تتكشف ملامح واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العصر الحديث في غزة؛ بعد مرور أكثر من 1000 يوم على اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، إذ لم تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية الهائلة، بل امتدت لتطال مختلف القطاعات الحيوية التي باتت تحتاج إلى سنوات، وربما عقود، لإعادة إعمارها واستعادة قدرتها على تقديم خدماتها.
وألقت الحرب بظلالها الثقيلة على القطاع الصحي الذي يواجه انهيارًا غير مسبوق؛ نتيجة استهداف المستشفيات ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، كما أصابت قطاع التعليم بشلل واسع؛ بعد تدمير مئات المدارس والجامعات وحرمان مئات الآلاف من الطلبة من مواصلة تعليمهم، في وقت تفاقمت فيه الأوضاع الاقتصادية مع ارتفاع معدلات البطالة وتكبُّد العمال الفلسطينيين خسائر فادحة.
قتل صامت
قال المتحدث باسم الصحة في قطاع غزة، الدكتور خليل الدقران، لموقع "القاهرة الإخبارية": "مرّ أكثر من ألف يوم على اندلاع حرب ضروس شنها الاحتلال على القطاع، ووقفت فيها الطواقم الطبية في الصفوف الأولى، تواجه شلالًا متدفقًا من الدماء؛ في ظل استهداف إسرائيلي معلن لمحو المنظومة الصحية وإعدام فرص الحياة"، مضيفًا: "تجاوزت الإبادة الممنهجة القصف العسكري إلى القتل الصامت بالتجويع والحرمان من الرعاية الطبية الأساسية".
أوضح الدقران أن "المستشفيات استقبلت، منذ بدء الحرب، 173,514 مصابًا و73,366 شهيدًا"، وفق ما وثقته سجلات وزارة الصحة، فيما لا يزال نحو 10 آلاف مفقودًا تحت الأنقاض.
وأضاف أنه من بين الضحايا 22 ألف طفل و11,200 امرأة، مشيرًا إلى أن الحرب خلّفت أكثر من 9 آلاف أم و22,500 أب بين الشهداء. كما وثقت الوزارة استشهاد 1,078 طفلًا دون العام الأول من العمر، بينهم 520 رضيعًا ولدوا واستشهدوا خلال الحرب.
استهداف مباشر
أكد الدقران أن المستشفيات تحولت إلى أهداف رئيسية لآلة الحرب الإسرائيلية، قائلًا: "تسبب قصف الاحتلال في تدمير أو إخراج 38 مستشفى و96 مركزًا للرعاية الأولية عن الخدمة، إلى جانب تدمير 197 سيارة إسعاف".
وأشار إلى استشهاد 1,723 من أفراد الطواقم الطبية، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون، إضافة إلى اعتقال 362 كادرًا صحيًا، لا يزال 83 منهم رهن الاحتجاز، من بينهم الطبيب حسام أبو صفية.
نقص حاد
حذر الدقران من تفاقم أزمة نقص الأدوية، لافتًا إلى أن نسبة العجز في الأدوية الأساسية بلغت 51%، وارتفعت إلى 65% في أدوية الرعاية الأولية، فيما بلغ العجز في المستهلكات الطبية 59%، ووصل إلى 90% في مستلزمات جراحة القلب.
وأضاف أن "أكثر من 25% من الأجهزة المخبرية متوقفة عن العمل، بينما خرج 76% من أجهزة التصوير الطبي عن الخدمة، في حين أصبحت خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي غير متوفرة بالكامل في القطاع".
وأوضح أن "43% من مرضى الفشل الكلوي تُوفوا؛ بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعذر تلقي العلاج خارج غزة، كما سجلت الوزارة 47% من حالات الإجهاض من إجمالي الولادات؛ نتيجة سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية والأدوية التخصصية".
وفيات بالجوع والأمراض
أشار الدقران إلى وصول 460 حالة وفاة، مرتبطة بالجوع وسوء التغذية، إلى مستشفيات القطاع، من بينهم 164 طفلًا، إضافة إلى وفاة 28 شخصًا بسبب البرد في مخيمات النزوح، بينهم 25 طفلًا.
