الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل ينشط تنظيم "داعش" الإرهابي في الشمال السوري؟

  • مشاركة :
post-title
انتشار سابق لعناصر الأمن الداخلي السوري في أعقاب هجوم لتنظيم داعش الإرهابي بتدمر

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

رغم مرور أكثر من سبع سنوات على سقوط آخر معاقل تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا وانتهاء سيطرته على الأراضي التي أعلن منها ما سماه بـ"الخلافة"، فإن التنظيم لم يختفِ من المشهد السوري، وإنما أعاد تشكيل نشاطه وفق إستراتيجية تقوم على الخلايا الصغيرة والهجمات المباغتة واستنزاف القوات الأمنية والعسكرية بدلًا من السيطرة على المدن وإدارة الأراضي. وتتركز أهمية هذا النشاط بصورة خاصة في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من سوريا، التي مثّلت سابقًا جزءًا رئيسيًا من مناطق نفوذ التنظيم، وتتميز بطبيعة جغرافية تساعد الخلايا المسلحة على التخفي والحركة، إلى جانب استمرار وجود ملف المعتقلين وعائلات عناصر التنظيم.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه شمال شرق سوريا تحولًا أمنيًا وعسكريًا كبيرًا، بعد الاتفاقات التي أعادت مناطق واسعة من نفوذ قوات سوريا الديمقراطية إلى سلطة دمشق، بالتزامن مع عملية دمج القوات والهياكل الأمنية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية. وتمثل هذه الخطوة نقطة تحول في معادلة مكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي، خصوصًا أن قسد كانت الشريك المحلي الأساسي للتحالف الدولي في مواجهة التنظيم، وكانت تتولى كذلك حراسة آلاف من عناصره المحتجزين وإدارة مخيمات تضم أفرادًا من عائلاتهم.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: هل ينشط تنظيم "داعش" الإرهابي في الشمال السوري؟

طبيعة النشاط

يتخذ نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي في الشمال السوري عدة أنماط، ويمكن استعراض أبرزها على النحو التالي:

(*) الخلايا السرية بدل للسيطرة الميدانية: شهد أسلوب عمل تنظيم "داعش" الإرهابي تحولًا جوهريًا منذ فقدانه السيطرة الإقليمية في سوريا والعراق؛ فالتنظيم لم يعد يمتلك تشكيلات عسكرية قادرة على خوض مواجهات مفتوحة أو الاحتفاظ بالمدن، وإنما يعتمد على خلايا صغيرة تعمل بصورة سرية وتنفذ عمليات محدودة ضد القوات الأمنية والعسكرية. وتؤكد التطورات خلال 2026 أن تنظيم "داعش" الإرهابي لم يُهزَم تنظيميًا بصورة كاملة، فقد نفذت القوات الأمريكية وشركاؤها في سوريا سلسلة عمليات واسعة ضد التنظيم بعد هجوم ديسمبر 2025 في تدمر، وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن العمليات خلال نحو شهرين استهدفت أكثر من 100 موقع تابع للتنظيم الإرهابي، وأسفرت عن قتل أو اعتقال أكثر من 50 إرهابيًا.

(*) التمثيل في البيئات الأكثر حساسية: تتركز أهمية نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي بصورة أكبر في شمال شرق سوريا، ولا سيما مناطق الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور والمناطق المتصلة بالبادية، وهي مناطق ارتبطت بسيطرة التنظيم وعملياته. وتوفر هذه المناطق عددًا من العوامل التي يمكن أن يستفيد منها التنظيم الإرهابي، أبرزها اتساع المساحات وقلة الكثافة السكانية في بعض المناطق الصحراوية والريفية، إضافة إلى صعوبة تأمين الحدود والمسارات الصحراوية بصورة كاملة. ووفق الوكالة الأوروبية للجوء، بلغ عدد سكان مخيمي الهول وروج، في نهاية 2025، نحو 27 ألف شخص بصلات أو علاقات عائلية بتنظيم "داعش" الإرهابي، إضافة إلى نحو 9 آلاف رجل وصبي مرتبطين بالتنظيم أو مشتبه في ارتباطهم به داخل مرافق احتجاز في شمال شرق سوريا.

(*) السجون والمخيمات تمثل أحد أخطر ملفات التنظيم: لا يقتصر الخطر على العناصر التي تعمل خارج سيطرة السلطات، وإنما يمتد إلى آلاف المعتقلين المرتبطين بتنظيم "داعش" الإرهابي، إضافة إلى أفراد عائلاتهم الموجودين في مخيمات ومراكز احتجاز شمال شرق سوريا. ففي يناير، ومع تقدم القوات الحكومية وانسحاب "قسد" من بعض المواقع، ظهرت مخاوف من هروب سجناء تابعين للتنظيم الإرهابي، وأشارت تقارير إلى حادثة فرار من منشأة في الشدادي، قبل إعادة القبض على عدد من الفارين، ودفع هذا الوضع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ عملية كبيرة لنقل المعتقلين من سوريا إلى العراق.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في فبراير 2026، نقل أكثر من 5700 رجل بالغ من عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي المحتجزين في سوريا إلى العراق، في محاولة لمنع استغلال الفوضى الأمنية لتنفيذ عمليات هروب جماعية.

