الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

احتمالات الصدام التركي الإسرائيلي على الأراضي السورية

  • مشاركة :
post-title
القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في سوريا

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

أثارت الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب السورية في 18 أغسطس 2026 بحجة محاولة تركيا نشر دفاعات جوية ورادارات داخل سوريا تحد من حركة الطائرات الإسرائيلية في المجال الجوي السوري، العديد من التوقعات بشأن احتمالية الصدام بين تركيا وإسرائيل على الأراضي السورية، لاسيما أنه أعقب تلك الغارة تزايد وتيرة التصريحات الحادة بين الجانبين والتي جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصرِّح بأنه مستعد لوأد أي تهديد محتمل لأمن إسرائيل دفاعًا عن النفس، فيما وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الإسرائيلية قائلًا "إن الهجمات الإسرائيلية على سوريا وبيروت بلغت حدًا بات يهدد أمن تركيا أيضًا"، وهو ما جعل التوقعات تتأرجع بين التهدئة والتصعيد الذي يرتبط بالأساس بوجود مشروعين إقليميين متضادين لقوتين متنافستين على مستقبل ترتيبات الإقليم، وما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستتوسط بين الطرفين للتهدئة، والتوصل لحلول توافقية تحول دون تعقد الأزمة وتفاقمها، ومنع تحول التوترات إلى صراع ومواجهات عسكرية قد تؤدي إلى زعزعة استقرار سوريا وربما الإقليم برمته، في ظل ما تمثله سوريا من دور مركزي فى رؤية القوتين المتنافستين على مستقبل الإقليم وتحولاته المحتملة.

وتزايدت أهمية سوريا بالنسبة لتركيا بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، إذ دعمت تركيا العديد من الحركات المعارضة للنظام السابق، واتجهت أنقرة نحو التوغل في الأراضي السورية لملاحقة الجماعات الكردية التي تصفها بالإرهاب، إذ تعد سوريا عمقًا إستراتيجيًا لتركيا، وهو ما عبر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يونيو 2026 بأن "أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي (جنوبي تركيا)، وإنما من حلب ودمشق وبيروت".

في المقابل، تتجسد أهمية سوريا بالنسبة لإسرائيل في محاولات التمدد والتوسع في الأراضي السورية، وهو ما تزايدت وتيرته عقب سقوط نظام بشار الأسد وتولي أحمد الشرع مقاليد السلطة عقب دخول دمشق، فقد قامت إسرائيل بالضم القسري لمنطقة جبل الشيخ وأجزاء من محافظتي القنيطرة وريف دمشق، فضلًا عن شنِّها العديد من الغارات على مناطق متفرقة من البلاد، وتدمير منظومات صواريخ وطائرات وسفن سورية.

تأسيسًا على ما سبق: يسعى التحليل للاجابة على تساؤل محوري حول مدى احتمالية الصدام التركي الإسرائيلي على الأراضي السورية ودوافعه ومساراته المستقبلية؟

دوافع متنوعة

تتنوع دوافع التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا بين طموحات سياسية، ومنافع اقتصادية، وتنافس وتمدد إقليمي، وهي الدوافع التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) ملء الفراغ: منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 في سوريا، بدا أن ملء الفراغ الذي خلفه غياب النظام الذى ظل يحكم سوريا لما يزيد على نصف قرن يحتاج لمن يملؤه، في ظل سعي قوى دولية وإقليمية للصراع على سوريا ولديها مطامع ومصالح متضاربة ومتناقضة ومتقاطعة، منها روسيا وأمريكا، ورغبتهما في إعادة التموضع بسوريا وتوظيفها في لعبة توازنات القوى الدولية، ومستقبل ترتيبات النظام الدولي والصراع الروسي الأمريكي الأوروبي على موارد الشرق الأوسط وفي مقدمتها النفط السوري، ومصالح أخرى إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها في الداخل السوري، وبدا أن قوتين إقليميتين متنافستين إقليميًا -هما تركيا وإسرائيل- تسعيان لتعزيز نفوذهما في سوريا وتوظيفها في تنافسهما الإقليمي.

