الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما تأثير مقتل "أبو بلال المينوكي" على حركة تمويل داعش في غرب إفريقيا؟

  • مشاركة :
post-title
أثارت عملية أمريكية نيجيرية مشتركة جدلاً واسعاً بعد مقتل أحد كبار قادة تنظيم داعش، أبو بلال المينوكي، الذي كان الجيش النيجيري أعلن بالفعل عن وفاته

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في يوم السبت الموافق الـ16 من مايو 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل "أبو بلال المينوكي" الذي وصفه بالرجل الثاني في تنظيم داعش على مستوى العالم، في عملية مشتركة بين القوات الأمريكية والنيجيرية نُفذت يوم الجمعة 15 مايو 2026، ووصف ترامب العملية بأنها مُخطَّط لها بدقة ومعقدة للغاية.

وعلى الرغم من أنه لم يُكشَف عن الموقع الدقيق للضربة، إلا أن السلطات النيجيرية صرحت لاحقًا بأن العملية نُفِذَت في حوض بحيرة تشاد، وهي منطقة لطالما كانت بمثابة قاعدة للجماعات المسلحة والإرهابية العاملة في جميع أنحاء نيجيريا والدول المجاورة.

وتُعد هذه العملية الأحدث بين الولايات المتحدة الأمريكية ونيجيريا منذ بدء شراكتهما الأمنية العام الماضي، عقب ادعاء ترامب استهداف المسيحيين في الأزمة الأمنية النيجيرية وتهديده بالتدخل العسكري الأمريكي.

يُعرَف "المينوكي" بأبو بكر بن محمد بن علي المينوكي، ووُلِد في مقاطعة بورنو النيجيرية عام 1982، وتولى قيادة فرع تنظيم داعش في غرب إفريقيا بعد مقتل زعيم التنظيم السابق في المنطقة مامان نور عام 2018. وكان يُنظر إلى "المينوكي" على أنه الشخصية الرئيسية في تنظيم وتمويل داعش، إذ خطط مرارًا لشن هجمات ضد الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها. وكان المينوكي متمركزًا في منطقة الساحل الإفريقي، ويُعتقَد أنه قاتل في ليبيا عندما كان تنظيم داعش نشطًا في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا قبل أكثر من عقد من الزمان، وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات عليه في يونيو 2023 بموجب عقوبات مرتبطة بالأمر التنفيذي رقم 13224. ووُصِف المينوكي بالرجل الثاني؛ نظرًا لترقيته إلى منصب رئيس المديرية العامة للدول، ما يجعله ثاني أعلى قيادي في التسلسل الهرمي العالمي لتنظيم داعش.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما تأثير مقتل "أبو بلال المينوكي" على حركة تمويل داعش في غرب إفريقيا؟

تأثير محوري

يحمل مقتل شخصية كأبي بلال المينوكي على يد القوات الأمريكية والنيجيرية أهمية كبرى تتجلى في:

(*) إظهار التغييرات التكتيكية في عمليات داعش بغرب إفريقيا: أظهرت العملية المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية ونيجيريا مدى تطوُّر الخبرة القتالية لدى عناصر داعش، إذ دخلوا مرحلة جديدة من حرب العصابات في بيئة الصراع النيجيرية، واتضح ذلك في تكثيف الهجمات الليلية على التشكيلات العسكرية، وتنسيق الغارات باستخدام فرق هجوم متنقلة، ونشر طائرات مُسيَّرة مسلحة للمراقبة والهجمات، واستخدام أكثر تطوُّرًا للعبوات الناسفة المرتجلة، وتجدد حملات التفجيرات الانتحارية، وتحسين الاتصالات الميدانية والتنسيق اللوجستي. 

وقبل هذا التطور، كانت العديد من هجمات المتمردين في الشمال الشرقي محلية إلى حد كبير ويمكن التنبؤ بنمطها، لكن مع مرور الوقت بدأ تنظيم داعش في غرب إفريقيا في إظهار تكتيكات مرتبطة بعمليات داعش في العراق وسوريا، ولا سيما استخدام الهجمات الليلية المفاجئة المصممة لإغراق المواقع العسكرية المعزولة قبل وصول التعزيزات، بجانب الطائرات المُسيَّرة، وكان يُعتقَد أن أبو بلال المينوكي هو محور هذا التحول الجذري العملياتي.

(*) زعزعة هيكل القيادة والتنسيق لتنظيم داعش في غرب إفريقيا: لا تقتصر أهمية مقتل أبو بلال المينوكي على كونه قائدًا ميدانيًا بارزًا، بل كان يمثل حلقة الوصل بين القيادة المركزية لتنظيم داعش والفروع النشطة في غرب إفريقيا، وكان مسؤولًا عن التنسيق العملياتي واللوجستي، إلى جانب الإشراف على شبكات التمويل والتجنيد، وتوجيه عمليات احتجاز الرهائن، وبالتالي، فإن تصفيته قد تؤدي إلى حالة من الارتباك داخل التنظيم، وتعطيل آليات اتخاذ القرار، وإضعاف القدرة على تنفيذ هجمات معقدة ومنسقة. 

