تقترب الهند من تطبيق قيود جديدة على بيع الأطعمة والمشروبات الغنية بالدهون والملح والسكريات، المعروفة اختصارًا بـ HFSS، في محيط المدارس، في إطار مساعي السلطات للحد من الاستهلاك المتزايد للأغذية غير الصحية ومواجهة ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال.
وبحسب المقترح الحكومي الهندي، ستمنع أو تقيد مبيعات هذه المنتجات ضمن نطاق 50 مترًا من المدارس، وهي خطوة يتوقع أن تطال عددًا كبيرًا من المتاجر الصغيرة والمطاعم وأكشاك بيع الأغذية المحيطة بالمدارس في مختلف أنحاء البلاد، التي تضم نحو 1.5 مليون مدرسة.
حماية الأطفال
وفي خضم هذا الأزمة، قالت شيفانجالي سينج، التي تعيش في مدينة نويدا بمنطقة العاصمة الوطنية الهندية لحصيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست": "بذلت جهودًا كبيرة لتربية طفليها، البالغين 14 و10 أعوام، على نظام غذائي منزلي متوازن. والطفلان رياضيان ويمارسان التزلج على المستوى الوطني، وقد اعتادا تناول الطعام المطهو في المنزل ومشروبات مثل ماء جوز الهند بدلا من المشروبات الغازية والوجبات الخفيفة المالحة".
غير أن "سينج" أكدت أن حماية الأطفال من الأغذية غير الصحية أصبحت أكثر صعوبة بسبب انتشارها في كل مكان، من محيط المدارس إلى الفعاليات الرياضية.
وأوضحت أن رؤيتها لأطفال يعانون من السمنة عندما بدأ أبناؤها الدراسة أثارت قلقها، مضيفة أنها ترحب بالمقترح الحكومي، لكنها تشكك في قدرته وحده على تحقيق النتائج المطلوبة، في ظل الانتشار الواسع للأطعمة والمشروبات غير الصحية الموجهة إلى الأطفال.
تأتي هذه الإجراءات في وقت تشير فيه تقديرات الاتحاد العالمي للسمنة إلى ارتفاع عدد الهنود الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عامًا ويعانون من زيادة الوزن أو السمنة، من نحو 28 مليونًا عام 2015 إلى 41 مليونًا عام 2025.
وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع العدد إلى 56 مليونًا بحلول عام 2040، ما يضع السمنة وزيادة الوزن بين الأطفال في صدارة التحديات الصحية التي تواجهها الهند.
تقييد بيع المنتجات غير الصحية
ويرى خبراء في الصحة العامة تحدثوا لـ"ساوث تشاينا مورنينج بوست"، أن تقييد بيع المنتجات غير الصحية بالقرب من المدارس قد يكون جزءًا من الحل، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده، لأن الأطفال يتعرضون لهذه المنتجات في مناطق أخرى، ولا سيما داخل المنازل والأحياء السكنية ويقول خبير سياسات الصحة العامة بوبي جون إن الفكرة وراء السياسة المقترحة جيدة، لكنها تحتاج إلى إجراءات أوسع حتى تكون فعالة.
وأشار إلى أن الطفل قد يصل إلى المدرسة وهو يحمل وجبة أعدت في المنزل، وقد تحتوي هي الأخرى على المنتجات التي تسعى السياسة إلى الحد من استهلاكها، بينما يمكن شراء المنتجات نفسها بسهولة بالقرب من المنزل.
ودعا "جون" إلى تبني سياسة أكثر شمولًا تشمل تشجيع تناول الأغذية الصحية والمغذية في المدارس، إلى جانب تعزيز النشاط البدني، مثل المشي وركوب الدراجات واللعب في الهواء الطلق.
ولا ترتبط المشكلة فقط بتوافر الأغذية غير الصحية، إذ يلعب السعر وسهولة الحصول عليها دورًا مهمًا أيضًا. وفي السياق، يرى أمير الله خان، الأستاذ المساعد في السياسات العامة بمعهد تاتا للعلوم الاجتماعية، أن التوسع الحضري ساهم في زيادة شعبية الأطعمة الرخيصة والسريعة، مثل البيتزا والبرجر والعصائر المعلبة الغنية بالسكر.
ويقترح "خان" استخدام الضرائب كإحدى الأدوات للحد من الاستهلاك، موضحًا أن رفع أسعار المنتجات غير الصحية يمكن أن يسهم في خفض الطلب عليها.
في المقابل، يشير إلى أن ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه والحليب في الهند بصورة مستمرة يقلل من جاذبية الخيارات الغذائية الصحية أمام الأسر التي تبحث عن بدائل أقل تكلفة.
كما شدد على ضرورة توفير مساحات آمنة للأطفال لممارسة الرياضة واللعب، محذرًا من أن نمط الحياة الخامل يمثل أحد العوامل المهمة المرتبطة بالسمنة.
تجارب دولية
ولا تقتصر السياسات المتبعة دوليًا لمواجهة الأنظمة الغذائية غير الصحية على تقييد أماكن بيع المنتجات، ففي المملكة المتحدة، أُدخلت عام 2018 ضريبة على المشروبات الغازية المحلاة، تُفرض على الشركات المصنعة والمستوردين وفق مستوى السكر في المشروب. وتهدف الضريبة إلى تشجيع الشركات على خفض محتوى السكر في منتجاتها.
وترى سليمة رضوي، وهي خبيرة اقتصادية في مجال الصحة من حيدر آباد وباحثة لدى مركز كوبنهاجن للتوافق، أن فرض ضريبة مماثلة يمكن أن يكون خيارًا قابلًا للدراسة في الدول الآسيوية التي تواجه ارتفاعًا في معدلات السمنة بين الأطفال.
وفي الوقت نفسه، تثير "سليمة " تساؤلات بشأن مدى سهولة تطبيق حظر المبيعات بالقرب من المدارس، مشيرة إلى أن عمليات الرقابة والتنفيذ قد تكون مكلفة، وأن السلطات بحاجة إلى تقييم تكلفة إنفاذ القيود مقارنة ببدائل أخرى يمكن أن تعزز الصحة العامة.
وتؤكد "سليمة" أن معالجة المشكلة تحتاج إلى التركيز على تغيير السلوك الغذائي لدى الأطفال، وليس فقط منعهم من شراء منتجات معينة من أماكن محددة.
وتقول إن الأطفال قد يواصلون اختيار الأطعمة التي يفضلونها ما لم تتغير العادات والسلوكيات المرتبطة بالطعام، معتبرة أن مستويات السمنة الحالية تستدعي معالجة القضية على نطاق أوسع.
من جانبها، ترى ديباسري باسو، مستشارة في مدرسة "جي إم إنترناشيونال" في مومباي، أن بناء بيئة صحية للأطفال يجب أن يبدأ من المدرسة، من خلال مبادرات تساعد على ترسيخ العادات الصحية. ومن أمثلة ذلك استخدام الحدائق المدرسية في تعليم علوم النبات، بما يربط الأطفال بالطبيعة والغذاء والنشاط البدني.
كما تشدد "ترى ديباسري" على أهمية دور الأسرة، وتقترح أن يشارك الآباء أطفالهم في أنشطة خارج المنزل، مثل حضور الفعاليات الرياضية، بدلًا من قضاء عطلات نهاية الأسبوع أمام شاشات التلفزيون أو الهواتف المحمولة.