تحولات متعددة

أعادت التحولات في الشمال السوري تشكيل بيئة نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي، وذلك على النحو التالي:

(-) انتقال المسؤولية الأمنية من "قسد" إلى دمشق: أدى الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" إلى تغيير أساسي في معادلة السيطرة على شمال شرق سوريا، مع انتقال المسؤولية تدريجيًا من مناطق ومؤسسات كانت تحت إدارة "قسد" إلى الحكومة المركزية. ويمثل هذا التحول فرصة وتحديًا في الوقت نفسه بالنسبة لمكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي. فمن ناحية، يمكن لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة أن يوفر قيادة أكثر مركزية وقدرة أكبر على تنسيق العمليات الأمنية وملاحقة الخلايا. ومن ناحية أخرى، فإن مرحلة الانتقال وإعادة توزيع القوات والمهام قد تخلق ثغرات مؤقتة يمكن للتنظيم استغلالها، خاصة إذا حدثت إعادة انتشار واسعة للقوات أو تأخرت عملية دمج الأجهزة والهياكل الأمنية.

(-) خبرة "قسد" في مواجهة تنظيم "داعش" الإرهابي: كانت "قسد" خلال السنوات الماضية القوة المحلية الرئيسية التي قاتلت تنظيم "داعش" الإرهابي في شمال شرق سوريا بدعم من التحالف الدولي، وتمتلك خبرة واسعة في التعامل مع خلايا التنظيم وملاحقة عناصره وحراسة السجون. ومن ثم، فإن انتقال هذه المسؤوليات إلى دمشق لا يتعلق بمجرد نقل السيطرة على الأراضي، وإنما يتطلب نقل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية وقواعد البيانات وآليات مراقبة الخلايا. ويصبح هذا الأمر مهمًا للغاية لأن طبيعة داعش الحالية تعتمد على العمل السري؛ وبالتالي فإن المعلومات الاستخباراتية عن أماكن وجود العناصر وشبكات التمويل والاتصال أكثر أهمية من مجرد التفوق العسكري التقليدي.

(-) الفراغ الأمني: يُظهِر تاريخ تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق أن التنظيم يستفيد بصورة كبيرة من حالات الفوضى والصراعات المحلية والفراغ الأمني، ولهذا فإن المرحلة الانتقالية في شمال شرق سوريا تُمثّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطات السورية الجديدة على منع ظهور مناطق غير خاضعة للسيطرة الأمنية الفعلية. فإذا حدث فراغ في بعض المناطق الحدودية أو الصحراوية، قد تستخدمه خلايا التنظيم الإرهابي لإعادة تنظيم صفوفها أو إنشاء خطوط إمداد جديدة. لكن في المقابل، فإن وجود سلطة مركزية واحدة يمكن أن يكون عاملًا إيجابيًا على المدى الطويل؛ لأن تعدد القوى المسيطرة على المنطقة كان يُمثّل أحد التعقيدات التي واجهت جهود مكافحة التنظيم الإرهابي خلال السنوات الماضية.

(-) استمرار الدور الدولي في مواجهة التنظيم: رغم التغيرات التي طرأت على الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، فإن مكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي لا تزال تُمثّل أولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي. وتشير العمليات التي نفذتها القوات الأمريكية خلال 2026، إلى استمرار التركيز على منع التنظيم من استغلال المرحلة الانتقالية لإعادة بناء قدراته، بالتوازي مع نقل أعداد كبيرة من المعتقلين من سوريا إلى العراق لتقليل مخاطر هروبهم. ويعني ذلك أن دمشق لا تواجه التنظيم بمفردها، وإنما تتحرك داخل منظومة دولية للقضاء عليه، وهو ما قد يحد من قدرته على استغلال التحولات الأمنية في الشمال السوري.

(-) تحديات تكرار تجربة السيطرة على الأرض: على الرغم من استمرار نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي، فإن الظروف التي سمحت له بالسيطرة على مساحات واسعة بين سوريا والعراق لم تعد موجودة بالشكل نفسه. فالتنظيم يفتقد حاليًا إلى السيطرة على المدن والموارد والمؤسسات التي كانت تمنحه قوة مالية وعسكرية كبيرة، كما أن وجود أجهزة أمنية أكثر تنظيمًا واستمرار المراقبة الدولية والخبرة المتراكمة في مكافحة التنظيم، كلها عوامل تحد من قدرته على إعادة إنتاج تجربته السابقة. ولهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في عودة تنظيم "داعش" الإرهابي للسيطرة على مناطق واسعة، وإنما في استمرار نشاطه منخفض الكثافة كتنظيم يحاول استغلال نقاط الضعف الأمنية وتنفيذ هجمات متفرقة للحفاظ على وجوده.

ختامًا، يمكن القول إنه لا توجد مؤشرات موثوقة حاليًا تؤكد على أن تنظيم "داعش" الإرهابي استعاد قدرة السيطرة على أراضٍ واسعة أو إعادة تأسيس دولة شبيهة بتلك التي أقامها بين 2014 و2017، فالتنظيم أصبح أكثر اعتمادًا على المرونة والسرية والعمليات المحدودة، وهذا يكشف أن نشاطه ليس محصورًا في مناطق شمال شرق سوريا، وأن الخلايا يمكنها التحرك خارج مناطق وجودها التقليدي. وبالتالي، فإن معيار قياس قوة التنظيم الإرهابي في المرحلة الحالية لا يتمثل في حجم الأراضي التي يسيطر عليها، وإنما في قدرته على الحفاظ على شبكاته السرية واستقطاب عناصر جديدة وتمويل عملياته والوصول إلى أهداف أمنية وعسكرية.