الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل بات العالم على أعتاب أزمة مالية عالمية جديدة؟

  • مشاركة :
post-title
اتجاهات الاقتصاد العالمي- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

أعاد تحذير الدكتور محمود محيي الدين بشأن اقتراب أزمة مالية عالمية محتملة، فتح نقاش يتجاوز التنبؤات إلى سؤال أكثر أهمية لدى جميع المستثمرين والاقتصاديين بل ومواطني دول العالم؛ وهو: هل تراكمت بالفعل داخل النظام المالي العالمي الراهن اختلالات تكفي لجعل أزمة جديدة وشيكة، أم أن العالم يواجه ارتفاعًا في المخاطر دون أن يكون على أعتاب أزمة شبيهة بأزمة 2008؟ وفي السياق ذاته، تُثار العديد من التساؤلات مثل: لماذا تزايد احتمال الأزمة المالية العالمية الآن؟ وما هي آراء كبار الاقتصاديين في هذا الاحتمال؟ وهل دخل العالم بالفعل هذه الأزمة؟ ولماذا الدول النامية أكثر تعرُّضًا لتلك الأزمة؟

في ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة عن التساؤلات السابقة؛ من خلال التركيز على النقاط الرئيسة التالية:

مخاطر متراكمة

هناك خمسة مستويات من المخاطر تتراكم في الوقت الراهن على النظم المالية العالمية؛ وهي:

(*) وصول الدين العالمي إلى مستويات قياسية ليصبح نقطة الضعف الأولى: قدَّر صندوق النقد الدولي الدين العام العالمي عند 94% تقريبًا من الناتج العالمي في 2025، ويتوقع وصوله إلى 100% بحلول 2029. ويأتي ذلك في وقت ترتفع فيه احتياجات الإنفاق على الدفاع والطاقة والحماية الاجتماعية، بالتوازي مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين. والأهم أن المشكلة ليست حجم الدين وحده، وإنما تكلفة إعادة تمويله؛ فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع أن يصل إجمالي الاقتراض من أسواق السندات للحكومات والشركات إلى 29 تريليون دولار في 2026، بزيادة 17% عن 2024، وبما يقارب ضعف مستوى قبل عشر سنوات. كما أن 78% من اقتراض حكومات هذه المنظمة في 2026 تم تخصيصه إلى إعادة تمويل ديون قائمة.

(*) لم تعد أزمة الديون تواجه الدول النامية فقط بل امتدت إلى الدول الغنية: تاريخيًا كان يُنظر إلى أزمة الدين باعتبارها مشكلة الأسواق الناشئة والدول منخفضة الدخل. أما اليوم فالصورة مختلفة؛ إذ بلغ الدين السيادي القائم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – وهي دول غنية - نحو 61 تريليون دولار في 2025، ويتوقع أن ترتفع نسبته إلى الناتج إلى 85% في 2026. وفي الاقتصادات الناشئة والنامية، بلغ الدين السيادي نحو 12.1 تريليون دولار، بما يعادل نحو 30% من الناتج، وهو أعلى مستوى له منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. وهذا يجعل الأزمة المحتملة أكثر خطورة؛ لأن ضعف دولة نامية منفردة يمكن احتواؤه، لكن اضطراب سوق السندات في اقتصادات كبيرة يمكن أن يضاعف المخاطر في جميع الأسواق.

(*) ارتفاع تكلفة الدين لتصبح المتغيّر الأخطر: من أهم المؤشرات الحالية أن الأزمة المحتملة قد تبدأ من سوق السندات وليس من البنوك. ففي 18 أغسطس 2026 تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا مستوى 5.3%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، بينما ارتفعت أيضًا عوائد السندات طويلة الأجل في ألمانيا وفرنسا واليابان. وارتفع سعر خام برنت إلى أكثر من 91 دولارًا للبرميل؛ في ظل تصاعد مخاطر الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. هذه الأرقام مهمة؛ لأن ارتفاع العائد طويل الأجل يعني عمليًا تكلفة اقتراض أعلى وهو ما يعنى زيادة تكلفة إعادة التمويل، وبالتالي الضغط على الشركات والحكومات، وما يرتبط بذلك من انخفاض الاستثمار وزيادة احتمالات التعثُّر. وهذا الخطر يتزايد إذا كان الاقتصاد العالمي يعاني أصلًا من تباطؤ النمو، وهو ما يشهده العالم بشكل ممتد ومتواصل منذ عام 2020 أثناء أزمة كورونا، ثم الحرب الأوكرانية الروسية في 2022، وصولًا إلى التوترات في الشرق الأوسط منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، وحتى الحرب الأمريكية الإيرانية الراهنة.

