتغذية صحية، إلى جانب بيت مناسب يوفر لابنتي الحد الأدنى من الاستقرار"، مضيفة: "أما اليوم، فلم يعد أيٌّ من ذلك متاحًا. لا علاج منتظم، ولا تغذية مناسبة، ولا ظروف معيشية ملائمة، وهو ما ينعكس بشكل واضح على حالة ابنتي ومعاناتها اليومية من كل هذه الظروف".
وتعيش "نسرين" حاليًا مع والدتها وإخواتها في غرفة غير صحية ببيت عائلتها، بعدما دمّر قصف الاحتلال منزلهم خلال الحرب، وفي ظل غياب الوالد المغترب خارج القطاع منذ 5 سنوات.
الاحتلال يتعمد شح الأدوية
من جانبه، أكد الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية، أن "الاحتلال الإسرائيلي يمارس سياسة "التقطير" في إدخال الأدوية والوقود، ويمنع دخول الأجهزة الطبية وقطع الغيار بشكل كامل، ما أدى إلى تدمير واهتلاك معظم الإمكانيات الصحية المتبقية في القطاع".
وذكر الدقران، خلال حديثه مع موقع "القاهرة الإخبارية"، أن الاحتلال يمنع توريد قطع الغيار والزيوت اللازمة للمولدات المتبقية، ما أجبر إدارة المستشفيات على قطع التيار الكهربائي عن بعض الأقسام وتبادل التغذية بينها جزئيًا، وهو ما يهدد بتوقف كامل لعدد من المستشفيات الرئيسية.
وفي هذا السياق، روت والدة الطفلة نسرين: "أضطر إلى سحب ابنتي سيرًا على الأقدام لمسافات طويلة باتجاه مستشفيات "أصدقاء المريض" أو "الرنتيسي"، وسط مسح دماء النزيف عن جسد الطفلة طوال الطريق، لأتفاجأ في أغلب الأحيان بعدم توفر العلاج نتيجة نقص الادوية في المستشفيات".
وتحوّلت رحلة العلاج بالنسبة إلى أسرة نسرين إلى معاناة يومية أخرى؛ فوسائل المواصلات تكاد تكون معدومة، والناقلات البديلة تمثل خطرًا مباشرًا على حياة الطفلة بسبب الاهتزازات والطرق المدمرة التي قد تتسبب بحدوث نزيف داخلي حاد. كما أن رحلات النزوح المتكررة لم تمر من دون كلفة صحية باهظة، إذ تعرضت خلالها الطفلة لحالات إغماء وغيبوبة حادة جراء النزيف الشديد.
وأوضح الدقران، أن "رصيد الأدوية المنقذة للحياة انخفض إلى صفر بنسبة 55%، بينما وصلت نسبة النقص في المستلزمات الطبية إلى 65%. مشيرا إلى معاناة المستشفيات من انعدام أدوية الأورام والعلاج الكيماوي، وأدوية العناية المكثفة والتخدير، إضافة إلى نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة كضغط الدم والسكر التي يحتاجها أكثر من 300 ألف مريض".
تخدير بدائي
في قطاع غزة، بات الاستمرار في تقديم الرعاية الطبية معجزة يومية وسط انهيار متكامل للمنظومة الصحية وشح حاد في الأدوية والمستلزمات الحيوية".. هكذا قال الدكتور صهيب الهمص، مدير المستشفى الكويتي، الذي حذر من كارثة إنسانية غير مسبوقة تطال جميع القطاعات الصحية في غزة، في ظل منع الاحتلال الصهيوني لإمدادات الأدوية الأساسية كالمسكنات، والمضادات الحيوية، وأدوية التخدير، إضافة إلى الشاش الطبي، والسرنجات، وأدوات التعقيم، وحتى المحاليل الوريدية الأكثر بساطة.
وأوضح الدكتور الهمص أن "غرف العمليات في القطاع باتت تعمل بأقل من ثلث طاقتها، حيث يُضطر الأطباء إلى تقليص الأعداد والاقتصار على العمليات الطارئة جدًا، مثل حالات الأورام والجراحات المعقدة التي تهدد الحياة أو تؤدي إلى فقدان الأعضاء، بينما أصبحت الجراحات الأخرى "رفاهية" لا يمكن التعامل معها في الوقت الراهن".
وأضاف مدير المستشفى الكويتي أن "نقص أدوية التخدير أجبر الطواقم الطبية على استخدام التخدير الموضعي والنصفي كخيارات اضطرارية لتجنب استهلاك المخدر العام، وفي أحيان كثيرة يُضطر الأطباء لاستخدام أدوية تخدير منتهية الصلاحية للتعامل مع الحالات الحرجة".
مستشفيات خارج الخدمة
وفيما يتعلق بوضع المنشآت الصحية، أشار المتحدث باسم وزارة الصحة إلى أن الاحتلال دمر وتسبب بخروج 22 مستشفى عن الخدمة من أصل 34 مستشفى حكومي وغير حكومي في القطاع.
ولفت إلى أن مستشفيات رئيسية مثل المستشفى الأوروبي، ومستشفى يوسف النجار، ومستشفى كمال عدوان، والمستشفى الإندونيسي، تقع حاليًا ضمن مناطق يسيطر عليها الاحتلال وتوقفت عن العمل تمامًا، بينما تعمل المستشفيات والمرافق المتبقية بشكل جزئي وفي ظروف قاسية للغاية.
وأوضح الدقران أن الاحتلال دمر أكثر من 52% من الأجهزة الطبية في القطاع، ولا سيما في أقسام العناية المكثفة، والمختبرات، ووحدات القلب، وغرف العمليات، وأقسام الاستقبال والطوارئ، وغسيل الكلى. كما طال الدمار أكثر من 60% من محطات الأكسجين والمولدات الكهربائية التي تُعد الشريان الرئيسي لتشغيل المستشفيات.