كما لفت إلى وجود 21,367 مريضًا بحاجة إلى العلاج خارج قطاع غزة، بينهم 5,600 طفل و4,800 مريض سرطان، مؤكدًا أن تأخر إجراءات الإجلاء أدى إلى وفاة 1,517 مريضًا كانوا على قوائم انتظار السفر للعلاج.
انهيار تعليمي
صرّح صادق الخضور، المتحدث باسم وزارة التعليم الفلسطينية، بأن الوضع التعليمي في القطاع يعاني بشدة، وذلك رغم ما قامت به الوزارة من جهود عبر المدارس الافتراضية والنقاط التعليمية.
وأوضح الخضور أن آلاف الطلبة كان من الصعب عليهم الانخراط في التدخلات التعليمية في العام الأول من العدوان، مشيرًا إلى أن الوضع تتطلب من الوزارة تدخلًا لصالح أكثر من عشرين 20 طالب غادروا القطاع، تركز معظمهم في جمهورية مصر العربية.
وكان الوضع كارثيًا على صعيد ما لحق بالأبنية المدرسية والجامعية من دمار، كان للأسف كليًا في معظمه، فيما شملت الخسائر البشرية الطلبة والمعلمين وكوادر الجامعات، وفقًا لما قاله "الخضور" لموقع قناة "القاهرة الإخبارية".
فاقد ضخم
تعكس النسب والأرقام إن 90% من الأبنية المدرسية، البالغ عددها 309، تعرضت لتدمير من بين متوسط وكلي، وقرابة 60 مبنى تتبع للجامعات والكليات، إضافة إلى قرابة 650 ألف طالب مدرسي و90 ألف طالب جامعي انقطعوا عن الدراسة.
وقال الخضور: "تسببت الحرب على غزة في استشهاد أكثر من 20.480 طالبًا وإصابة أكثر من 31436 آخرين، أما عن الكوادر التعلمية، فسقط 1048 شهيدًا وأُصيب أكثر من 4784 آخرين، مع وجود آلاف الطلبة الذين باتوا من ذوي الإعاقات، وبالتأكيد 1000 يوم تعني ما مجموعه 850 يومًا من الفاقد التعليمي".
وذكر أن "العديد من المعلمين لا يستطيعون العودة للمسار؛ في ظل فقدان عائلته أو أنهم لا يجدون إمكانية للتواصل مع الطلبة الذين باتوا مشتتين. كما أن عددًا منهم فقدوا بيوتهم ويعانون أوضاعًا صعبة، وجزء منهم غادر القطاع".
نزيف العمال
كشف الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، في تقرير إحصائي، حصل موقع "القاهرة الإخبارية" على نسخة منه، أن الحرب خلّفت خسائر اقتصادية فادحة في صفوف العمال الفلسطينيين، إذ تجاوزت خسائرهم التراكمية 10 مليارات دولار منذ اندلاعها، فيما تُقدَّر الخسائر الشهرية للعمال الفلسطينيين الذين توقفوا عن العمل في سوق العمل الإسرائيلية بأكثر من 1.35 مليار شيكل.
كما ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 570 ألف عامل، وسُجِّلَت أكثر من 38 ألف حالة اعتقال لعمال فلسطينيين، إلى جانب مقتل 52 عاملًا أثناء محاولتهم كسب لقمة العيش؛ في ظل استمرار استهداف العمال وإغلاق المنشآت التي تشغلهم وفرض غرامات عليها، وفق ما أورده التقرير.
بطالة متفاقمة
أشار التقرير إلى أن نسبة البطالة بلغت 80% في قطاع غزة، و44% في الضفة الغربية، فيما تجاوزت الخسائر الشهرية للعمال 1.35 مليار شيكل، فضلًا عن فقدان أكثر من 80 ألف فرصة عمل داخل السوق المحلية.
كما لفت إلى إغلاق منشآت تُشغِّل عمالًا فلسطينيين وفرض غرامات عليها، فيما قال إن العمال المحتجزين تعرضوا، بحسب إفادات أوردها التقرير، لسوء المعاملة والتعذيب والتجويع خلال فترات التحقيق والاحتجاز.
أخيرًا، دعا كل هؤلاء المسؤولين، المجتمع الدولي، إلى الضغط من أجل فتح المعابر، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة، محذرين من أن استمرار الأوضاع الحالية ينذر بكارثة إنسانية.