يعكس الهجوم الذي شنَّه تنظيم داعش في غرب إفريقيا على القاعدة العسكرية المتقدمة في منطقة مايراري بولاية بورنو، في 16 ديسمبر 2025، أقصى الشمال الشرقي في نيجيريا، مستوى متقدمًا من تعقيد المشهد الأمني في البلاد، ويؤكِّد في الوقت ذاته أن التنظيمات الإرهابية ما تزال قادرة على التخطيط والتنفيذ رغم الضربات العسكرية المكثَّفة التي تعرضت لها خلال الفترة الأخيرة. فعلى الرغم من إعلان الجيش النيجيري إحباط الهجوم ومنع أي اختراق للقاعدة، فإن طبيعة العملية نفسها – من حيث التنسيق الزمني، واستخدام آليتين مفخختين، والاشتباك المباشر مع القوات، وتزامنها مع هجمات انتحارية وعمليات خطف في ولايات أخرى – تكشف عن تحوُّل نوعي في أنماط عمل التنظيم، وعن سعيه للانتقال من الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة والضغط الميداني.
وتأتي هذه التطورات في سياق أمني بالغ الهشاشة تشهده نيجيريا خلال الأشهر الأخيرة، حيث يتداخل نشاط التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها "داعش في غرب إفريقيا" و"بوكو حرام"، مع تصاعد لافت لدور العصابات الإجرامية وقُطَّاع الطرق، خصوصًا في ولايات الشمال والشمال الغربي والمنطقة الوسطى. كما يتزامن ذلك مع ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة على الحكومة النيجيرية، في ظل الأزمات المعيشية، وتراجُع ثقة الرأي العام في قدرة الدولة على فرض الأمن، إلى جانب انتقادات داخلية وخارجية متنامية لفاعلية المقاربة الأمنية المعتمدة التي ما تزال تميل إلى الحلول العسكرية دون معالجة كافية للجذور البنيوية للصراع.
وتأسيسًا على ما تقدَّم، يسعى التحليل إلى الإجابة عن سؤال: ما تداعيات هجوم تنظيم داعش في غرب إفريقيا على القاعدة العسكرية في بورنو؟
دوافع متداخلة
جاء هجوم التنظيم على القاعدة العسكرية في مايراري مدفوعًا بحزمة من الدوافع المتداخلة، تتمثل في:
(*) إثبات الوجود وإعادة التموضع الميداني: يُعد السعي إلى إثبات الاستمرارية والقدرة على المبادرة أحد أبرز دوافع الهجوم، خاصة في ظل الضربات الجوية والبرية التي استهدفت معاقل التنظيم ومراكزه اللوجستية في ولاية بورنو ومحيط بحيرة تشاد. فالتنظيم يدرك أن الحفاظ على الزخم العملياتي عنصر حاسم في بقائه، ويحرص على توجيه رسائل متكررة مفادها أنه لا يزال لاعبًا فاعلًا قادرًا على تهديد القواعد العسكرية، وليس مجرد جماعة مطاردة أو في طور الانحسار.
(*) الرد على التفوق الجوي والاستخباراتي للجيش النيجيري: يأتي الهجوم في سياق رد مباشر على النجاحات التي حققها الجيش النيجيري، لا سيما الضربات الجوية التي دمرت مراكز إمداد وورشًا لوجستية، وأدت إلى تحييد قيادات ميدانية وعناصر مؤثرة داخل التنظيم. ومن ثم، يمكن قراءة الهجوم باعتباره محاولة لرفع كلفة هذه العمليات على الجيش، وإرسال رسالة تحذيرية بأن استمرار التفوق الجوي والاستخباراتي لن يمر دون رد.
(*) اختبار جاهزية القواعد العسكرية المتقدمة: تعتمد الإستراتيجية العسكرية النيجيرية في شمال شرق البلاد على نشر قواعد متقدمة في مناطق نائية لقطع خطوط الإمداد، ومراقبة تحركات الجماعات المسلحة. وفي هذا السياق، يسعى التنظيم إلى اختبار مستوى الجاهزية الدفاعية لهذه القواعد، ورصد نقاط الضعف المحتملة، سواء عبر الهجمات المباشرة أو باستخدام آليات مفخخة؛ تمهيدًا لتطوير تكتيكات أكثر تعقيدًا مستقبلًا.