(*) التنافس الإقليمي: يشكل التنافس الإقليمي بين تركيا وإسرائيل أحد الدوافع الرئيسية لتوتر العلاقات بينهما وتزايد وتيرته فى الفترة الأخيرة فى سوريا، ويعود ذلك التنافس الاقليمي بالأساس إلى وجود مشروعين متضادين ومتنافسين على مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي، فإسرائيل التي عجزت عن توقع عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، وعانت بعدها من هجرة داخلية من المستوطنات المحاذية لمناطق المواجهات على الحدود مع غزة ولبنان وحتى سوريا، ولم تقتصر الهجرة فقط على مستوى الداخل، بل امتدت إلى عملية نزوح إلى خارج إسرائيل جعلت عددًا من التحليلات تصفها بـ"الدولة الفندق"، وهو ما جعل مشروع الاستيطان الإسرائيلي في أضعف حالاته، وفي حالة من الانكماش والتراجع تجسدت فى إخفاق نتنياهو على كل الجبهات التي سعى لاشعال النيران بها، وتزايدت المعارضة لسياساته على مستوى الداخل والمطالبة باسقاطه ومحاكمته، أما المشروع التركي فإنه ينصب بالأساس على توظيف القدرات التركية للتمدد في الإقليم استنادًا لحقائق التنمية في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والتصنيعية، لذلك بدت سوريا كمجال أرحب للتنافس بين القوتين الإقليمتين (إسرائيل وتركيا) بعيدًا عن الاستهداف المتبادل لأراضيهما كما حدث مع إيران.

(*) توظيف أزمات الإقليم: سعت كل من إسرائيل وتركيا إلى توظيف أزمات الإقليم لخدمة مشروعيهما المتنافسين، وهو ما شكل دافعًا لتوتير العلاقات بينهما، فقد اتهمت تركيا إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وهو ما رفضته الأخيرة، وأعلنت تركيا قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل في مايو 2024، مشيرة إلى "تفاقم المأساة الإنسانية" في الأراضي الفلسطينية، وفي يونيو 2026 اعترفت الحكومة الإسرائيلية رسميًا بعمليات القتل الجماعي التي تعرض لها الأرمن خلال حكم الدولة العثمانية بوصفها "إبادة جماعية"، وبعد بضعة أيام من غارة أبو الظهور، أعلنت تركيا أنها تعتزم استصدار مذكرة توقيف دولية من الإنتربول بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار دعوى جنائية محلية تتعلق بالهجوم على نشطاء "أسطول الصمود العالمي" الذي كان يحمل مساعدات إنسانية لغزة.

(*) المنافع اقتصادية: يشكل تعارض المصالح التركية والإسرائيلية في سوريا أحد الأبعاد الإستراتيجية للتوتر بينهما، إذ تمثل منطقة شرق المتوسط مجالًا للتنافس بين أنقرة وتل أبيب، فقد أبرمت إسرائيل اتفاقيات تعاون في مجالات الدفاع والطاقة والأمن مع كل من اليونان وقبرص، وهو ما تعترض عليه تركيا، التي تشعر بالقلق على وجه الخصوص إزاء حصول قبرص على أسلحة إسرائيلية متقدمة، وترى أنه قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الجزيرة المقسمة، كماعارضت تركيا مشروع ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) لأنه تفادى المرور عبر أراضيها.

(*) تنامى الخطابات العدائية: يشكل تبادل الخطابات العدائية بين تركيا وإسرائيل أحد دوافع توتير العلاقات بينهما والتهديد بصدامات محتملة على الأراضي السورية، فعلى سبيل المثال، في فبراير 2026 وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تركيا بأنها "إيران الجديدة"، وتنديده بمحاولة تركيا بناء "محور سني" لعزل إسرائيل، في المقابل صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "الغارات الإسرائيلية في سوريا ولبنان بلغت حدًا بات يهدد أمن تركيا أيضًا".

