الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما السيناريوهات الاقتصادية لتجدد الهجمات الإيرانية الإسرائيلية؟

  • مشاركة :
post-title
حرب الشرق الأوسط والآثار الاقتصادية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

في مساء أمس الـ7 من يونيو 2026، وجهت إيران عددًا من الضربات الصاروخية نحو الجانب الإسرائيلي بعد الغارات التي استهدفت بيروت، وقصفت إسرائيل اليوم أهدافًا عسكرية في غرب ووسط إيران، الأمر الذي يُنذر باحتمالات اقتصادية سلبية على منطقة الشرق الأوسط بوجه خاص، وعلى العالم بوجه عام، إذ إن جماعة الحوثي بدأت في إطلاق التهديدات التي تعمل على شل حركة التجارة بشكل كبير.

ومن الجدير بالذكر هنا أن إيران أعلنت في بيان للجيش الإيراني وقف هجماتها على إسرائيل، لكن حال استمرت الاعتداءات والأعمال العدائية -بما في ذلك جنوب لبنان- فسيتم اتخاذ إجراءات أشد قسوة وسحقًا من ذي قبل.

وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على السيناريوهات الاقتصادية المحتملة، خلال الفترة المقبلة، فضلًا عن توضيح الموقف الأمريكي في هذه المرحلة من الحرب.

سيناريوهات محتملة

إن تجدد الهجمات بين إيران وإسرائيل، يحمل في طياته العديد من السيناريوهات الاقتصادية، التي يمكن بلورتها في النقاط التالية:

(-) تعطل حركة الملاحة: تعتبر الملاحة في البحر الأحمر الخيار الاقتصادي للجانب الإيراني في الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ما تساندها فيه جماعة الحوثي، التي أعلنت في صباح اليوم الاثنين حظر الملاحة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، واعتبار أي تحركات إسرائيلية في البحر الأحمر "أهدافًا عسكرية"، الأمر الذي سينتج عنه استهداف لعدد من السفن، خلال الفترة المقبلة بذريعة ارتباطها بإسرائيل.

فضلًا عن التهديدات الإيرانية حول مضيق باب المندب، إذ حذر مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية على أكبر ولايتين، مساء أمس، من غلق مضيق باب المندب على غرار ما حدث في مضيق هرمز.

ومن خلال هذه النقاط يمكن القول إن اتجاه الصراع نحو الممرات الإستراتيجية الحيوية في الشرق الأوسط يسبب تراجعًا كبيرًا في خطوات النمو التي تقوم بها الدول المختلفة، نتيجة تباطؤ حركة التجارة العالمية، فمضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط كما يوضح الشكل (1)، إذ يمر من خلاله 38% من تجارة النفط الخام، و29% من النفط المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، ونفس النسبة من منتجات النفط المُكررة، فضلًا عن 13% من المواد الكيماوية، الأمر الذي يوضح أنه عامل رئيسي في إنعاش سوق هذه المنتجات.

الشكل (1): الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز وفقًا لمتوسط التدفقات قبل 28 فبراير 2026 -المصدر: الأمم المتحدة للتجارة والتنمية

ومن ناحية أخرى يُعد باب المندب أحد أهم الممرات المائية الدولية، نظرًا لأهميته الإستراتيجية للبحر الأحمر، إذ إنه يُسيطر على المدخل الجنوبي له المؤدي إلى قناة السويس، فأكثر من 98% من السفن والبضائع المتجهة إلى القناة أو القادمة منها تمُر عبر هذا المضيق، كما أنه يمُر عبره نحو 10% إلى 12% من إجمالي حركة التجارة العالمية، وأكثر من 20 ألف سفينة شحن سنويًا.

يذكر أنه في عام 2024 مرَ عبر المضيق أكثر من 4 مليارات برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة، وبالتالي فإذا نُفذ التهديد بغلق المضيق ستُحجب ربع الإمدادات من النفط والغاز العالمية، كما ستتعطل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ومن ثم في أسعار السلع والخدمات المختلفة، ما يزيد من حدة التضخم على الاقتصادات.

