الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما الخسائر الاقتصادية من تفاقم توترات الشرق الأوسط؟

  • مشاركة :
post-title
تراجع الاقتصاد العالمي - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

لم يلبث العالم أن يهدأ من اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حتى عادت الضربات إلى الواجهة مرة أخرى، وبصورة مُكثفة مما كانت عليه، إضافة إلى التوترات التي تُحدث في اليمن، ليُظهر ذلك اشتباك بين استعراض للقوة وحسابات للردع، ما يعمل على إحداث خسائر اقتصادية كبيرة، فالاقتصاد العالمي والإقليمي يتأثر من التوترات الحالية بشكل كبير للغاية، إذ إنها تؤثر على مصادر إستراتيجية للنمو العالمي.

تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التداعيات الاقتصادية من اشتعال الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن توضيح المسارات المُحتملة للاقتصاد العالمي خلال العام الحالي وعام 2027.

تداعيات اقتصادية

يُمكن التعرف على الخسائر الاقتصادية من تصاعد توترات الشرق الأوسط في الآتي:

الشكل (1): ارتفاع سعر خام برنت بعد تجدُد الضربات الأمريكية الإيرانية

(-) ارتفاع سعر النفط: إن ارتباط الحرب في إيران بالتوترات الكبيرة في مضيق هرمز يعمل على حدوث صدمات في سوق النفط العالمية، فمن الشكل (1) يتضح أن سعر خام برنت باعتباره المقياس العالمي لأسعار النفط ارتفع من 71.2 دولار للبرميل، 2 يوليو 2026 إلى 78 دولارًا للبرميل، 13 يوليو 2026، أي ارتفع بنسبة 9.2%.

ثم قفز بشكل ملحوظ بعد أن أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض الحصار على السفن الإيرانية العابرة لمضيق هرمز، وأعلن أن جميع الشحنات الأخرى التي تمر عبر الممر المائي ستخضع لمتطلبات دفع، إذ صرّح بأن الولايات المتحدة يجب أن تحصل على تعويض من الدول المستفيدة من جهودها؛ لتأمين المضيق، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت قبل أن يتراجع فيه، ما رفع سعر الخام إلى فوق 85 دولارًا، 15 يوليو، وحتى وقت كتابة التحليل، لكن رجوع ترامب عن القرار أحدث ركودًا مؤقتًا في السوق.

الشكل (2): سعر أونصة الذهب خلال الفترة الأخيرة من شهري يونيو ويوليو 2026

(-) تذبذب سعر أونصة الذهب: تتعرض أونصة الذهب إلى تأثيرات كبيرة من التطورات التي تحدث في سوق النفط وسوق الأوراق المالية، فالحرب في إيران، تجعل المستثمرون يوازنون بين الأرباح المتوقعة من الاستثمار في هذه الأسواق، فكلما تضغط توترات الشرق الأوسط على سعر النفط بأن يرتفع لأعلى وبمعدل كبير، فالضغوطات على سوق الذهب ستظل وسيستمر التذبذب حول المستويات المُنخفضة.

فكما يُشير الشكل (2) فأسعار الذهب تُعاني من تذبذبات شديدة، ما بين الارتفاع والانخفاض، لكن في المستويات المنخفضة من سعر الأونصة، إذ انخفضت من 4337.4 دولار في 16 يونيو 2026 إلى 4052.9 دولار في 3 يوليو 2026، ثم ارتفع السعر إلى 4114.9 دولار في 10 يوليو 2026، ولكن ضغط تجدُد التوترات على سعر الأونصة، وأصبحت تتحرك حول مستوى الـ 4000 دولار، حيث بلغت 4024.6 دولار في 15 يوليو وحتى وقت كتابة التحليل، أي بارتفاع محدود عن قيمته في اليوم السابق.

(-) تأثُر أسعار الأسهم: يُعد سوق الأوراق المالية من الأسواق التي تتأثر بشدة من التوترات في أي منطقة في العالم، فالاستثمار في الأسهم يحتاج إلى توقعات مستقرة حول اتجاهات المؤشرات المختلفة، فبعد اشتعال الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، تراجعت معظم مؤشرات الأسهم العالمية، قبل أن تنتعش اليوم بعد التباطؤ المُفاجئ في معدل التضخم الأمريكي، مما قلل من توقعات رفع أسعار الفائدة، حيث قفز مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي المُتقلب بنسبة 6%، وارتفع مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 1%، لكن حجم التداول كان ضعيفًا.

ولكن على الجانب الأخر انخفضت العقود الآجلة الأوروبية بنسبة 2%، وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر فوتسي بنسبة 0.3%، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك بنسبة 0.8%.