ويشير النجاح في تحديد مكانة شخص بحجم "المينوكي" والقضاء عليه إلى اختراق استخباراتي عميق لشبكات كانت تُعد في السابق شديدة الحماية، كما أنها ضربة موجعة لداعش، فمن المتوقع أن يؤدي عزل المينوكي إلى زعزعة هيكل القيادة الإقليمية لداعش على الرغم من استمرار وجود التنظيم في نيجيريا وبوركينا فاسو ومالي والنيجر. وادّعى ترامب أن الضربة ستُضعِف بشكل كبير عمليات داعش العالمية.

(*) مخاوف دولية بشأن توسُع أنشطة داعش في غرب إفريقيا: بالرغم من أن القضاء على "المينوكي" بمثابة إنجاز هام إلا أن مقتله لا يعني هزيمة داعش في المنطقة، فكثيرًا ما تم القضاء على قيادات بارزة بالتنظيم لكن لا يزال التنظيم يُظهِر مرونته بعد مقتل قياداته، كما أن التنظيم نجا مرارًا وتكرارًا من الانقسامات الداخلية بهيكله التنظيمي. ولم يكن داعش قائمًا على أيدولوجيته فحسب، بل يظل وجوده مرهونًا بعوامل أخرى محيطة به، كالأوضاع الاقتصادية بالدولة، والنزوح، وغياب دور الدولة في المناطق النائية؛ مما يتسبب ذلك في توفير فرص للتجنيد والانضمام لصفوفه، وبالتالي تكثيف العمليات الإرهابية في المنطقة برمتها؛ لترميم هيكله.

(*) تعزيز التعاون الأمني بين الولايات المتحدة الأمريكية ونيجيريا: تندرج العملية المُعلَنة ضمن تعاون أمني أوسع بين الولايات المتحدة الأمريكية ونيجيريا يستهدف تنظيم داعش والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في غرب إفريقيا، وشملت أنشطة عسكرية أمريكية سابقة، وغارات جوية على مسلحين مرتبطين بتنظيم داعش في نيجيريا. وواصلت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها المشتركة مع القوات النيجيرية، والتي تركز على تبادُل المعلومات الاستخباراتية وتقديم الدعم التدريبي. وتؤكد نيجيريا أن عملياتها لمكافحة الإرهاب تستهدف الجماعات المسلحة بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو العرقية، رافضةً مزاعم الاستهداف الانتقائي، بما يشير إلى التحول في إستراتيجية مكافحة الإرهاب والانتقال النسبي من نمط حرب الاستنزاف إلى إستراتيجية متقنة في استهداف القيادات المؤثرة. فالعملية تمثل تحولًا إستراتيجيًا في توجهات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، في أعقاب انسحابها من النيجر وإغلاق القاعدة الجوية 201 هناك في عام 2024.

(*) صعود تنظيم القاعدة المنافس لتنظيم داعش الإرهابي: إن مقتل المينوكي سيخلق مساحة تستفيد منها التنظيمات المنافسة وعلى رأسها تنظيم القاعدة في إفريقيا، من أجل زيادة فرص النفوذ والتجنيد والتمدد على حساب داعش، فحدوث فراغ هيكلي وتنظيمي داخل داعش والارتباك المؤقت داخل شبكاته، يجعل بعض العناصر الموالية للتنظيم تبحث عن بديل آخر أكثر استقرارًا كتنظيم القاعدة، ولا شك أن القاعدة ستحاول الاستفادة من خطاب ترامب من أجل الترويج لفكرة أن منافسها أصبح مكشوفًا أمنيًا وعاجزًا عن حماية قياداته. فأحيانًا يؤدي التركيز الدولي على داعش إلى منح القاعدة مساحة حركة أكبر، فإذا انشغلت الولايات المتحدة الأمريكية أو الحكومات الإفريقية بملاحقة بقايا داعش وإعادة هيكلته، فلا شك أن القاعدة ستستغل هذا الانشغال للتوسع بهدوء في مناطق جديدة.

ختامًا، يُمثل مقتل القائد البارز في تنظيم داعش أبو بلال المينوكي، أحد أهم النجاحات في مكافحة الإرهاب التي سُجّلت في نزاع بحيرة تشاد خلال السنوات الأخيرة، ولعل الأثر الأكبر لهذه العملية المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية ونيجيريا نفسي، فبالنسبة لقادة داعش في غرب إفريقيا، تُشير هذه العملية إلى أن حتى كبار القادة عُرضة للخطر، فالتعاون الإقليمي وقدرة الحصول على المعلومات الاستخباراتية، ستحدد في نهاية المطاف ما إذا كان مقتل أبو بلال المينوكي مجرد نصر رمزي أم بداية لانحدار إستراتيجي أعمق لتنظيم "داعش في غرب إفريقيا" في حوض بحيرة تشاد.