في 17 يوليو 2026، صوّت الكنيست الإسرائيلي نهائيًا على حل نفسه، وإجراء الانتخابات في 27 أكتوبر 2026، بعدما أكمل الكنيست الخامس والعشرون، لأول مرة منذ 38 عامًا وللمرة السادسة في تاريخه ولايته القانونية، رغم الاضطرابات التي رافقته منذ أزمة التعديلات القضائية أو ما عُرف بـ"الانقلاب القضائي"، وصولًا إلى العدوان على غزة ولبنان وسوريا والحرب مع إيران. ورغم بروز مؤشرات قرب إسدال الستار على حقبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يبدو أن الحالة الضبابية التي يخلقها تغول التيارات اليمينية الدينية المتشدد على الأجندة السياسية والانتخابية للائتلاف، ستمثل العامل الحاسم في المشهد السياسي وحدود الانخراط في التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، فضلًا عن استمرار التصعيد في جبهات الطوق في غزة ولبنان وسوريا.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود تأثير المشهد الانتخابي الإسرائيلي على مصير الصراع في منطقة الشرق الأوسط.
مؤشرات المعركة الانتخابية
تفتقر المؤشرات المبدئية لأي إشارات قد تكون حاسمة في مسار الانتخابات، إلا أن أبرز التحولات الظاهرة على مدار الأعوام الخمسة الماضية على الأقل في نزوع الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين، حيث ارتفعت نسبة التأييد من 63% في يوليو 2025 إلى 66% من الجمهور اليهودي في يوليو 2026، حسب استطلاع معهد سياسات الشعب اليهودي المنشور في 19 يوليو الجاري، فيما ارتفع عدد جماهير الوسط من مستوى 10% إلى 13% خلال ذات الفترة. وفي المقابل، تراجع عدد الجمهور اليهودي الذي يصنف نفسه كيساري من 22% إلى 19% في يوليو 2026.
(*) استطلاعات الرأي: تظهر استطلاعات الرأي تنافسًا محمومًا بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو، وحزب يشار بزعامة جادي أيزنكوت، ففي استطلاعين، نُشرا في الفترة بين 13 إلى 15 يوليو 2026، تبدلت حظوظ الخصمين في انتخابات الكنيست المقبلة بفارق مقعد واحد، ففي استطلاع 13 يوليو للقناة 13 الإسرائيلية، تقدم حزب أيزنكوت بواقع 24 مقعدًا، مقابل 23 مقعدًا لحزب الليكود، بينما تقدم الأخير في استطلاع مماثل 15 يوليو 2026 بواقع 22 مقعدًا مقابل 21 مقعدًا لحزب يشار. وعلى مستوى التحالفات السياسية تقدمت المعارضة في عدد المقاعد لتتجاوز عتبة 61 مقعدًا في الاستطلاعين؛ إلا أن الاستطلاع الأخير أظهر تقدم المعارضة الصهيونية حصرًا بواقع 61 مقعدًا، مما يمكنها من تشكيل الحكومة المقبلة دون الحاجة إلى إشراك المُكوِّن العربي الذي اتفق طرفا المعادلة (المعارضة الصهيونية والائتلاف اليميني) على إقصائه. وعلى صعيد المنافسة على منصب رئاسة الحكومة، تقدم جادي أيزنكوت على نتنياهو بفارق أربع نقاط مئوية، بواقع 41% مقابل 37% لصالح نتنياهو، بينما تراجعت حظوظ رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت أمام نتنياهو بواقع 38% للأخير، مقابل 34% لبينيت.
(*) حالة التحالفات السياسية: تطلق استطلاعات الرأس بلونات اختبار عن المزاج السياسي الإسرائيلي، الذي بات أكثر نزوعًا نحو اليمين، دون وجود أي أجندة موحدة للمعارضة، وفي موازاة ذلك، صعد رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق جادي أيزنكوت على رأس قائمة أبرز خصوم نتنياهو، رغم ضعف خبرته السياسية مقارنة بأقطاب المعارضة، في مؤشر على تراجع ثقة الشارع في التيارات السياسية التقليدية والتفافه حول شخصية أيزنكوت، في مقابل سطوة نتنياهو وسط جمهوره اليميني، رغم تقارب السياسات المحتملة للطرفين على الصعيد الخارجي، من توسيع الاستيطان، ورفض إقامة الدولة الفلسطينية، وتقويض التهديد الإيراني ومنع امتلاك طهران للسلاح النووي.