(-) ارتفاع متجدد لأسعار النفط: تُعد أسواق النفط من الأسواق التي أُرهقت بشدة منذ بداية الحرب في إيران، إذ ارتفعت أسعار النفط فوق الـ100 دولار للبرميل، وفي 18 مايو الماضي سجل سعر خام برنت 110.73 دولار للبرميل، و107.22 دولار لخام غرب تكساس.

وعلى الرغم من أن أسعار النفط انخفضت نسبيًا بعد قرار وقف إطلاق النار، لكن بعد تجدد الهجمات الصاروخية بين إيران وإسرائيل ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 4% لتتجاوز 97 دولارًا للبرميل، اليوم الاثنين، بعد انخفاض دام جلستين، فقد سجلت 5 يونيو الجاري نحو 92 دولارًا للبرميل.

وبذلك يُمكن القول إن تجدد الهجمات بين إيران وإسرائيل، وإذا تصاعدت الأمور بشكل أكبر من وضعها الحالي، سترتفع الأسعار في سوق النفط بشكل مُبالغ فيه، إذ إن الضغط يكون على ممرات حيوية في تجارة النفط العالمية، وبالتالي فإن هذا الأمر يُنذر بتراجع في نمو حجم الصناعات داخل الدول التي تعتمد على استيراد النفط.

الشكل (2): سعر أونصة الذهب عالميًا (بالدولار)

(-) تهاوي متزايد لأسعار الذهب: يتعرض سوق الذهب إلى انهيارات كبيرة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، فمع تجدد الهجمات بين إيران وإسرائيل، انخفض سعر أونصة الذهب كما يوضح الشكل (2) إلى نحو 4313 دولارًا للأونصة، اليوم الاثنين، وحتى وقت كتابة هذا التحليل، مقارنة بنحو 5304، 2 مارس 2026.

وإذا استمرت الحرب سينخفض سعر أونصة الذهب بشكل أكبر، بسبب الارتفاع في مؤشر الدولار الأمريكي الذي اقترب من مستوى الـ100 مع تجدد الهجمات بين إيران وإسرائيل، وبسبب المضاربات على أسعار النفط.

(-) اتباع سياسة التشديد النقدي: إن ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصادات المختلفة الذي يُصاحب الحرب في إيران، يرفع توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة، إذ ارتفع احتمال ذلك إلى 70%، مقارنة بنحو 50% قبل صدور تقرير الوظائف، المسار المتوقع الذي ستسلكه معظم دول العالم، خاصة دول العالم النامي التي تعتمد على الأموال الساخنة في إستراتيجية نموها، فرفع معدلات الفائدة يحمي من هروب هذه الأموال إلى خارج هذه الدول.

الموقف الأمريكي

إن التعرف على الموقف الأمريكي من تجدد الهجمات بين إيران وإسرائيل يوضح مسار هذه الهجمات، وبالتالي نتعرف على هذا الموقف من خلال النقاط التالية:

(-) تفنيد تصريحات ترامب: أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعض التصريحات عقب الهجوم الإيراني على إسرائيل، ومن هذه التصريحات عبر "تروث سوشيال" ما اقترحه على إيران: "أطلقتكم صواريخكم وهذا يكفي"، "عودوا إلى طاولة المفاوضات وأبرموا اتفاقًا"، و"على إيران وإسرائيل التوقف فورًا عن إطلاق النار"، فضلًا عن دعوته لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدم الرد على إيران، مُحذرًا أن التوتر الحالي قد يعرقل التوصل إلى اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران.

وبتحليل هذه التصريحات فإنه يُمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب لا تجد ذريعة نحو تدخلها في هذه الحرب، خاصة أن المفاوضات مع الجانب الإيراني لا تزال مستمرة، فالتصريحات لم تأتي حول رد أمريكي فوري على إيران، نتيجة هجومها على إسرائيل.

