من ورش لتعليم صناعة الأفلام إلى مشروع سينمائي يسعى للاستمرار، ولدت فكرة "أكاديمية غزة للسينما"، التي تستهدف في المقام الأول دعم المواهب الفلسطينية ومنحها فرصة للتعبير عن واقعها من خلال السينما، ومع استمرار الحرب في قطاع غزة، اكتسب المشروع أهمية كبرى، في ظل آلاف الحكايات والتفاصيل الإنسانية التي تحتاج إلى أن تروى وتوثق في وقتها، حول هذا المشروع يفنّد المخرج الفلسطيني عز الدين شلح لموقع "القاهرة الإخبارية"، فكرة الأكاديمية، ورحلتها من الدبلوم إلى مشروع سينمائي مستدام، وأهمية توثيق حكايات غزة، إلى جانب طموحات الوصول بأفلام الطلاب إلى المهرجانات السينمائية حول العالم.
فكرة الأكاديمية التي بدأت قبل أكثر من عامين بالتوازي مع أنشطة مهرجان غزة لسينما المرأة، من خلال تنظيم ورش سينمائية ودورات تدريبية للنساء في غزة، قال عنها المخرج الفلسطيني إن التجربة تطورت لاحقًا إلى إطلاق دبلوم لصناعة الأفلام السينمائية قبل نحو عام، مشيرًا إلى أن النجاح الذي حققه الدبلوم دفع القائمون عليه إلى التفكير في استكمال التجربة بدلًا من التوقف عند انتهاء الدراسة.
وأضاف: "كان من الصعب أن نصل إلى هذه المرحلة ثم نتوقف، لذلك فكرنا في الاستمرار، وهذا الاستمرار يحتاج إلى كيان، وكان الأقرب أن يكون أكاديمية سينمائية، ولذلك أطلقنا عليها أكاديمية غزة للسينما".
وأشار إلى أن العمل على فكرة الأكاديمية تم بالتعاون مع المخرجة والمنتجة الفلسطينية مي المصري منذ البداية، قبل الإعلان عنها رسميًا خلال مهرجان فينيسيا السينمائي.
توثيق حكايات غزة
أوضح المخرج الفلسطيني أن قطاع غزة يعيش مرحلة مفصلية خلفت آلاف القصص والحكايات الإنسانية، وهو ما يجعل من الصعب تغطية هذه التجارب من خلال برنامج تدريبي واحد، مؤكدًا أن الأكاديمية ستتيح استقبال أفواج متتالية من الطلاب والطالبات، وإعداد جيل جديد من صناع الأفلام، خصوصًا أن الهدف لا يقتصر على تخريج متخصصين في صناعة السينما، وإنما منح الفلسطينيين أدوات تمكنهم من رواية تجاربهم وتوثيق واقعهم من داخل غزة.
وأكد عز الدين شلح أن الحرب جعلت وجود الأكاديمية أكثر إلحاحًا، خصوصًا أن توثيق الأحداث في وقتها يمثل أهمية كبيرة، موضحًا أن الانتظار إلى ما بعد انتهاء الحرب قد يؤدي إلى فقدان بعض التفاصيل أو غياب أصحاب الحكايات.
وقال إن توثيق التجارب في لحظتها يضمن الاحتفاظ بالتفاصيل الإنسانية التي قد يصعب استعادتها لاحقًا، مشددًا على أن الأفلام المنتجة يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وثائق وأرشيف بصري يحفظ ذاكرة غزة، وتوثيق ما جرى في القطاع، فضلًا عن دورها في نقل التجربة الفلسطينية إلى الأجيال المقبلة.
دعم المواهب
وحول اختيار الطلاب، أوضح "شلح" أن الأكاديمية ستبحث عن أصحاب الموهبة ومحبي السينما، ممن لديهم رغبة حقيقية في أن يكونوا جزءًا من رواية الحكاية الفلسطينية وتوثيق الواقع الذي يعيشونه، مشيرًا إلى أن الأكاديمية ستوفر تدريبات ومشروعات تخرج وفرصًا للإنتاج، إذ تتكفل الأكاديمية حاليًا بعدد من الأفلام التي يعمل عليها 25 طالبًا سبق لهم المشاركة في الدبلوم، على أن يتم إنتاجها دون رسوم على الطلاب، بهدف توفير فرصة حقيقية أمامهم لاستكمال مشروعاتهم والاستمرار في صناعة الأفلام.
المهرجانات الدولية
وأكد المخرج الفلسطيني أن دور الأكاديمية لن يتوقف عند إنتاج الأفلام، وإنما سيمتد إلى توزيعها وعرضها في المهرجانات الدولية، موضحًا أن العلاقات التي تربط القائمين على الأكاديمية بالمهرجانات السينمائية الدولية ستساعد في إيصال الأفلام إلى جمهور عالمي، بما يتيح تقديم السردية الفلسطينية من خلال صناعها وأصحاب تجاربها.
وأشار إلى أن وصول هذه الأفلام إلى الجمهور الدولي يمكن أن يسهم في تغيير الصورة النمطية، وتعزيز فهم المجتمعات المختلفة للقضية الفلسطينية وما يعيشه سكان القطاع.
وعن اختيار مهرجان فينيسيا للإعلان الدولي عن الأكاديمية، قال إن الهدف كان إطلاق المشروع من منصة سينمائية دولية تتيح بناء علاقات وشراكات مع المهرجانات والمؤسسات السينمائية حول العالم.
وأوضح أن الإعلان من فينيسيا يمثل خطوة مهمة في مسار التشبيك الدولي، ويفتح المجال أمام مزيد من التعاون والدعم للأكاديمية خلال المرحلة المقبلة.
حفظ ذاكرة غزة
وأكد المخرج الفلسطيني أن الحفاظ على ذاكرة غزة من خلال السينما يمثل أحد أهم أهداف الأكاديمية، موضحًا أن الأفلام التي يتم إنتاجها اليوم يمكن أن تصبح وثائق مرئية تساعد الأجيال المقبلة على معرفة ما حدث في هذه المرحلة.
وقال: "سيأتي جيل جديد، وإذا لم تكن لديه ذاكرة ووثائق مرئية بالصوت والصورة، فكيف سيعرف ما حدث في هذه الفترة؟ نحن نوثق ذلك كاملًا".
وعن طموحه للمستقبل، قال إنه يتمنى أن تصل الأكاديمية إلى تخريج الفوج العاشر، مؤكدًا أن الأهم بالنسبة له هو أن يستمر المشروع وأن يكون قد أدى دوره في الوقت الذي كانت فيه غزة في أمس الحاجة إلى توثيق حكاياتها، حتى إن لم نكن موجودون وقتها، نريد أن نطمأن أننا فعلنا شيئًا في الوقت الذي كان يجب أن نفعله".