الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

اتجاهات المؤشرات الاقتصادية مع الاتفاق المُرتقب لوقف حرب الشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

مع اقتراب واشنطن وطهران من اتفاق لإنهاء الحرب، ينتشر الحديث عن الاقتصاد العالمي واتجاه المؤشرات المختلفة له سواء بالصعود أو الهبوط، خاصة الذهب والدولار والنفط، إذ كان للحرب تأثير كبير على المعادلة الاقتصادية العالمية.

فالتوقعات اتسمت بالتشاؤم، إذ خفّض صندوق النقد الدولي توقعات نمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 إلى 3.1%، بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، وهو ما يؤكد أن الحروب لا تأتي بأي نفع، بل تجلب الضرر والتراجع لمختلف الاقتصادات.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على السيناريوهات الاتجاهية للمؤشرات الاقتصادية المختلفة عالميًا ومحليًا، مع توضيح آليات التعافي الاقتصادي في المرحلة المُقبلة.

اتجاه المؤشرات

إن المؤشرات الاقتصادية تشهد حالة من التقلّب الحاد مع التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ويمكن توضيح اتجاهاتها من خلال النقاط التالية:

الشكل (1) يوضح سعر أونصة الذهب عالميًا

(-) أسعار الذهب: شهدت سوق الذهب تقلّبات حادة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فمن الشكل (1) يتضح أن أسعار الذهب بلغت 4190 دولارًا في 10 مارس 2026، لكنها في نهاية أبريل وبداية شهر مايو انخفضت إلى نطاق يتراوح بين 4700 و4500 دولار.

وعلى الرغم من ذلك، بدأ سعر أونصة الذهب في الارتفاع مع بداية يوم 7 مايو الجاري، حيث بلغ 4715 دولارًا حتى وقت كتابة هذا التحليل.

واستكشافًا لاتجاهات سعر الأونصة، يوضح الجدول (1) أن سعر أونصة الذهب من المتوقع أن يتجاوز مرة أخرى مستوى الـ5000 دولار، إذ يتوقع بنك "جي بي مورجان" أن يصل إلى 5055 دولارًا في الربع الأخير من عام 2026، على أن يستمر الارتفاع في عام 2027، حيث من المتوقع أن يصل إلى 5400 دولار في الربع الأخير من العام.

وعلى الرغم من هذه التوقعات الإيجابية لهذا السوق، فإن التقلّبات الحادة الحالية تُعرّضه للتذبذب خلال الأشهر القليلة المُقبلة، إلا أن الذهب سيظل بطبيعته الملاذ الآمن، خاصة مع التوترات التي يُحدثها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاقتصاد العالمي. فالأونصة تستطيع تجاوز مستوى الـ5000 دولار في الأشهر الأخيرة من عام 2026، بل واستكمال هذا الانتعاش في عام 2027، لتصل إلى 5400 دولار في الربع الرابع.

الجدول (1) يوضح اتجاهات سعر أونصة الذهب عالميًا خلال عامي 2026 و2027-المصدر: بنك جي بي مورجان

وعلى المستوى المحلي، وبالتقييم على سعر الذهب عيار 21 باعتباره الأكثر شعبية في السوق المصري، فإن السعر ارتفع من 6810 جنيهات في 4 مايو 2026 إلى نحو 7010 جنيهات مع بداية تعاملات اليوم وحتى وقت كتابة هذا التحليل، ومن المتوقع أن يستمر سعر الذهب عيار 21 في التذبذب حول مستوى الـ7000 جنيه، وأن أي تحرك صعودي أقوى من ذلك يعتمد على قرارات السياسة النقدية الفيدرالية وسعر أونصة الذهب عالميًا.

وبالتالي، يمكن القول إن أسعار الذهب في مصر ستشهد تذبذبًا على المدى القصير، مع استمرار الاتجاه الصعودي في الأجلين المتوسط والطويل.

(-) سعر الدولار: شهد مؤشر الدولار الأمريكي تقلّبات كبيرة خلال الفترة الماضية، فقد تجاوز مستوى الـ100 في 30 مارس 2026، لكنه انخفض إلى 98 في بداية شهر مايو، حتى بلغ 79.8 في 7 مايو، وحتى وقت كتابة هذا التحليل.

وفي إطار رسم توقعات هذا المؤشر، يمكن القول إن صعوده أو هبوطه يعتمد على سياسة الفيدرالي الأمريكي، وسعر أونصة الذهب، وسعر النفط، ومدى قوة منطقة اليورو. وبالتالي، إذا قام الفيدرالي برفع سعر الفائدة الفيدرالية، وانخفضت أسعار الذهب نسبيًا، وارتفعت أسعار النفط، وارتفع سعر الفائدة الأوروبي بمعدل أقل من الفائدة الفيدرالية، فسيشهد مؤشر الدولار الأمريكي ارتفاعًا خلال الفترة المُقبلة، أما إذا حدث العكس فسينخفض مؤشر الدولار الأمريكي.

وعلى المستوى المحلي، فمن المتوقع أنه إذا توقفت الحرب بشكل نهائي وعادت حركة الاستثمارات والتجارة بصورة مستقرة، فإن الدولار سينخفض أمام الجنيه عن مستواه الحالي البالغ 52.73 جنيه، ليتراوح بين 47 و50 جنيهًا خلال الأرباع المُتبقية من عام 2026.