(-) الوضع الحزبي لترامب: يُعاني ترامب حالة استقطاب كبيرة داخل الحزب الجمهوري الذي يتبعه، إذ ترتفع درجة التوترات مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ومن مظاهر هذه التوترات والانقسامات، انحياز عدد من الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين بالتصويت في مجلس الشيوخ لصالح تعديلات من شأنها منع مقترحا ترامب الخاصين بصندوق "مكافحة التسلح"، وخطط بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض تبلغ مساحتها 90 ألف قدم مربع.

وإضافة إلى انضمام ستة جمهوريين إلى الديمقراطيين، لتمرير تصويت على تقديم مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا في خضم حربها مع روسيا، على الرغم من سحب الرئيس الدعم الأمريكي لكييف، كما أقر مجلس النواب الأسبوع الجاري، قرارًا بشأن صلاحيات الحرب يهدف إلى إجبار ترامب على إنهاء الحرب مع إيران، ما يوضح معارضة ترامب في أهم قضاياه، خلال فترة انتخابات التجديد النصفي.

الشكل (3): معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية من أبريل 2025 إلى أبريل 2026 -المصدر: مكتب إحصاء العمل الفيدرالي

(-) الظروف الاقتصادية الأمريكية: إن الحرب في إيران أثرت على داخل الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم بنحو 20.1 مليون برميل يوميًا، إلا أنها لم تبتعد عن تأثيرات الحرب عليها، إذ ارتفعت أسعار البنزين بشكل كبير، وارتفعت من متوسط يتراوح بين 2.81 دولار و2.89 دولار، يناير 2026 إلى 4.49 دولار، 18 مايو 2026، وانخفض قليًلا إلى 4.305 دولار، 1 يونيو 2026، وأثر ذلك على ارتفاع معدلات التضخم في أمريكا، كما يوضح الشكل (3) من 2.4%، يناير 2026 إلى 3.8%، أبريل 2026.

ومن الأسباب الرئيسية في ذلك أن سعر النفط يُحدد عالميًا بناءً على العرض والطلب في السوق العالمية، وحسب مرونة سلاسل الإمداد العالمية، فالمنتجين يُقللون المخزون ويفرضون ضرائب جديدة حتى تتحرر قيود الإمداد، فضلًا عن تكلفة تكرير البنزين التي تتكبدها الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الحروب والأزمات، كما أن السوق مبنية على التوقعات، فمضاربة المستثمرين في النفط ترفع السعر لأعلى في الداخل الأمريكي.

الشكل (4): نسبة تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ونتيجة لهذه الضغوط الاقتصادية تراجعت شعبية ترامب بشكل كبير كما يوضح الشكل (4)، إذ بلغت نسبة التأييد نحو 38%، ما يُمثلها الخط الأخضر بينما بلغت نسبة المعارضة نحو 58% التي يُمثلها الخط البرتقالي، في أحدث إحصائيات لشعبية ترامب حتى وقت كتابة هذا التحليل، ونتيجة لذلك يُمكن القول إن هذه المناوشات بين إيران وإسرائيل لن تستمر طويلًا، فأمريكا لن تدعم إسرائيل في هذه المرحلة، كما أن إيران أعلنت وقف هجماتها على إسرائيل، لكنها تُحذر من رد أشد إذا استمرت الهجمات في لبنان.

وفي الختام يُمكن القول إن تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل ترسم العديد من السيناريوهات الاقتصادية السلبية على الاقتصاد العالمي والإقليمي، فخنق حركة تجارة النفط والسلع، من خلال غلق الممرات الحيوية يزيد الأمور سوءًا، ما ينصب على العديد من المؤشرات الاقتصادية، خاصة الذهب والدولار وأسعار السلع العالمية، وبالتالي يتطلب الأمر أن تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على إسرائيل بوقف تصرفاتها المتهورة في منطقة الشرق الأوسط، حتى ينعم العالم بالأمان والرخاء الاقتصادي.