مسارات محتملة

تمثل دوافع التوتر السابقة التركية الإسرائيلية محددات حاسمة لمسارات العلاقة بينهما، وما إذا كانت ستفضى إلى مواجهات على الأراضي السورية، لذلك يمكن طرح مساران محتملان لا ثالث لهما وهما كالتالي:

المسار الأول هو المسار التصادمي بين القوتين المتنافستين بمشروعين متضادين: ويجد هذا السيناريو سنده في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لفتح العديد من الجبهات للصراع الخارجي بعد أن أصبح مستقبله السياسي على المحك، وبعد أن توصلت العديد من استطلاعات الرأي في إسرائيل حول انتخابات الكنيست القادمة في أكتوبر 2026، إلى نتيجة تكاد تكون شبه مؤكدة مؤداها هي هزيمة ائتلاف نتنياهو في تلك الانتخابات، يضاف إلى ذلك الضغوط الأمريكية الداعمة لتطبيق المرحلة الثانية من بنود اتفاق إنهاء الحرب في غزة، والتي تم توقيعها في شرم الشيخ أكتوبر 2025، دفعت بتباعد بين نتنياهو وترامب وجعلت الأخير يرفض التعليق على أسئلة من صحفيين حول مدى دعمه للأول في انتخابات الكنيست القادمة، ويجعل ذلك من سوريا خاصرة رخوة تدفع نتنياهو لتوظيفها في صراعه السياسي من خلال محاولته إلغاء انتخابات الكنيست القادمة بحجة أن إسرائيل تواجه حروبًا تشنها قوى إقليمية لديها أجندات تمثل تهديدًا وجوديًا لأمن وبقاء إسرائيل.

المسار الثاني، هو مسار التهدئة (وهو المسار الأرجح): يعزز من ذلك السيناريو التوقع باحتمالية تدخل الولايات المتحدة بوساطة ناجزة للتهدئة، وذلك لارتفاع تكلفة الصراع التركي الإسرائيلي الممتد على الاستقرار الإقليمي، وعلى الواقع السوري ذاته، يضاف إلى ذلك وجود كوابح لهذا التصعيد منها: صعوبة مواجهة إسرائيل لتركيا عسكريًا على الأراضي السورية لاسيما بعد فشلها في حسم الحرب مع إيران، واستدراج ترامب لتلك المواجهة التي لم تُحسم بعد، في ظل تمتع تركيا بعضوية حلف الناتو، ورفض الحلف وغالبية دوله للسلوك الإسرائيلي والانتهاكات الاسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، وإدانة تلك الانتهاكات الإسرائيلية على مستوى المجتمع الذي شهد مظاهرات في كل الدول الأوروبية وجامعاته وعلى مستوى الحكومات أيضًا التي اتخذت إجراءات حاسمة، ومنها رفض قيادات حلف الناتو الانخراط في الحرب على إيران ووصف ترامب للحلف بأنه نمر من ورق والتهديد بالانسحاب منه، كما تمتلك تركيا أيضًا علاقات راسخة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها استضافة تركيا لقاعدة إنجرليك لحلف الناتو.

مجمل القول: يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتوتير العلاقة مع تركيا في سوريا أملًا في التوصل لمخرج من أزمته المعقدة التى يهددها إجراء انتخابات الكنيست في موعدها المحدد في أكتوبر 2026، وإدراكه أنها ستكون نقطة التحول في مستقبله السياسي في ظل توقعات استطلاعات الرأي الإسرائيلية بأن سقوط نتنياهو وائتلافه احتمال شبه مؤكد، وعليه تمثل الجبهات التي يحاول فتحها طوق نجاة له ولائتلافه بعد أن تباعدت العلاقة بينه وبين ترامب الذي أدرك مؤخرًا أن نتنياهو ورَّطه في حروب وأزمات الشرق الأوسط وارتفاع تكلفته الاقتصادية والسياسية، والتي سيدفع هو أيضًا ثمنها في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي نوفمبر 2026.