في بلدة "سوسامي" الصغيرة الواقعة في شبه جزيرة "كي" في محافظة واكاياما اليابانية، ظهرت في نهاية تسعينيات القرن الماضي فكرة غير تقليدية ساعدت البلدة على جذب اهتمام السياح. فبدلًا من الاعتماد على المعالم السياحية التقليدية، قرر أحد موظفي البريد تحويل صندوق بريد عادي إلى تجربة استثنائية، من خلال وضعه في قاع البحر.
بداية الفكرة
كانت سوسامي تعاني من ضعف الحركة السياحية في نهاية التسعينيات، إذ كان عدد سكانها لا يتجاوز بضعة آلاف، كما لم تكن تمتلك معلمًا بارزًا يجذب الزوار للبقاء فيها بدلًا من المرور بها فقط.
وخلال فعالية محلية هدفت إلى الترويج لمسار كومانو كودو للحج (مسار روحي تاريخي سلكه الأباطرة والنبلاء والحجاج لزيارة الأضرحة المقدسة)، اقترح توشيهيكو ماتسوموتو، الذي عمل في قطاع البريد الياباني لنحو أربعين عامًا، إنشاء صندوق بريد تحت مياه خليج سوسامي.
وفي عام 1999، وبمساعدة أحد متاجر الغوص المحلية، تم وضع صندوق بريد أحمر على عمق يقارب عشرة أمتار تحت سطح الماء، وربطه رسميًا بشبكة البريد اليابانية.
كيف يعمل صندوق البريد؟
تبدأ التجربة بشراء الغواصين بطاقات بريدية مقاومة للماء. ويكتبون رسائلهم على اليابسة باستخدام قلم طلاء زيتي، ثم يحملون البطاقات معهم أثناء الغوص إلى قاع الخليج.
بعد الوصول إلى الصندوق، يضع الغواص البطاقة داخله. وعلى الرغم من وجوده في مياه البحر، فإن الصندوق مصمم بطريقة تسمح بجمع البطاقات والحفاظ عليها في مكانها بدلًا من انجرافها.
وبسبب تعرض الصندوق لمياه البحر والصدأ، يتم استخدام صندوقين بالتناوب. فبعد فترة من الاستخدام، يتم إخراج أحد الصندوقين لاستبداله بآخر، ثم إصلاحه وإعادة طلائه قبل استخدامه مرة أخرى.
كما يتولى أحد العاملين في متجر الغوص جمع البطاقات من الصندوق بشكل منتظم ونقلها إلى مكتب بريد سوسامي، حيث تستكمل رحلتها عبر النظام البريدي التقليدي حتى تصل إلى أصحابها.
رقم قياسي عالمي
وساعدت غرابة التجربة على انتشار شهرة صندوق البريد بين مجتمع الغواصين، وفي بداية الألفية الجديدة حصل الصندوق على اعتراف من موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، باعتباره أعمق صندوق بريد تحت الماء في العالم.
وفي عامه الأول، جمع الصندوق آلاف البطاقات البريدية، وهو ما ساعد على إثبات أن الفكرة لم تكن مجرد وسيلة دعائية، وإنما تجربة حقيقية مرتبطة بالنظام البريدي الرسمي.
ومع مرور السنوات، أصبحت سوسامي مقصدًا لبعض الغواصين الذين يزورون المنطقة بهدف خوض تجربة إرسال بطاقة بريدية من تحت سطح البحر.
وبحلول عام 2018، وثق فيلم وثائقي وصول عدد البطاقات التي أُرسلت من صندوق سوسامي تحت الماء إلى نحو 38 ألف بطاقة منذ إطلاق المشروع عام 1999.
واللافت أن شهرة المشروع انتشرت بدرجة كبيرة من خلال توصيات الغواصين وتجارب الزوار، وليس نتيجة حملة إعلانية ضخمة ومستمرة.
وقد تحولت الفكرة التي بدأت كمبادرة بسيطة ضمن فعالية محلية إلى واحدة من أكثر التجارب تميزًا في البلدة، وأصبحت جزءًا من هويتها السياحية.