السيناريو المحتمل

قد أصبحت صناديق الاستثمار والتحوُّط والائتمان الخاص والمؤسسات المالية غير المصرفية لاعبًا مركزيًا في النظام العالمي المالي في الوقت الحالي. وتشير بيانات صندوق النقد إلى أن تدفقات المحافظ إلى الأسواق الناشئة ارتفعت بشكل متراكم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بنحو ثمانية أضعاف إلى نحو 4 تريليونات دولار، وأن التزامات الدين للمحافظ الأجنبية أصبحت تُمثّل في المتوسط نحو 15% من الناتج في الأسواق الناشئة، مقابل نحو 9% في 2006. فهذه الأموال مفيدة أثناء الاستقرار، لكنها تصبح مصدر خطر عندما تتغير شهية المستثمرين على المخاطرة. وهذه ربما أهم نقطة تميز الأزمة المحتملة عن أزمة 2008، فالسيناريو المحتمل هو حدوث صدمة عالمية نتيجة خروج المستثمرين من أسواق الأسهم والسندات وهذا من شأنه انخفاض قيمة العملات والأسهم والسندات، وبالتالي ارتفاع تكلفة التمويل، ثم تكرار نفس الدورة التي تدفع نحو المزيد من الخروج. وهذه هي آلية "التغذية العكسية" التي يحذر منها صندوق النقد.

في 2008، كانت المشكلة الرئيسية تتمركز في النظام المصرفي والعقاري الأمريكي، وانتقلت عبر أدوات ائتمان مترابطة إلى النظام العالمي. أما اليوم فالمخاطر موزَّعة بين الدين السيادي، السندات، الائتمان الخاص، المؤسسات غير المصرفية، صناديق التحوُّط، وغيرها. في المقابل، البنوك اليوم أكثر استعدادًا من عام 2008. فقد أوضح مسؤولي صندوق النقد الدولي، في أبريل 2026، أن النظام المالي صامد حتى ذلك الوقت، وأن البنوك ما زالت جيدة الرسملة والسيولة، وأنه لم تظهر بعد موجات اضطراب وسيولة شبيهة بما حدث في أزمات سابقة. نقطة البداية مختلفة عن 2008، لكن قنوات الانتقال أصبحت أكثر تعقيدًا.

اختلاف كبار الاقتصاديين

لقد اختلفت آراء كبار الاقتصاديين في العالم بشأن احتمال الأزمة المالية العالمية القادمة، ويأتي في مقدمة هؤلاء الاقتصاديين الدكتور محمود محيي الدين، الذي يرى أن الدين وتكلفة التمويل وتراجع الحيز المالي يجعل الدول النامية أكثر عُرضة لتحوُّل الصدمات العالمية إلى أزمات تمويل وتنمية. وهذا يتفق بصورة كبيرة مع أحدث تقييمات مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في حين يذهب نوريل روبيني -الأكثر تشاؤمًا من الدكتور محمود محيي الدين- أبعد من ذلك، إذ يرى أن ارتفاع التضخم مع مخاطر الركود وأزمة الملاءة في القطاع المالي يمكن أن يضعا البنوك المركزية أمام معضلة حادة، بحيث يصبح الخروج من الأزمة عبر ركود شديد وأزمة ديون أوسع احتمالًا قائمًا.