ومن الجدير بالذكر هنا أن التوترات في اليمن، إذا استمرت وعملت على غلق مضيق باب المندب بعد تهديد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق جميع ممرات التصدير الأخرى التي تنتفع منها الولايات المتحدة وحلفائها، سيختنق الاقتصاد العالمي بشكل أكبر مما هو عليه الآن، حيث يمر عبره 13% من تجارة النفط، و30% من تجارة الحاويات العالمية، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وهو الأمر الذي إذا حدث سيرفع سعر النفط إلى مستويات قياسية، ويُحقق تراجع كبير في المؤشرات العالمية والإقليمية.

مسارات مُحتملة

إن السيناريو الذي يفرضه الصراع في الشرق الأوسط يضع مجموعة من المسارات المُحتملة للاقتصاد العالمي والإقليمي، والتي تتمحور في النقاط التالية:

الشكل (3): ارتفاع معدل التضخم في بعض الدول-المصدر: صندوق النقد الدولي

(-) اتجاه متصاعد نحو تشديد السياسات النقدية: إن توترات الشرق الأوسط تضغط على معدلات التضخم داخل العديد من الدول، فكما يوضح الشكل (3) فقد سجل 33.2%، مايو 2026، وفي الهند ارتفع من 3.93% إلى 4.38%، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ارتفع من 3.8% إلى 4.2%، وفي كندا ارتفع من 2.8% إلى 3.2%.

وهو ما يُستدل عليه من أن البنوك المركزية ستتجه إلى رفع أسعار الفائدة، بعد أن اتجهت إلى سياسة التيسير النقدي، خاصة أن توقعات السوق تُشير إلى احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بنسبة 51%، سبتمبر، مقارنة باحتمال 23% لإبقاء البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير.

وأعلن البنك الأسترالي أن سعر الفائدة قد يرتفع للمرة الرابعة إذا لم يتم حل الصراع الإيراني الأمريكي في غضون أسبوع، كما يعتزم البنك المركزي الكوري الجنوبي رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، في اجتماع 16 يوليو 2026، الأمر الذي من المحتمل أن تنتهجه عديد من البنوك المركزية في الشهور المقبلة.

الجدول (1): توقعات الاقتصاد العالمي واقتصاديات الدول المتقدمة والناشئة والنامية -المصدر: صندوق النقد الدولي، يوليو 2026

(-) خفض توقعات النمو: إن عام 2026 بسبب ما يُحيط به من توترات كبيرة تؤثر على مصادر النمو العالمي، من المُحتمل أن يشهد تراجعًا كبيرًا في معدلات النمو المتوقعة، ففي 8 يوليو خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو 2026 إلى 0.3%، مُقارنة بنحو 3.5% عام 2025، ومن المتوقع أن ينتعش النمو إلى 3.4% عام 2027.

وجاءت توقعات التضخم أقل تفاؤلًا، إذ رفع الصندوق توقعاته لمعدل التضخم الرئيسي لعام 2026 إلى 4.7%، أي بارتفاع 0.3% مقارنة بشهر أبريل 2026، كما كانت هناك توقعات بتباطؤ نمو التجارة العالمية إلى 3.5% عام 2026، مقارنًة بـ5% عام 2025.

ومن الجدول (1) يتضح أن الدول المتقدمة ستشهد تراجعًا في معدل النمو من 1.9% عام 2025 إلى 1.7% عام 2026، على أن تنمو بنحو 1.8% عام 2027، وفي الدول الناشئة والنامية ستسجل معدلات النمو نحو 3.8% عام 2026، مُقارنة بنحو 4.5% عام 2025، على أن تعود بنفس المعدل عام 2027 إذا استقرت التوترات بشكل نهائي.

(-) انتعاش توقعات سوق الذكاء الاصطناعي: أسهم الانتعاش في سوق الذكاء الاصطناعي واتجاه الاستثمارات إليه، في خفض حدة تأثيرات التوترات في منطقة الشرق الأوسط، إذ يشهد سوق الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة نموًا ملحوظًا، ومن المتوقع أن يرتفع حجمه من نحو 22.82 مليار دولار عام 2025 إلى 60.6 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 21.4%.

في النهاية يُمكن القول إن التوترات في منطقة الشرق الأوسط تعمل على تباطؤ معظم اقتصاديات العالم، وليس اقتصاد المنطقة فحسب، فالأثر الخارجي لهذه التوترات أحدث صدمات كبيرة في الأسواق الاقتصادية المختلفة، التي لم تلبث أن تُصحح أوضاعها، الأمر الذي يُشير إلى أن التوقعات المستقبلية تتجه إلى أن الأسواق لن تشهد انتعاشًا مستقرًا إلا بعد أن تهدأ الأوضاع بشكل نهائي في منطقة الشرق الأوسط.