وعلى الجانب الآخر، أظهر تمرير الكنيست عددًا من القوانين حول التعديلات القضائية، ومنها إضعاف صلاحيات المستشارة القضائية للحكومة، وتجميد ملاحقة المتهربين الحريديم من التجنيد بالجيش، وتخصيص مسار في مختلف المراحل التعليمية للفصل بين الجنسين، فضلًا عن النزاع القضائي حول آلية اختيار قائمة الليكود الانتخابية، ما أحدث انقسامًا حادًا داخل الحزب الحاكم، وهو ما ظهر في استقالات متعددة داخل الحزب ومن الكنيست؛ احتجاجًا على إعفاء الحريديم، وكذلك على تشكيل لجنة سياسية لتحقيقات السابع من أكتوبر وطرحًا لتشكيل أحزاب يمينية جديدة.
(*) العلاقات الدولية: أسفرت الحرب على غزة عن تغير توجهات الرأي العام العالمي والأمريكي تجاه إسرائيل، مع تزايد مطالبات دول غربية رئيسية بمحاسبة نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتزايد الدول الأوروبية التي تقاطع منتجات المستوطنات غير الشرعية على الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الاعتراف بالدولة الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، كما تراجعت معدلات تأييد الأخيرة في الولايات المتحدة حتى على المستوى السياسي، وهو ما أبرزته تصريحات الرئيس الأمريكي بأن تأييد إسرائيل داخل الكونجرس يتراجع. وتأتي الزيارة السابعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب، خلافًا لزياراته السابقة؛ فهي الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران، وسبقتها مشاورات مكثفة بين الحليفين، وقد شهدت تأجيلًا متكررًا في أعقاب الخلاف العلني بين ترامب ونتنياهو بشأن حرب إيران، ورفض الرئيس الأمريكي انضمام إسرائيل للتصعيد الأخير ضد إيران مع تباين الأهداف وحاجة ترامب لمكاسب إستراتيجية سريعة في ملف إدماج إسرائيل بالمنطقة، والذي يستدعي وقف حلقة الصراعات الأبدية في الشرق الأوسط، وتقديم تنازلات من إسرائيل تشمل الانسحاب من جنوب لبنان وسوريا مقابل التطبيع، بينما تعتمد سياسة نتنياهو على إدامة الصراع دون رؤية واقعية لنهايته بغطاء القوة الأمريكية، التي لا تزال حتى الآن تُعلي من أمن إسرائيل، في مؤشر على المخاوف من احتمال تغيُّر طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة؛ في إطار التباين الواضح بين مصالح واشنطن وتل أبيب، وتزايد رفض شرائح وتيارات سياسية قومية ويسارية لهيمنة إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
حدود التأثير المستقبلي
مع بدء نتنياهو زيارة لواشنطن، هي السابعة له منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تتضح معالم ومسار العلاقات بين الزعيمين من التحالف الوثيق إلى التشكيك بالنوايا والخلاف حول تقاسم المنافع، ما دفع تل أبيب للتراجع قليلًا من خلال بدء تحريك ملف المناطق التجريبية لإعادة نشر الجيش اللبناني في مناطق انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان، وقرار المجلس الوزاري المصغر، 26 يوليو 2026، بالموافقة المشروطة على نشر قوة استقرار دولية في غزة. وأظهر التصعيد الأمريكي الأخير خروج إسرائيل من المواجهة المباشرة مع إيران مقابل إطلاق يدها مرحليًا في ساحة لبنان مع استمرار التحركات الاستفزازية في غزة وسوريا، قبل أن تقيد واشنطن تلك التحركات في إطار الدفع لتوقيع اتفاقات تطبيع مع سوريا ولبنان كمحفز للانسحاب من الأراضي المحتلة أخيرًا. بينما ترى إسرائيل في المقابل أن خروجها من ساحة المواجهة المباشرة لا يُغني الولايات المتحدة عن مشورتها السياسية والاستخباراتية، رغم فشل رهاناتها على الداخل الإيراني، ويتوقف على استجابة وردود فعل الإدارة الأمريكية على عروض نتنياهو من جهة وتطورات المشهد الانتخابي الإسرائيلي أي من السيناريوهات الثلاثة التالية:
(&) عودة التصعيد: ويشمل اشتداد الصراع الإقليمي وبلوغه ذروة جديدة مع توسيع انخراط إسرائيل في المواجهة، في سياق تحرك استخباراتي داخل إيران لتفكيك منشآت نووية أو نقل مخزون يورانيوم عالي التخصيب تحت غطاء ناري كثيف من تحالف دولي، يضم بصفة رئيسية أمريكا وإسرائيل، بما قد يعيد خلط أوراق المشهد بشأن الملف النووي الإيراني ويوقف المفاوضات بصورة كاملة. وعلى الصعيد الدولي، قد يحدث تغير جوهري في تشكيل مواقف القوى الدولية، وعلى رأسها انشغال روسيا بمواجهة الاندفاعة الأوكرانية لاستنزاف سلاسل إمداد الطاقة والتأثير على تحركات قواتها بالمناطق الغربية المتاخمة لأوكرانيا، مقابل انخراط دولي موسع في جهود حماية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، ودعمًا لتحركات برية لقوى داخلية في حال عودة التصعيد داخل اليمن لاستعادة مؤسسات الدولة في صنعاء لاستعادة العاصمة من قبضة الحوثيين، إلى جانب انتشار قوات تحالف الملاحة على المناطق الساحلية الحاكمة لمضيق هرمز على المدى المتوسط.
وقد يدفع هذا السيناريو توجه نتنياهو لتأجيل الاستحقاق الانتخابي لحين انتهاء الحالة الطارئة أو تحسن نتائج استطلاعات الرأي لائتلافه الحاكم، مقابل استمرار ارتهان القرار الأمريكي تجاه إيران بمعلومات استخباراتية إسرائيلية.
(&) استمرار الوضع الراهن: وفيه يستمر التصعيد المُدار منخفض الشدة؛ بهدف تقليص قدرات إيران العسكرية ودفعها لتقديم تنازلات وعدم انخراط إسرائيل في الصراع تحت قيادة نتنياهو مقابل توسيع اتفاقيات تطبيع العلاقات مع دول المنطقة، وبناء منظومة للردع الهجين في الخليج العربي تجمع بين تطوير القدرات العسكرية الوطنية والخليجية من جهة، وتوسيع اتفاقيات الدفاع والتصنيع الدفاعي المشترك مع قوى أوروبية وآسيوية من جهة أخرى. وقد يتواءم ذلك السيناريو مع تغيُّر مزاج الناخب الإسرائيلي للموازنة بين اليمين واليسار الصهيوني وتلويح نتنياهو بإمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية لاستقطاب تيارات معارضة في مواجهة ملامح تشكل زعامة بديلة في معسكر المعارضة تحت قيادة جادي أيزنكوت من جهة ولتقليص نفوذ اليمين المتطرف على قرار الحكومة وابتزازها له بالانسحاب ما لم يمرر حزبه مقترحاتها القانونية والاستيطانية. وقد يكون هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا مع تصعيد تدريجي للمواجهة مع إيران بالتوازي مع إبقاء ردود فعلها تحت السيطرة وتحييد مخاطرة تهديدها للملاحة وسلاسل إمداد الطاقة العالمية.
وإجمالًا؛ تشكل المواجهة الحالية نموذجًا مختلفًا لإدارة الصراع مع إيران ترتبط بإنجاز استحقاقات إستراتيجية تقوم على أساس الفصل بين الملفات وتقليص فاعلية قدراتها التعطيلية التي تستهدف حركة الملاحة البحرية عبر مضيقي هرمز وباب المندب ومنشآت البنية التحتية الحيوية في المنطقة بأكملها دون إثارة صراع إقليمي موسع، مما يحد من فاعلية الانخراط الإسرائيلي المباشر ودفع الأخيرة للتكيف مع التأزم السياسي الداخلي أو تحقيق انفراجة في العلاقات بين تيارات اليمين واليسار الصهيوني، وبالتالي تقليص دور اليمين الاستيطاني في رسم توجهات إسرائيل الخارجية للحفاظ على التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة وتحسين صورتها الذهنية في الأوساط الغربية، وهو ما يعزز من تكافؤ فرص نتنياهو وأيزنكوت ويعطي أفضلية للأخير في إعادة رسم المشهد رغم ضعف خبراته السياسية وعلاقاته الخارجية.