كذلك حذر كينيث روجوف من أن عصر أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، الذي ساد بعد 2008، لم يكن طبيعيًا، وأن مجموعة من العوامل ــ بينها ارتفاع الدين والتوترات الجيوسياسية والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ــ يمكن أن تبقي تكلفة الاقتراض مرتفعة لفترة طويلة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كينيث لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها حتمية أو وشيكة بالضرورة. ويرى الدكتور محمد العريان أن الخطر قد يأتي من السندات، فهو يرى أن الأسواق قد تبدو قوية ظاهريًا بينما يعتمد استمرار الإنفاق بدرجة متزايدة على الاقتراض، وأن لحظة الحقيقة تأتي عندما تتجاوز قدرة الاقتراض بقدرة الاقتصاد على الاستمرار. وهذا يتوافق بشدة مع ما نشهده الآن من ارتفاعات حادة في عوائد السندات طويلة الأجل. لذلك يرى العريان أن الأزمة المقبلة قد تكون أزمة تكلفة تمويل وسندات أكثر من كونها تكرارًا لأزمة البنوك في 2008. وهناك بعض الأدلة على ذلك، فصندوق النقد يتوقع نموًا عالميًا قدره 3% في 2026، لكنه يتوقع ارتفاع التضخم العالمي من 4.1% في 2025 إلى 4.7% في 2026 قبل تراجعه إلى 3.9% في 2027. كما يتوقع تباطؤ نمو اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية إلى 3.8% في 2026 قبل تحسُّنه في 2027. وبالتالي، الاقتصاد العالمي لا يدخل ركودًا عالميًا وفق السيناريو الأساسي لصندوق النقد، لكن معدل النمو ليس قويًا بما يكفي لتوفير حل سريع لمشكلة الدين. وهنا تكمن المفارقة في أن العالم ينمو بما يكفي لتجنب الأزمة، لكنه لا ينمو بسرعة كافية لتخفيف عبء الدين بسهولة.

لماذا الدول النامية أكثر تعرضًا للأزمة المالية المحتملة؟

رغم كل المخاطر سالفة الذكر، لم يتم الإعلان عن أزمة مالية حتى الآن، وهذا يرتبط بحقيقة لا يُمكن تجاهلها؛ هي أن الأموال ما زالت تدخل الأسواق الناشئة. فحتى يوليو 2026، بلغت تدفقات المستثمرين الأجانب إلى ديون الأسواق الناشئة نحو 214.4 مليار دولار، مقارنة بـ 177.7 مليار في الفترة نفسها من 2025. كما أصدرت الأسواق الناشئة نحو 187 مليار دولار من السندات منذ بداية العام، وهو رقم قياسي. والأكثر أهمية أن دولًا مثل مصر والبرازيل وكولومبيا ونيجيريا، ظهرت ضِمن الأسواق التي يرى بعض مديري الاستثمار أن عملاتها المحلية أصبحت أكثر قدرةً على الصمود، بفضل تحسُّن الاحتياطيات وتطوُّر أسواق رأس المال المحلية. وهذه البيانات تتعارض مع سيناريو انهيار مالي عالمي وشيك. ولكن هذه الحقيقة لا تنفي ما يشهده العالم من حالة الركود التضخمي المالي المرتبطة بالنمو الضعيف، والتضخم المرتفع، وتكلفة تمويل مرتفعة في الوقت نفسه.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الدول النامية أكثر تعرُّضًا لهذه الأزمة المحتملة، وهذا يرجع إلى أن ارتفاع تكاليف خدمة الدين يضغط بشدة على الإنفاق التنموي؛ ففي الفترة 2018-2024 شهدت 99 دولة نامية تراجعًا في الحيز المالي المُتاح للإنفاق التنموي؛ بسبب ارتفاع مدفوعات الفائدة، وتضم هذه الدول نحو 5.5 مليار شخص. فالدولة النامية لا تحتاج إلى إفلاس كي تدخل أزمة، ويكفي أن تضطر إلى رفع الضرائب، خفض الاستثمار، تقليل الإنفاق الاجتماعي، وزيادة الاقتراض.

وفي النهاية، يمكن القول إن العالم لم يدخل حتى الآن أزمة مالية عالمية شاملة، لكنه أصبح أقرب إلى منطقة الخطر مما كان عليه قبل عدة سنوات. فالدين العام العالمي اقترب من 94% من الناتج العالمي في 2025، ومن المتوقع أن يبلغ 100% بحلول 2029؛ وبلغ الاقتراض الحكومي والشركات من أسواق السندات نحو 29 تريليون دولار في 2026؛ فيما ارتفع الدين السيادي القائم في الاقتصادات النامية غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 12.1 تريليون دولار في 2025.

وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك مؤشرات تسير بالعالم إلى عكس الاتجاه؛ فمن المتوقع أن يصل النمو العالمي إلى 3% في 2026، وفق أرقام صندوق النقد الدولي في يوليو الماضي، والنظام المصرفي العالمي ما زال، وفق تقييم الصندوق، قويًا من حيث رأس المال والسيولة. بل إن تدفقات الدين إلى الأسواق الناشئة بلغت 214.4 مليار دولار حتى يوليو 2026، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين. لذلك كله أصبح المشهد المالي العالمي على ما يبدو، هو مشهد هشاشة مالية مرتفعة وليس أزمة مالية مكتملة.