ويمكن القول، في هذا الإطار، إن الدولار سيُحافظ على قوته خلال الربع الثاني من عام 2026، ثم يضعف تدريجيًا خلال الربع الثالث ليتراوح بين 92 و97، وينتهي عام 2026 بانخفاض ملحوظ عن مستوياته الحالية، إذ سيتراوح بين 91 و96.

(-) سعر النفط: يُعتبر سوق النفط من الأسواق الاقتصادية التي تأثرت بشدة منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ نتج عنها شلل الحركة في مضيق هرمز، الذي يُعد من أهم الممرات البحرية في تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، حيث يمر عبره 20% من هذه التجارة.

وبالتالي، إذا توقفت الحرب مع التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانب الأمريكي والإيراني، فإنه يمكن القول إن أسعار النفط ستنخفض بشكل كبير، إذ انخفضت أسعار خام برنت من نحو 113 دولارًا للبرميل في 4 مايو 2026 إلى نحو 98 دولارًا حتى وقت كتابة هذا التحليل، كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 92.5 دولار مقارنة بنحو 105 دولارات في 4 مايو 2026، وذلك بسبب سحب المستثمرين علاوة المخاطر الجيوسياسية من الأسعار بعد الحديث عن قرب توقيع اتفاق أمريكي إيراني.

الشكل (2) يوضح اتجاهات سعر خام برنت خلال عامي 2026 و2027-المصدر: إدارة الطاقة الأمريكية

وفي هذا النطاق، فإذا توقفت حرب إيران بشكل نهائي، فستشهد أسعار النفط انخفاضًا عن مستواها الحالي، خاصة مع خروج الإمارات من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+" وتحررها في سياسة الإنتاج، وبالتالي زيادة المعروض.

لكن من المحتمل ألا تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب على المدى القصير، إذ سيظل السوق يترقب التطورات السياسية والجيوسياسية بما يؤثر على توازن العرض والطلب عالميًا.

فمن المتوقع أن تنخفض تدريجيًا إلى متوسط 88 دولارًا للبرميل في الربع الرابع من عام 2026، ومع استئناف تجارة النفط عبر مضيق هرمز بشكل كامل، من المتوقع أن يبلغ سعر خام برنت 76 دولارًا للبرميل في عام 2027، كما يوضح الشكل (2).

آليات الانتعاش

إن التدهور الذي أصاب الاقتصاد العالمي بسبب التوترات الجيوسياسية يمكن معالجته من خلال الآليات التالية:

(-) اتباع سياسة الاكتفاء الذاتي: إذا وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوزارها بشكل نهائي، فلا بد أن تعمل جميع الدول على زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي لديها من خلال رفع درجة وكفاءة الإنتاج المحلي، فأثناء الحروب تتأثر بشدة الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، بسبب تقطع سلاسل الإمداد العالمية الذي يحدث بعد الحرب. وبالتالي، فإن اتباع هذه السياسة بعد انتهاء الحرب مباشرة سيخلق مرونة كبيرة في الاقتصاد العالمي.

(-) إعادة بناء سلاسل التوريد: لا بد أن تعمل الدول، بعد توقف حرب إيران، على إعادة بناء سلاسل التوريد من خلال تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على عدد محدود من الدول فقط، وهو ما تحدث عنه "جيمي ديمون" الرئيس التنفيذي لبنك "جي بي مورجان"، إذ أشار إلى أن حرب إيران ستعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية. وهو ما ستعمل عليه دول العالم أجمع من خلال تنويع التحالفات التجارية، خاصة بعد الصدمات الكبيرة التي أحدثتها الحرب والسياسة الخارجية للرئيس الأمريكي.

(-) تعميق الاستثمارات الأجنبية: يتطلب الأمر من الدول المختلفة جذب الاستثمارات في القطاعات الواعدة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، إذ إن هذا الجذب الاستثماري سينعش الاقتصادات بعد التراجع الذي أصابها جراء الحرب. فالتطورات في الذكاء الاصطناعي تتيح إمكانية تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة، وهو ما يتطلب تشجيع انتشار التقنيات الجديدة وتبنيها. ومن ناحية أخرى، ستُحفز هذه الحرب تسريع تبني الطاقة المتجددة لما لها من دور إستراتيجي في مواجهة صدمات الطاقة وتحسين أمنها.

وفي الختام، يمكن القول إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أنهكت الاقتصاد العالمي بشكل كبير، وبالتالي إذا توقفت بشكل نهائي فستشهد المؤشرات الاقتصادية انتعاشة فورية، لكن مع الترقب الحذر في ظل السياسة الخارجية غير الحكيمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وعليه، فإن الأيديولوجيات الاقتصادية ستتغير بشكل كبير بعد تجربة هذه الحرب، فسنجد اتجاهًا فعليًا نحو الطاقة النظيفة، وتقليل الاعتماد على عملة الدولار، مع زيادة احتياطي الذهب، وهي أدوات سيتم استخدامها لزيادة المرونة الاقتصادية ضد أي توترات محتملة.