(*) استمرار التنافس مع جماعة بوكو حرام: لا يمكن فصل دوافع الهجوم عن التنافس المستمر بين داعش في غرب إفريقيا وبقايا جماعة بوكو حرام، إذ يتصارع الطرفان على النفوذ والسيطرة، ومصادر التمويل، وقواعد التجنيد. ومن خلال تنفيذ هجوم منسق وواسع النطاق، يسعى داعش إلى تعزيز صورته بوصفه التنظيم الأكثر تنظيمًا وقدرة، على حساب الجماعات المنافسة.
(*) تحقيق تأثير نفسي وإعلامي: حتى مع فشل الهجوم عسكريًا، فإن الإعلان عن محاولة استهداف قاعدة عسكرية باستخدام سيارات مفخخة يحقق للتنظيم مكاسب نفسية وإعلامية مهمة. إذ يراهن التنظيم على إرباك القوات، وبث الخوف والقلق في صفوف السكان المحليين، وتعزيز السردية التي تروج لضعف سيطرة الدولة على الأطراف النائية.
تداعيات الهجوم
يحمل الهجوم في بورنو جملة من التداعيات المباشرة وغير المباشرة، يمكن رصد أبرزها على النحو التالي:
(*) تعزيز الإجراءات العسكرية وتكثيف العمليات الهجومية: من المرجح أن يدفع الهجوم الجيش النيجيري إلى توسيع نطاق عملياته الهجومية في ولاية بورنو من خلال تكثيف الضربات الجوية، وتعزيز الدوريات البرية، وتوسيع عمليات التمشيط في المناطق الحدودية والغابات والمسارات اللوجستية. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرات التنظيم على المدى القصير، إلا أنه قد يدفعه في المقابل إلى تبني تكتيكات أكثر لا مركزية ومرونة.
(*) تصاعُد خطر العمليات الانتقامية: إن إحباط الهجوم لا يعني بالضرورة تراجع التهديد، بل قد يشكِّل حافزًا للتنظيم لتنفيذ عمليات انتقامية سريعة، سواء عبر هجمات انتحارية، أو استهداف قوافل عسكرية، أو تصعيد عمليات الخطف والاغتيال، خصوصًا في المناطق الريفية الهشة أمنيًا.
(*) تزايد الضغوط السياسية على الحكومة النيجيرية: يسهم الهجوم، إلى جانب سلسلة الحوادث الأمنية المتفرقة في ولايات أخرى، في تعميق الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن فشلها في احتواء التدهور الأمني. كما يعزز مطالبات الرأي العام والنُخَب السياسية بإعادة تقييم الاستراتيجية الأمنية، وتحسين التنسيق بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية.
(*) التأثير على المجتمعات المحلية: تؤدي الهجمات المتكررة إلى زيادة مخاوف السكان المحليين، وتفاقم أزمات النزوح، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية والزراعية في شمال شرق نيجيريا. كما قد تضعف ثقة بعض المجتمعات في قدرة الدولة على توفير الحماية، ما يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لاستغلال الفقر والتهميش في عمليات التجنيد.
(*) تداعيات إقليمية عابرة للحدود: بحكم الموقع الجغرافي لولاية بورنو على الحدود مع الكاميرون وتشاد والنيجر، فإن أي تصعيد أمني فيها ينعكس مباشرة على أمن دول الجوار. وقد يدفع ذلك إلى تعزيز التعاون العسكري الإقليمي ضمن إطار القوة متعددة الجنسيات، لكنه في المقابل يزيد من تعقيد الصراع واتساع نطاقه الجغرافي.
في المحصلة، يكشف هجوم تنظيم داعش في غرب إفريقيا على القاعدة العسكرية في بورنو، عن صراع مفتوح لم يُحسم بعد، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية. ورغم نجاح الجيش النيجيري في إحباط الهجوم ومنع اختراق القاعدة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق انتصارات تكتيكية، بل في منع تكرار هذه الهجمات عبر معالجة الجذور البنيوية للأزمة الأمنية، وفي مقدمتها ضعف التنمية، وهشاشة الحدود، وتعدد الفاعلين المسلحين. فغياب التنسيق عن الحلول العسكرية، سيظل شمال نيجيريا مسرحًا لهجمات متقطعة تُبقِي الاستقرار رهينة لاحتمالات التصعيد المستمر.