تذكرة مفتوحة للموت
حذّر الدكتور الدقران من كارثة صحية جديدة تتمثل في الانتشار الواسع للأمراض المعدية والجلدية، وأمراض الجهازين التنفسي والهضمي، نتيجة الظروف القاهرة التي يعيشها النازحون.
وبيّن أن أكثر من 80% من السكان أضحوا نازحين محتجزين في مساحة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، حيث يعيشون في خيام مهترئة بين مياه الصرف الصحي وتراكم القمامة وركام البيوت المهدمة، ما أدى إلى انتشار الحشرات والقوارض بشكل كبير، مفاقمًا أزمة المنظومة الصحية العاجزة عن الاستجابة.
وعلى صعيد الكوادر البشرية، كشف "الدقران" عن استشهاد أكثر من 1700 فرد من العاملين في القطاع الصحي من أطباء وممرضين وفنيين، بينما اعتقل الاحتلال نحو 360 آخرين، لا يزال أكثر من 80 منهم قيد الاحتجاز، وفي مقدمتهم د. حسام أبو صفية، ود. مروان الهمص، ود. أحمد الكحلوت.
وأشار إلى أن الطواقم الصحية المتبقية تعمل في ظروف معيشية ونفسية صعبة جدًا ودون رواتب منتظمة، حيث لا يتجاوز ما يتقاضونه 7% إلى 9% من رواتبهم كل ثلاثة أو أربعة أشهر. كما لفت إلى تدمير معظم الجامعات والكليات الطبية، مما يعرقل المسيرة التعليمية للكوادر المستقبلية.
جيل من الأجنة المشوّه
حذّر "الهمص" من الانتشار الحاد لمرض سوء التغذية والجفاف بين الأطفال في خيام النازحين، في ظل غياب محاليل العلاج. كما تشهد النساء الحوامل ظروفاً صحية بالغة القسوة، مع ارتفاع معدلات اكتشاف تشوهات الأجنة بسبب انعدام التغذية الجيدة والبيئة الصحية والمكملات الطبية الأساسية. أما عن حضانات الأطفال، فتواجه عجزًا كبيرًا، حيث يتم وضع طفلين أو ثلاثة في الحضانة الواحدة.
ولا تتوقف الكارثة عند حدود العلاج؛ إذ تشهد المستشفيات أزمة طاحنة في توفير مياه الشرب، والغذاء للمرضى والطواقم الطبية، والوقود وقطع غيار المولدات، مما يعطل مضخات المياه ويخرج الأجهزة الطبية عن الخدمة بشكل نهائي عند تعرضها للتلف.
وتناول "الهمص" الوضع الكارثي لمرضى غسيل الكلى الذين يعانون من نقص المحاليل وتقليص عدد الجلسات، إلى جانب الخطر المباشر الذي يهدد حياة زارعي الكلى بسبب الانقطاع التام لمثبطات المناعة. كما أشار إلى أن مرضى الأمراض المزمنة الذين يتجاوزون مئات الآلاف باتوا بلا أدوية، مما يؤدي لتعقيد حالتهم وتحولها إلى حالات خطيرة مهددة للحياة.
وعن مرضى السرطان، كشف "الهمص" عن وصول حالات كثيرة في مراحل متقدمة جدًا بسبب غياب التشخيص المبكر والعلاج؛ حيث تصل سيدات مصابات بسرطان الثدي في المرحلة الرابعة بعد انتشاره في العظام والرئتين، مشيرًا إلى أن الانتظار في قوائم التحويل الخارجي لرحلة العلاج أضحى شبه معجزة في ظل إغلاق المعابر.
مطالبة بإنقاذ عاجل
أكد الدقران وجود أكثر من 20 ألف مريض ومصاب بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، في حين يتلكأ الاحتلال في إجلائهم، مما أسفر عن وفاة أكثر من 1600 مريض أثناء انتظارهم للتنسيق الطبي خلال السنوات الماضية.
واختتم الدكتور خليل الدقران تصريحه بدعوة المنظمات الدولية والأممية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، للضغط الجاد على الاحتلال لإدخال الأدوية، والمستلزمات الطبية، والوقود، والمولدات، وفتح المعابر لإجلاء جميع المرضى والمصابين فورًا، مشددًا على أن المنظومة الصحية باتت على حافة الانهيار النهائي والتام إن لم يتم التحرك العاجل لإنقاذها.
أما السيدة جميلة، فقالت: "على الرغم من حصول الطفلة على نموذج تحويل طبي للعلاج بالخارج (نموذج 1) منذ أكثر من عامين، إلا أن أمل السفر تجدد الأسبوع الماضي للتوجه إلى الأردن عبر المعبر، لكن العائلة تفاجأت بعدم صدور التنسيق الأمني الخُاص بإخوانها المتبرعين، مما اضطرنا للعودة إلى شمال غزة دون جدوى".
من خلال موقع "القاهرة الإخبارية"، توجه والدة الطفلة نداءً عاجلًا إلى وزارة الصحة الفلسطينية، ومنظمة الصحة العالمية، والمؤسسات الدولية والإنسانية، وجميع أصحاب الضمائر الحية، للتدخل السريع وتسهيل خروج طفلتها مع إخواتها المتبرعين للعلاج خارج قطاع غزة، مؤكدة أن حالة نسرين هي "حالة طبية طارئة بأولوية قصوى وليست مجرد حالة إنسانية"، وأن كل يوم يمر دون علاج يقرّب الطفلة من خطر محقق.