في حياة البعض لا تقاس المسيرة بعدد السنوات، وإنما بما تتركه من أثر، وربما كان الفنان خالد صالح أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فسنواته الفنية لم تكن طويلة، لكنه استطاع خلالها أن يصنع لنفسه مساحة خاصة في وجدان الجمهور، وأن يتحول من ممثل يقف في خلفية المشهد إلى نجم تتصدر أعماله الشاشات.
في مثل هذا اليوم الموافق 25 سبتمبر، تحل ذكرى رحيل خالد صالح، الذي غاب عن عالمنا عام 2014 عن عمر ناهز 50 عامًا، بعد رحلة لم تبدأ من بوابة الشهرة، وإنما من خشبة المسرح، مرورًا بأدوار صغيرة وتجارب عمل بعيدة عن الفن، وصولًا إلى البطولة والنجومية.
من قلب حياة صعبة وُلد خالد محمود صالح في 23 يناير 1964 بمدينة أبو النمرس بمحافظة الجيزة، وعاش طفولته في ظروف قاسية بعد وفاة والدته في سن مبكرة، ثم رحيل والده، ليتولى شقيقه الأكبر تربيته ورعايته.
وفي سنوات الجامعة، بدأ ارتباطه الحقيقي بالفن، فشارك في العروض المسرحية بكلية الحقوق، وانضم إلى مسارح الهواة، ومنها مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية.
كان المسرح بالنسبة إليه البداية، لكنه لم يكن الطريق السهل إلى الاحتراف.
سنوات بعيدًا عن الأضواء
بعد تخرجه في الجامعة عام 1987، اضطر خالد صالح إلى الابتعاد عن التمثيل لفترة، واتجه إلى العمل في مجالات مختلفة لتوفير مصدر دخل، فعمل في قيادة سيارة أجرة، وشارك شقيقه العمل في مصنع للحلوى، كما سافر إلى إحدى دول الخليج بحثًا عن فرصة عمل.
ورغم كل هذه التحولات، لم يغلق الباب أمام الفن، عاد إلى المسرح من جديد، وبدأ يشارك في أعمال بأدوار محدودة، ثم التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وظهر في بعض العروض في أدوار صغيرة جدًا، حتى إن وجوده في بعض المشاهد كان يقتصر على الوقوف في خلفية الصورة دون جملة حوار واحدة.
لكن تلك المساحات الصغيرة كانت بمثابة خطوات أولى نحو مكان أكبر.
لم يقتصر نشاط خالد صالح في مسرح الهناجر على التمثيل، إذ عمل مساعد مخرج، قبل أن تبدأ الفرص في السينما والتليفزيون في الظهور تدريجيًا.
جاءت مشاركته في فيلم "جمال عبدالناصر" عام 1996، ثم ظهر في مسلسل "أم كلثوم" عام 1999، قبل أن يتخذ قراره بالتفرغ للتمثيل عام 2000.
ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة في حياته؛ مرحلة لم يعد فيها الفن مجرد حلم مؤجل، وإنما مهنة ومسارًا اختار أن يخوضه حتى النهاية.
أدوار غيرت مسيرته
لم يكن خالد صالح من نوعية الفنانين الذين يكررون أنفسهم، فتنقل بين شخصيات متعددة، واستطاع أن يمنح حتى الأدوار الشريرة تفاصيل إنسانية وأبعادًا خاصة.
وفي عام 2004، جاءت واحدة من أبرز محطاته مع فيلم "تيتو"، عندما جسد شخصية العقيد رفعت السكري أمام أحمد السقا، في الفيلم الذي أخرجه طارق العريان.
الشخصية كانت من الأدوار التي أبرزت اسم خالد صالح لدى الجمهور، خاصة مع الجملة الشهيرة "أنا بابا يالا"، التي تحولت إلى واحدة من أشهر لزمات الفيلم.
ولم يتوقف عند منطقة الشر، بل قدم الكوميديا في "أحلى الأوقات" و"ملاكي إسكندرية" و"حرب إيطاليا" و"ثمن دستة أشرار"، وشارك في "ابن القنصل" و"عمارة يعقوبيان" و"النعامة والطاووس" و"ميدو مشاكل" و"حين ميسرة" و"بخيت وعديلة".
كما قدم شخصية صلاح نصر في "جمال عبدالناصر"، ليبرهن على قدرته على التعامل مع الشخصيات التاريخية إلى جانب الشخصيات الخيالية.
ظل خالد صالح ينتقل من دور إلى آخر، حتى جاءت لحظة مختلفة مع فيلم "هي فوضى" عام 2007، الذي شارك في إخراجه خالد يوسف.
جسد صالح شخصية حاتم، ووقف أمام منة شلبي، ليقدم شخصية تحمل قدرًا كبيرًا من القسوة والتعقيد، ويضع نفسه في قلب الأحداث باعتباره صاحب البطولة.
الفيلم كان محطة فارقة في مسيرته، وفتح أمامه مساحة أوسع لتقديم أدوار البطولة والشخصيات ذات التركيبة النفسية المعقدة.
ثم عاد للعمل مع خالد يوسف في "الريس عمر حرب" أمام هاني سلامة وغادة عبدالرازق، وواصل بعدها تقديم مجموعة من الأعمال السينمائية حتى وصل إلى "الجزيرة 2" عام 2014، الذي كان آخر أفلامه.
امتد نجاح خالد صالح من السينما إلى التليفزيون، وقدم خلال مسيرته عددًا من الشخصيات التي أكدت قدرته على التنقل بين الأدوار والمساحات الدرامية المختلفة.
شارك في "محمود المصري"، و"تاجر السعادة"، الذي حصل عنه على جائزة من مهرجان الإعلام العربي، إلى جانب "بعد الفراق"، و"9 جامعة الدول"، و"سلطان الغرام"، و"الريان"، و"حكايات زوج معاصر".
كما كان "حلاوة الروح" من آخر أعماله الدرامية، بعدما أنهى تصويره قبل رحيله، بينما كان "الجزيرة 2" آخر ظهور سينمائي لخالد صالح، لكنه لم يمهله القدر لمشاهدة الفيلم على الشاشة.
ولم تقتصر موهبته على الظهور أمام الكاميرا، إذ شارك بصوته في النسخة العربية المدبلجة من فيلم الرسوم المتحركة "نيمو".
رحل في سبتمبر 2014، قبل أيام قليلة من العرض الأول للعمل، لتنتهي مسيرة فنية بدأت قبل سنوات طويلة من الشهرة، لكنها لم تستغرق سوى نحو 14 عامًا منذ تفرغه للتمثيل.
لم يكن رحيله نهاية حضوره، فالأدوار التي قدمها ظلت تعاد على الشاشات، والجمل التي قالها تحولت إلى جزء من ذاكرة الجمهور، والشخصيات التي جسدها بقيت مرتبطة باسمه.
ربما بدأ خالد صالح متأخرًا عن كثير من أبناء جيله، وربما احتاج سنوات طويلة قبل أن يحصل على فرصته الحقيقية، لكن تجربته أثبتت أن تأخر الوصول لا يعني غياب الموهبة.